الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اختلافُ السلفِ في مسافةِ القصرِ
…
واعتبارُ العرفِ:
وبعضُ الفقهاءِ يَحمِلُ تبايُن أقوالِهم في هذا على اختلافِهم في حدِّ السفَرِ نَفْسِه، لا فيما يحتَفُّ به مِن حالٍ وقصدٍ؛ ولذلك تَوَسَّعُوا في حكايةِ حدِّ مسافةِ القَصْرِ عنِ الصحابة، ووُضِعَتْ بعضُ الأقوالِ في غيرِ موضعِها، وجعَلُوا للواحدِ منهم أقوالًا متضادَّةً متعارضةً، ومَن نظَرَ إلى المرفوعِ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وإلى الموقوفِ على الخلفاءِ الرَّاشِدِينَ، وجَدَ أنَّها حكايةُ حالٍ.
وهذا وغيرُهُ مما يُحكَى مِن تنوُّعِ أقوالِ الصحابةِ يعضُدُ أنَّ الأمرَ يَرجِعُ إلى العُرْفِ؛ وإنَّما خِلافُهم في حالِ المسافِرِ وما يَقترِنُ بسفَرِهِ مِن قرائنَ خارجةٍ عنه، يُنزِلون الحُكْمَ بعدَ معرفتِها على ذاتِ السَّفَر، فيُظَنُّ أنَّ اختلافَهم على مسافةِ السَّفَرِ الي يصحُّ بها القَصْرُ.
وقد صحَّ في مسلم: أنَّ عُمَرَ قصَرَ بذي الحُلَيْفةِ (1)، وبينَها وبينَ المدينةِ اثنا عشَرَ كيلًا أوَ أقلُّ، واليومَ هي مِن المدينةِ أو أوشكَتْ، وصحَّ عنه أنَّه قصَرَ الصلاةَ إلى خَيْبَرَ؛ كما رواهُ أَسْلَمُ، وهي نحوٌ مِن مِئَةٍ وثمانينَ كيلًا! رواهُ البيهقيُّ (2)، وصحَّ عنه أنَّه قصَرَ في ثلاثةِ أميالٍ؛ رواهُ اللَّجلاجُ العامريُّ عنه؛ أخرَجَه ابنُ أبي شيبةَ (3).
ولم يُقيِّدْهُ عثمانُ بنُ عفَّانَ مسافةً؛ وإنَّما قيَّدَهُ بما يتَحقَّق معه السفَرُ عادةً في العُرْف، وهو الشخوصُ والبروزُ في الأرض، الذي يحتاجُ فيه معه إلى الزَّادِ، فقال: إنَّما يَقصُرُ الصلاةَ مَن كان شاخِصًا أو بحضرةِ عدوٍّ؛ وهو صحيحٌ عنه؛ أخرَجَهُ عبد الرزَّاقِ وغيرُهُ (4).
وصحَّ عن عليٍّ: أنَّه قصَرَ وهو منطلِقٌ إلى صفِّينَ؛ رواهُ عنه
(1) أخرجه مسلم (692)(1/ 481).
(2)
أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(3/ 136).
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(8137)(2/ 202).
(4)
أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(4285)(2/ 521)، وابن أبي شيبة في "مصنفه"(8151)(2/ 203)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(3/ 137).
عاصمٌ؛ أخرَجَهُ ابنُ المنذِرِ (1).
وهذا الصحيحُ عنِ الخلفاءِ الراشدِين في قصرِ الصلاة، ولا أعلَمُ عن أحدٍ منهم مَن حَدَّ السفَرَ الذي يُقصَرُ فيه بمسافةٍ زمنيَّةٍ، ولا طُوليَّةٍ، وإنَّما هي أفعالٌ مجرَّدةٌ حُكِيَتْ عنهم، لا يُجزَمُ بأنَّهم أخرَجوا ما دونَها، فلا يُترَخَّصُ فيها، وهي شبيهةٌ بالأفعالِ المحكيَّةِ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم التي تدلُّ على عمومِ الترخُّصِ، لا حدِّ السَّفرِ بزمَنٍ ولا بطولٍ، وما ترَكُوا ذلك إلَّا لأنَّ السَّفَرَ لا يَنضبِطُ باطِّرادِ على كلِّ زمنٍ ولا على كلِّ مَسِيرٍ.
وقد جاء عمِّن دونَهُمْ مِن الصحابةِ أقوالٌ في حدِّ السفرِ بمَسِيرٍ أو بمكانٍ أو زمانٍ، ولكنْ ما مِن أحدٍ منهم صَحَّ الحدٌّ عنه في قولٍ إلَّا صحَّ عنه مِن وجهٍ آخَرَ ما يُخالِفه؛ فقد صَحَّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّه قال:"لَا تَقصُرْ إلَى عَرَفَةَ وَبَطْنِ نَخْلَةَ، وَاقصُرْ إِلَى عُسْفَانَ وَالطَّائِفِ وَجُدَّةَ، وَلَا تَقصُرُوا الصَّلَاةَ إِلا فِي الْيَوْمِ التَّامِّ، وَلَا تَقصُرْ فِيمَا دُونَ اليوْمِ"؛ رواهُ عنه عطاءٌ (2)، ورواهُ الشافعيُّ في الأمِّ (3)، وروى مجاهدٌ (4) وعِكرِمةُ (5) وأبو حِبَرَةَ (6) عنه تَقيِيدَة باليومِ التامِّ.
وتَرخَّصَ ابن مسعودٍ بالقَصْرِ مِن الكوفةِ إلى النَّجَفِ (7)، وبينهما بضعةَ عشَرَ كيلًا، ونرخَّصَ أيضًا بأربعةِ فَراسِخَ (8)، ولم يُرخِّصْ حذيفةُ
(1) أخرجه ابن المنذر في "الأوسط"(3/ 93).
(2)
أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(4296)(2/ 524)، وابن أبي شيبة في "مصنفه"(8140) و (8147)(2/ 202).
(3)
"الأم"(1/ 211)
(4)
أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(4299)(2/ 524)، وابن أبي شيبة في "مصنفة"(8135)(2/ 201).
(5)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(8119)(2/ 200).
(6)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(8133)(2/ 201)
(7)
أخرجه البيهقي في "معرفة السنن والآثار"(2/ 422).
(8)
ينظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (6/ 97).
بالقَصْرِ مِنَ الكوفةِ إلى المَدائنِ (1)، معَ أنَّه رُوِيَ عنه أنَّه قصَرَ بنفسِه بينَهما (2).
وأمَّا ابن عمرَ، فصحَّ عن نافعٍ قولُهُ:"كان ابنُ عمرَ أَدْنى ما يَقصُرُ إليه الصلاةَ مالٌ له يُطالِعُهُ بخيبرَ"(3)، وهي نحوٌ مِن مِئَةٍ وثمانينَ كيلًا، وصحَّ عنه ما يُخالفُه؛ فقد قصَرَ في أقلَّ مِن ثلثِ مسيرِه هذا إلى خيبرَ، كما رواهُ عنه سالِمٌ؛ قال:"سافَرَ إلى رِيمٍ فقَصَرَ الصلاةَ، وهي مسيرةُ ثلاثينَ ميلًا"؛ رواهُ مالكٌ (4).
وصحَّ عنه القصرُ بما هو أقصرُ مِن ذلك فيما رواهُ سالمٌ أيضًا: أنَّه قصَرَ بذاتِ النُّصُب، وهي سِتَّةَ عشَرَ فرسخًا؛ أخرَجَه مالكٌ (5)، وهي نحوٌ مِن ثمانيةٍ وعِشرينَ كِيلًا، وصحَّ عنه القصرُ فيما هو أقصَرُ مِن ذلك؛ كما رواهُ محمدُ بن زيدِ بنِ خلَيْدةَ: أنَّ ابنَ عمرَ قال: "تُقصَرُ الصلاةُ في مسيرةِ ثلاثةِ أميالٍ"؛ رواهُ ابنُ أبي شيْبةَ (6)، وصحَّ عنه مِن حديثِ جَبَلةَ بنِ سُحَيْمٍ: أنَّه قال: "لو خرَجْتُ مِيلًا، فصَرْتُ الصلاةَ"(7)، وصحَّ عنه مِن حديثِ مُحارِبِ بنِ دِثارٍ: أنَّه قال: "إِنِّي لَأُسَافِرُ السَّاعَةَ مِنَ النَّهَارِ فَأَقْصُرُ"، رواهُ ابنُ أبي شيبةَ (8)، وصحَّ عنه مِن حديثِ نافعٍ: أنَّه كان يُقِيمُ بمكَّةَ، فَإِذَا خَرَجَ إِلَى مِنى قَصَرَ (9).
وصحَّ عن أنَّسٍ. "أنَّه قصَرَ الصلاةَ وجمَعَ إلى أرضٍ له مسافةَ خمسةِ فراسِخَ"؛ رواهُ عنه حمادُ بن زيدٍ، عن أنسِ بنِ سيرينَ، عنه (10)، وهي على
(1) أخرجه البيهقي في "معرفة السنن والآثار"(2/ 422).
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(8118)(2/ 200).
(3)
أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(4302)(2/ 525).
(4)
أخرجه مالك في "الموطأ"(عبد الباقي)(11)(1/ 147).
(5)
أخرجه مالك في "الموطأ"(عبد الباقي)(12)(1/ 147).
(6)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(8120)(2/ 200).
(7)
"فتح الباري"(2/ 567).
(8)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(8139)(2/ 201).
(9)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(8184)(2/ 206).
(10)
أخرجه ابن المنذر في "الأوسط"(4/ 407).