الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الثاني: المَلَاذُ عَن كفارِ قريشٍ، وعدمُ تمكُّنِهم منه؛ فإنَّهم يُعذِّبونَ كلَّ مَن لَحِقَ بالمُسلِمِينَ إلى الحَبَشةِ - الأُولى والثانيةَ - ثُمَّ المدينةِ وتمكَّنُوا منه.
الثَّالثُ: معرفةُ الطريقِ إلى المدينة، ومعه زادُه فيه.
ومَن وجَدَ عُذْرًا مِن هذه الثلاثة، فهو مِن المستضعَفِينَ؛ فقد يكونُ الرجلُ أو المراةُ صحيحَ البدنِ عارفًا بطريقِ المدينة، ولكنَّه مغلوبٌ مِن قريشٍ كالمحبوسِ؛ لأنَّهم يجعَلُونَ أَعْيُنًا لِمَن خَرَجَ مِن مكةَ، وقد يكونُ عارفًا بالطريق، آمِنًا فيه ومعه زادُه، يجدُ مَلاذًا مِن قريشٍ، لكنَّه مريضٌ بما لا يستطيعُ معه الخروجَ.
ومَن كان معذورًا، فقد رفَعَ اللهُ عنه الحرَجَ؛ قال {فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} .
وقولُهُ تعالى: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} هو كقَولِهِ في العنكبوتِ: {يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [56]، وفي ذلك إشارةٌ إلى وجوبِ الخروجِ مِن مَكَّةَ ولو إلى غيرِ المدينةِ عندَ العَجْزِ عنها.
وفي هذا: الهجرةُ مِن بلدِ الكفرِ التي لا يتمكَّنُ المُسلِمُ فيها مِن إظهارِ دِينِهِ إلى بلدِ الكفرِ التي يتمكَّنُ فيها مِن ذلك؛ كهِجْرةِ مَن هاجَرَ إلى الحبَشة، وفاعلُ ذلك معدودٌ مِنَ المهاجِرِينَ، ومُدرِكٌ لأجرِ الهجرةِ وفَضْلِها.
الفرقُ بين بلدِ الإسلامِ وبلدِ الكفر:
وأمَّا الفرقُ بينَ بلدِ الإِسلامِ وبلدِ الكفر، فالأصلُ أنَّه يَرجِعُ إلى دينِ الناس، لا إلى حُكَّامِهم، فالشُّعُوبُ والمَحكومونَ إنْ غلَبَ عليهِمُ الإِسْلامُ وهم سَوَادُ أهلِ البلد، ويُقيمونَ شَعائرَ الدِّينِ فيها، فبَلَدُهُمْ بلدٌ مسلِمٌ، ولو كان الحاكِمُ كافرًا.
فقد يكونُ البلدُ مسلِمًا، وحاكمُهُ كافرًا، كبَعْضِ دولِ الإِسلامِ في القرونِ الخاليةِ التي وقَعَ بعضُ حُكَّامِها في مكفِّرٍ ظاهِرٍ؛ كالدولةِ البُوَيْهِيَّةِ في العراق، والعُبيديَّةِ في مصرَ والقيروان، وغيرِهما؛ فالناسُ فيها يُظهِرونَ الإسلامَ وشرائعَ الدِّين، ولم يُفْتِ أحدٌ مِنْ علمائِها عمومَ الناس بالهجرةِ لأجلِ حاكمِها، ولَمَّا أَفْتَى أبو جعفرٍ الدَّاوودِيُّ علماءَ القيروانِ بالهِجرةِ أسكَتُوهُ وأنكَرُوا عليه قولَه؛ وذلك أنَّ العلماءَ إنْ تَرَكُوا العامَّةَ تَرَكُوا دِينَهم، وتَبَدَّلَتْ بلدٌ بكامِلِها بعدَما كان الخوفُ عَلَى بعضِها.
وفرقٌ بينَ كفرِ الحاكِم وكفرِ المحكومينَ، ولا يَلزَمُ مِن كفرِ الحاكمِ كفرُ المحكوم، إلَّا عندَ بعضِ الخوارجِ.
وقد يكونُ الحاكمُ مسلِمًا، والمحكومونَ كفِّارًا؛ فيكونُ البلدُ بلدَ كفرٍ؛ كالحبَشةِ بعدَ إسلامِ النجاشيِّ؛ فهو مسِلمٌ، ومَحكُومُوهُ نَصارى.
ويخرُجُ مِن هذا إنْ حكَمَ حاكمٌ مسلِمٌ بلدًا أكثرُهُ كفَّار بحُكْمِ الله، وأَجْرَى للمُسلِمِينَ الظُّهُورَ، ولو كانوا أقلَّ مِن غيرِهم، فغلبَت شوكةً المسلِمِينَ شوكةَ الكافِرِينَ، وظهورُ المسلِمِينَ ظهورَ الكافِرِينَ، فيَحُلُّ الظهورُ هنا مَحَلَّ الكثرة، ويأخُذُ البلدُ حُكْمَ بلدِ الإِسلامِ.
وقد نصَّ عَلَى اعتبارِ الظهورِ والغلَبةِ غيرُ واحدٍ مِن الأصحابِ؛ كأبي يَعْلَى وابنِ مُفلِحٍ؛ فقد تكونُ بلدةٌ أو قريةٌ أهلُها عَلَى الكفر، وهي داخلةٌ في دولةِ المُسلِمِينَ، محكومةٌ بحُكمِهم، فلا تأخُذُ حُكمَ بلَدِ الكفرِ؛ كخَيبَرَ؛ فقد كان جلُّ أهلِها يهودَ، ولكنَّها تحتَ حُكْم المُسلِمينَ ودولتِهم، وخَرَاجُها لهم، وقد جَعَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عليها عُمَّالَهُ، فلم يكُنْ يسكُنُها الصحابةُ كما يسكُنونَ المدينةَ، وإنَّما يُعامِلونَ أهلَها ويُبايِعُونَهم، ولو أقام فيها أحدٌ، لم يكُن مقيمًا في بلدِ كفرٍ، وإنَّما جاوَرَ كافِرِينَ؛ لأنَّ الأرضَ للمُسلِمينَ، وحُكمَهم عليها نافذٌ وظاهرٌ؛ كظُهُورِ الكثرةِ عَلَى القِلَّة، وخَرَاجَها لهم، فالنبيُّ حينَما أخرَجَهم منها، لم يُعْطِهم قيمةَ