الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"الصحيحِ"؛ مِن حديثِ جابرٍ؛ قال: أرسَلَني رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو مُنطلِقٌ إلى بَنِي المُصْطَلِقِ، فأتيتُهُ وهو يُصلِّي على بعيرِه، فكلَّمْتُه، فقال لي بيدِه هكذا (1).
وما جاء عن أنسٍ؛ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: كان يُشيرُ في الصلاةِ (2).
وجاء ذلك من حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ وابنِ عمرَ وغيرِهما، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
والحديثُ الذي يَمْنَعُ مِن ذلك مُنكَرٌ؛ فقد رواهُ أبو داودَ؛ مِن حديثِ أبي غَطَفَانَ، عن أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ - يَعنِي: فِي الصَّلاةِ - وَالتَّصفِيقُ لِلنِّسَاءِ، مَن أشَارَ في صَلَاِتِهِ إِشَارَةً تُفْهَمُ عَنْهُ، فَلْيُعِدْ لَهَا)؛ يَعْنِي: الصَّلَاةَ (3).
وهو حديثٌ مُنكَرٌ، قال أبو داودَ:"هذا الحديثُ وهمٌ".
ورَدَّهُ أحمدُ وأبو زُرْعةَ والدارقطنيُّ وغِيرُهم.
الكلامُ في الصلاةِ أشدُّ من الحركةِ:
والحركةُ أخفُّ مِن الكلامِ في الصلاةِ؛ لأنَّ الكلامَ يَشغَلُ القلبَ وَيَصرِفُ الذهنَ؛ فالكلامُ عادةً يكونُ مع الناسِ، والمُتكلِّمُ لا ينشغلُ بغيرِ كلامِه، وأمَّا الحركةُ، فقد يفعلُها الإنسانُ لنفسِه كَحَكٍّ، أو لغيرِه كَحَمْلٍ، كما حمَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أمَامَةَ بنتَ زينبَ وهو يُصلِّي، ويمكنُ الجمعُ بينَ حضورِ القلبِ والحركةِ؛ كحكٍّ وحملٍ، ولا يمكنُ الجمعُ بينَ حضورِ القلبِ والكلامِ مع الناسِ؛ لهذا شُدِّدَ في الكلامِ، وخُفِّفَ في الحركةِ في الصلاةِ.
بذلُ السلامِ على المصلِّي وردُّ المصلِّي:
وأمَّا بَذْلُ السلامِ على المُصلِّي، فمستحَبٌّ على قولِ جمهورِ الفقهاءِ
(1) أخرجه مسلم (540)(1/ 383).
(2)
أخرجه أحمد (12407)(3/ 138)، وأبو داود (943)(1/ 248).
(3)
أخرجه أبو داود (944)(1/ 248).
وأكثرِ السلفِ؛ وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ، وروايةٌ عن أحمدَ، وصحَّ فِعلُه عن ابنِ عمرَ، خلافًا للحنفيَّةِ، وكرِهَه جابرُ بن عبدِ اللهِ، وعطاءٌ؛ فقد روى عبدُ الرزَّاقِ، عن جابرٍ؛ أنَّه قال:"لَوْ مَرَرْتُ بِقَوْمِ يُصَلُّونَ، مَا سَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ"(1).
والسلامُ على الجماعهِ أظهرُ في الإشغالِ مِن المنفرِدِ؛ فهم مأمورونَ بالمتابعةِ للإمامِ والإنصاتِ له؛ فالسلامُ قد يُدخِلُ تسليمَ المُسلِّمِ مع تكبيرِ الإمامِ وتسليمِه وقراءتِه، فيَخلِطُ على المأمومِ صلاتَه، ويظهرُ هذا إذا تتابَعَ الناسُ إلى الصلاةِ والإمامُ يُصلِّي بالناسِ، فسلَّمَ كل متأخِّرٍ على جماعةِ الصلاةِ، فيَنشغِلونَ عن واجبِهم بسلامِ الداخِلِينَ عليهم.
وظواهِرُ الأدلَّةِ على استحباب السلامِ وعدمِ نسخِه بحالٍ، وتحريمُ الكلامِ على المصلِّي لا يعني مَنعَ السلامِ عليه، لأنَّ العلةَ مِن السلامِ ليستِ التحيةَ والترحيبَ والردَّ عليها فحَسْبُ، بل إشعارُ المسلَّمِ عليه بالسلامِ والأمانِ؛ وهذا مشروعٌ ولو لم يَرُدَّ، فيُشرَعُ السلامُ على الأخرسِ، وعلى مَن لا يَرُدُّ السلامَ عمدًا بسببِ هجرٍ أو قطيعةٍ.
والصحابةُ يُفرِّقونَ بين بَذْلِ السلامِ وبينَ ردِّه، فجابرُ يقولُ في بذلِ السلامِ:"لَوْ مَرَرْتُ بِقَوْمِ يُصَلُّونَ، مَا سَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ".
ويقولُ في ردِّ السلامِ: "لَوْ سُلِّمَ عَلَيَّ وَأَنَا أُصَلِّي، لَرَدَدتُّ"(2).
ولم يُنكِرِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على جابرٍ، حينَما سلَّمَ عليه ولم يَعلَم بنسخِ الكلامِ في الصلاةِ؛ وإنَّما بَيَّنَ له سببَ عدمِ ردِّه عليه، فقال:(إِنَّهُ لم يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي)(3).
(1) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(3600)(2/ 337).
(2)
"الأوسط" لابن المنذر (3/ 436).
(3)
أخرجه مسلم (540)(1/ 384).