الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومثل ذلك المرأة وعمَّتها، والمرأة وخالتها: يحرم الجمع بينهما بالاتِّفاق؛ حكاه الشافعيُّ وغيره، ويجوز الانفرادُ بالواحدة منهنَّ ثمَّ الانفراد بالأخرى.
الجمع بين الأختين الأمتَيْنِ:
واختلف العلماء في الجمع بين الأختين الأمتين بالوطء على قولين:
القول الأول: التحريم؛ وهو قول جمهور الفقهاء، وبه قضى عليٌّ والزبير وابن مسعودٍ.
وقد روى مالكٌ في "الموطَّأ"، عَنْ قَبِيصَةَ بنِ ذُؤَيْبٍ؛ أنَّ رَجُلًا سألَ عُثمانَ بنَ عفَّانَ: عن الأُخْتَيْنِ مِن مِلكِ اليَمينِ: هل يُجْمَعُ بينهُما؟ فَقالَ عُثْمَانُ: أحَلَّتْهُما آيَةٌ، وَحَرَّمَتهُما آيةٌ، وَمَا كُنتُ لأصْنَعَ ذلك، فخرج من عندِه، فلقيَ رَجُلًا مِن أصْحَاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فسألهُ عَنْ ذلك، فَقَال: لوْ كانَ إليَّ مِنَ الأَمْر شَيءٌ، ثمَّ وجدتُ أحدًا فعل ذلك، لجَعلتُهُ نكالًا.
قال مالكٌ: قال ابن شهابٍ: أُراهُ عليَّ بن أبي طالبٍ؛ قال: وبلغني عَنِ الزُّبير بنِ العوَّام مثلُ ذلك" (1).
وروى ابن أبي حاتمٍ، عن عبد الله بن أبي عُتْبَة، عن ابن مسْعُودٍ:"أنَّهُ سُئِلَ عن الرَّجُلِ يجمع بين الأختين الأمَتَين، فكرهه، فقال: يقول اللهُ تعالى: {إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24]؟ فقال له ابن مسْعُودٍ: بعيرُكَ أيضًا ممَّا ملكت يمينُك! "(2).
وروى مَسْروقٌ: قال ابن مسعودٍ: يحرُمُ من الإماء ما يحرُمُ من الحرائر إلا العَدَد" (3).
(1) أخرجه مالك في "الموطأ"(عبد الباقي)(34، 35)(2/ 538، 539).
(2)
"تفسير ابن أبي حاتم"(3/ 914).
(3)
"تفسير ابن المنذر"(2/ 633).
وهذا هو الأظهر، فالله حرَّم الجمع بين المرأة وعمَّتها أو خالتها، والجمع بين الأختين بلا قيدٍ، ويؤخذ ذلك على إطلاقه؛ فاللهُ حرَّم الجمع لحِكَمٍ وعلَلٍ؛ منها القطيعة؛ لأنَّهنَّ ضَرَّاتٌ، ويقع هذا في وطء النِّكاح ووطء التَّسرِّي.
وحِلُّ مِلْكِ اليمين لا يلزم منه حِلُّ الوطء؛ كمِلْكِ يمين الأَمَةِ المُشركةِ والمُبَعَّضَة، لا يجوز وطؤها، والمملوكة قبل استبرائها.
القول الثاني: الجواز؛ وهو قول ابن عبَّاسٍ؛ حكاه عمرو بن دينارٍ عنه؛ أخرجهُ ابن المُنذر، عن حمَّادٍ، عن عمرٍو، به (1).
والنهيُ في الجمع بين الأختين والجمع بين المرأة وعمَّتها أو خالتها من النَّسب بلا خلافٍ، وأمَّا الجمع بين الأختين والجمع بين المرأة وعمَّتها أو خالتها من الرضاع، فقد حكى الإجماع فيه غير واحد؛ وهو قول الأئمَّة الأربعة، وخالف في ذلك بعض الأئمة؛ كابن تيمية.
ويحرُمُ الجمعُ بالوطءِ بين المرأة وعمَّتها والمرأة وخالتها من الإماء، والحُكْمُ في ذلك كالحُكْم في الجمع بين الأختين، والجمع بين الأختين أغلظُ، وأغلظُ من ذلك الجمعُ بالوطءِ بينَ الأُمِّ وبنتِها من الإماءِ.
وقد قال تعالى في آخر آية المُحرَّمات من النِّساء: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} ؛ غفورًا لما سلف من مُخالفة أمره قبل العلم به في الجاهليَّة، رحيمًا بهم في تشريعه وحُكْمه وإنْ خَفِيَتْ على العباد عِلَّتُه.
* * *
(1)"تفسير ابن المنذر"(2/ 632).
الإحصان يُطلق في القرآن على معانٍ:
منها: إحصان النِّكاح والزواجِ؛ فالمتزوِّج من الرجال والنساء يُسمَّى مُحْصَنًا.
ومن معاني الإحصان: إحصانُ عفافٍ وبُعدٍ عن الفاحشة، ومن هذا قول الله تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25]، وقوله تعالى:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [المائدة: 5]؛ يعني: العفيفات، ومنه قوله تعالى:{وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} [الأنبياء: 91]؛ يعني: أعفَّتْهُ وعَصَمَتْه من الحرام، ومنه قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور: 4]؛ يعني: العفيفات البعيدات عن الفاحشة.
ومن معاني الإحصان: الحرية، وأُلحِق وصفُ الإحصان بالحرائر؛ لغلبة العفاف عليهنَّ بخلاف الجوَاري؛ ومن هذا قوله تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25] ، وفرقٌ بين وصف الإيمان، ووصف الإحصان.
ومثله قوله تعالي في المائدة: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [5] ، فسَّر ابن عبَّاسٍ الإحصان بالحرية (1).
(1)"تفسير الطبري"(8/ 139).
ومن مَعاني الإحصان: الإسلام؛ كما في قوله تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25]، فسَّرَ الإحصان بالإسلام: ابن مسعودٍ والشَّعْبيُّ والحَسَنُ والنخعيُّ والسُّدِّيُّ (1) والشافعيُّ (2).
واختلف كلام المفسِّرين في المراد بالمُحْصَنات في هذه الآية:
وأكثر السلف على أنَّ المراد بالمحصنات هنا هُنَّ النساء اللاتي في عِصْمة أزواجٍ؛ فهنَّ من المُحرَّمات أن يُعقَد عليهنَّ، واسْتثنى الله المملوكاتِ المسْبيَّات، ولو كُنَّ في عِصْمة زوجٍ مُشركٍ، فيبطل نكاحُها بسَبْيِها ومِلْكِها؛ روي ابن جريرٍ، عن عليِّ بن أبي طلحَة، عن ابن عبَّاسٍ، في قولِه:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ؛ يقول: "كلُّ امرأةٍ لها زوجٌ، فهي عليك حرامٌ، إلَّا أمةً ملَكْتها ولها زوجٌ بأرضِ الحربِ، فهي لك حلالٌ إذا اسْتبرأتها"(3).
ورواهُ سعيدُ بنُ جُبيرٍ، عن ابن عبَّاسٍ (4).
وقاله أبو قلابة ومكحولٌ وابن زيد وغيرُهم (5).
وهذا قول جمهور العلماءِ، وقيَّد أبو حنيفة وأحمدُ فَسْخ المسْبيَّةِ مِن زوجها المشرك إذا سُبِيَت وحدها دُونهُ؛ سواءٌ كان سبيُها قبلَهُ أو بعدَهُ.
وقيل: إنَّ المراد بالمُحْصَنات في الآية: العفيفاتُ؛ وبهذا قال
(1)"تفسير الطبري"(6/ 609 - 611)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(3/ 923).
(2)
"تفسير القرطبي"(6/ 237)، و"تفسير ابن كثير"(2/ 261).
(3)
"تفسير الطبري"(6/ 562)، و"تفسير ابن المنذر"(2/ 635)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(3/ 916).
(4)
"تفسير الطبري"(6/ 562)، و"تفسير ابن المنذر"(2/ 636).
(5)
"تفسير الطبري"(6/ 563).