الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حيثُ جعَلَ إسقاطَهم للمالِ كالصَّدقةِ به وهم لم يَقْبِضوه؛ وهذا نظيرُ قولِهِ تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 280]، فالمالُ لصاحِبِهِ وأقرَضَهُ غيرَه، وكأنَّ الديةَ مِثلُه؛ لاستحقاقِ أهلِ القتيلِ لها؛ كأنَّما قبَضوها وأعطَوْها غيرَهم صدقةً منهم.
والمالُ على المُعسِرِ إلَّا إنْ أسقَطَهُ صاحبُهُ عنه، فهو في حُكْمِ الصَّدقةِ عليه، وإنْ كان إسقاطُه بسبَبِ اليأسِ منه وعدَمِ رجاءِ عودتِه، فذلك دونَ البَداءةِ ببَذلِهِ وإخراجِه من مالِهِ صدقةً.
التفاضُلُ بين إسقاطِ الديةِ وأخذِها:
وفي قوله: {إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} تشوُّفٌ إلى العفوِ باستعمالِ لفظِ التصدُّقِ، بدلَ العفوِ والتَّرْكِ وشِبْهِه، وفضلُ الصدقةِ بالديةِ على القاتلِ وعاقلتِهِ على حالَيْنِ:
الأُولى: أنَّ العفوَ والصدقةَ بها أَوْلى مِن قَبْضِها؛ وذلك إذا كان القاتلُ لا قرينةَ في تعمُّدِهِ القتلَ، وكان مُعسِرًا ولا عاقلةَ له تُعِينُهُ، وكان أهلُ المقتولِ أهلَ قُدْرةٍ ويَسَارٍ.
الثانيةُ: أنَّ أخذَها أوْلى؛ وذلك لِمَن ظهَرَ منه تعمُّدُ القتلِ وقامَتْ قرينةُ العداوةِ، وضَعْفِ الدِّيَانة، وسوءِ القصدِ؛ فأخذُها تأديبٌ له ولأمثالِه.
وأخذُ الديةِ في الحالَينِ حقٌّ لأهلِ المقتول، لا يُلامون بذلك ولا يُعاتَبونَ عليه.
مقدارُ ديةِ القتلِ:
وقولُه: {وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} ، ديةُ القتلِ مِئةٌ مِنَ الإبلِ؛ وبهذا قَضَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم وخُلَفاؤُه الرَّاشِدونَ، وهي واجبةٌ مِن الإبلِ على أصحابِ الإبلِ، ولا خِلَافَ في ذلك.
ولكنْ إن لم يكُنِ القاتلُ مِن أهلِ الإبل، فقد اختَلَفُوا في مقدارِها مِن الذَّهبِ والفِضَّةِ وما يَنوبُ عنهما، مع اتِّفاقِ الأئمَّةِ الأربعةِ على جوازِ أخذِها مِن غيرِ الإبلِ مِن غيرِ أهلِها، ولمَن تَصالَحَ على غيرِها:
فأمَّا الذهبُ، فقد رُوِيَ عن عُمرَ؛ أنَّه قوَّمَها بألفِ دينارٍ مِنَ الذهبِ، وبقضائِهِ قال الأئمةُ الأربعةُ، وهو قولُ الشافعيِّ القديمُ.
روى الشعبيُّ، عَن عَبِيدَةَ، عن عُمَرَ، أنَّه جعَلَ الدِّيةَ على أهلِ الذهبِ ألفَ دِبنارٍ، وعلى أهلِ الوَرِقِ عشَرةَ آلافِ درهمٍ، وعلى أهلِ البقرِ مِئَتَيْ بقرةٍ، وعلى أهلِ الشَّاءِ ألفَ شاةٍ، وعلى أهلِ الإبلِ مئةً مِن الإبلِ، وعلى أهلِ الحُلَلِ مِئَتَيْ حُلَّةٍ.
يَرويهِ عنِ الشعبيِّ؛ ابنُ أبي لَيْلَى؛ عِند ابنِ أبي شَيْبةَ (1)، والهيثمُ، رواهُ محمدُ بنُ الحسنِ في الآثارِ عن أبي حنيفةَ عنِ الهَيْثَمِ به (2)؛ وهو ضعيفٌ.
وأمَّا الفضَّةُ، فالجمهورُ على أنَّها اثنا عشَرَ ألفَ دِرهمٍ؛ وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ.
وقال أبو حنيفة: هي عَشَرةُ آلافِ دِرْهمٍ.
وإنَّما اختَلَفُوا لاختلافِ القديرِ عن عمرَ؛ فقد رُوِيَ عنه تقديرُ القيمةِ على رواياتٍ، وهي مُرسَلةٌ، ومنها ما أخرَجَهُ أبو داودَ، عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عَن أبيه، عَن جَدِّه؛ قال: كَانَت قِيمَة الدِّيَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ثَمَانَ مِئَةِ دِيَنَارٍ أَوْ ثَمَانِيَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَدِيَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ يَوْمَئِذٍ النِّصْفُ مِنْ دِيَةِ المُسْلِمِينَ، قَالَ: فَكَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَتَّى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ رحمه الله، فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: أَلَا إِنَّ الإِبِلَ قَدْ غَلَتْ، قَالَ: فَفَرَضَهَا عُمَرُ
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(26727)(5/ 344).
(2)
"الآثار" لمحمد بن الحسن الشيباني (2/ 483).
عَلَى أَهْلِ الذَّهبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِئَتَيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْحُلَلِ مِئَتَيْ حُلَّةٍ، قَالَ: وَتَرَكَ دِيَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَرْفَعهَا فِيمَا رَفَعَ مِنَ الدِّيَةِ (1).
يَرويهِ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عثمانَ بنِ أميَّةَ، عن حُسينٍ المُعلِّمِ، عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، وعبدُ الرحمنِ ليس بالقويِّ؛ قاله أبو حاتمٍ.
ولا يصحُّ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قَضَى الديَةَ بغيرِ الإبِل، وقد رُوِيَ مِن حديثِ ابنِ عُمرَ وابنِ عبَّاسٍ وجابرٍ: تَقديرُها بالذَّهَبِ والفِضَّةِ والحُلَلِ؛ ولا يَصحُّ.
ولكنَّ ما جاء عن عُمرَ وعثمانَ وغيرِهما مِن الصحابةِ يدلُّ بمجموعِهِ على جوازِ التقديرِ بالذهبِ والفضة، وإنِ اختَلَفَ القولُ عنهم، فهو يُثبِتُ أصلَ التقديرِ.
ولم يثبُتْ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في أَسْنَانِ الإبلِ حديثٌ، وقد جاء مِن حديثِ عمرِو بنِ شعَيْبٍ؛ أنَّ النبيَّ جعَلَ ديةَ الخطأِ أرباعًا: ثلاثونَ بنتَ مَخَاضٍ، وثلاثونَ بنتَ لَبُونٍ، وثلاثونَ حِقَّةً، وعَشَرةٌ بَني لَبُونٍ، والحديثُ في "السُّننِ"(2)؛ ولا يصحُّ، وليس العملُ عليه.
وجاء مِن حديثِ ابنِ مسعودٍ مرفوعًا: أنَّ ديةَ الخطأِ مئةٌ مِن الإبلِ، منها عِشْرونَ حِقَّةً، وعِشرون جَذَعةً، وعِشرونَ بنتَ لَبُونٍ، وعشرونَ بنتَ مَخَاضٍ، وعشرونَ بَني مَخَاضٍ (3)، وهو ضعيفٌ أيضًا.
ويعضُدُ نَكارتَهُ: أنَّ أبا عُبَيْدةَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رَوَى عن أبيهِ
(1) أخرجه أبو داود (4542)(4/ 184).
(2)
أخرجه أبو داود (4541)(4/ 418)، والنسائي (4801)(8/ 42)، وابن ماجه (2630)(2/ 878).
(3)
أخرجه أبو داود (4545)(4/ 184)، وابن ماجه (2631)(2/ 879).