الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ! ) (1)، ونفيُ الخَلْقِ المذكورُ في القرآن؛ كقولِه:{لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} [الحج: 73]، {لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [النحل: 20]: المرادُ به: نفيُ الخَلْقِ بعد عدمٍ، وإيجادِ المادةِ عن لا شيءٍ، ونفيُ القدرةِ على مُضَاهَاةِ خَلْقِ اللهِ الذي بينَ أيدِيهِم، وهؤلاء المَعبُودونَ - سواءٌ كانوا أصنامًا أو بشرًا أو جِنًّا - أَعجزُ عن فعلِ ذلك.
والنسبةُ الجائزةُ في الخَلقِ هي الصورةٌ الظاهرةُ، أو الرسمُ؛ محاكاةً لظاهرِ المخلوقاتِ، لا لحقيقتِها.
واللهُ يَقضِي مِن أمرِهِ ما يشاءُ لأنبيائِه وأُمَمِهم، فجعَلَ خَلْقَ عيسى بيدِهِ ما يُشابِهُ خَلْقَ اللهِ إعجازًا وآيةً، وجعَلَهُ في أُمَّةِ محمدٍ حرامًا؛ لمُضاهاتِهِ خَلْقَ اللهِ، ولكيلا يُتَّخَذَ ذريعةً للعادةِ مِن دونِه، وكل ذلك مُنْتَفٍ في فِعْلِ عيسى؛ فعيسى فعَلَ ذلك بأمر اللهِ؛ فجعَل اللهُ فِعل عيسى مخلوقًا بإذنِه، فلم يَبْقَ على حالِه.
حكمُ الصُّوَرِ والتماثيلِ:
ولا خلافَ أنَّ اللهَ قد حَرَّمَ على أُمَّةِ محمدٍ الصُّوَرَ والتماثيلَ المُشابِهةَ لخَلْقِ اللهِ؛ مِن ذواتِ الأرواحِ مِن حيوانٍ أو إنسانٍ، سواءٌ رُسِمَت باليدِ، أو نُحِنَتْ بحَجَرٍ أو خشبٍ أو مَعْدِنٍ، أو صُنِعَت بآلةٍ الكترونيَّةٍ؛ ففي "الصحيحَينِ"، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنّه قال:(قَالَ اللهُ عز وجل: وَمَن أَظَلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخلُقُ كَخَلْقِي؟ ! فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً)(2).
وفي حديثِ أبي جُحيفَةَ في "الصحيحِ"؛ قال صلى الله عليه وسلم: (لعَنَ اللهُ المُصوِّرينَ)(3).
(1) أخرجه البخاري (5951)(7/ 167)، ومسلم (2108)(3/ 1669).
(2)
أخرجه البخاري (7559)(9/ 161)، ومسلم (2111)(3/ 1671).
(3)
أخرجه البخاري (5347)(7/ 61).
وفي "الصحيحَيْنَ"؛ مِن حديثِ ابنِ مسعودٍ؛ قال: سمِعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: (إِنَّ أَشدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ: المُصَوِّرُونَ)(1).
وقد أمَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بطَمْسِ التماثيلِ عندَ القدرةِ عليها؛ كما في وصيَّتِه لعليٍّ في "الصحيحِ"(2).
ولا حرَجَ مِن دخولِ أماكنِ البيعِ والأسواقِ التي فيها تصاويرُ يُعجَزُ عن نَزْعِها؛ ويكونُ ذلك بمقدارِ المرورِ والحاجةِ مع الكراهةِ القَلْبيَّةِ؛ ففي "المصنَّفِ" لابن أبي شيبة؛ مِن حديثِ المُعْتَمِرِ، عن أبيهِ، قال:"سمِعتُ الحسنَ يقولُ: أوَلم يكُنْ أصحابُ محمدٍ يدخُلُونَ الخاناتِ فيها التصاويرُ؟ ! "(3).
ورُوِيَ هذا عن مسروقٍ والنخَعيِّ.
وكانوا يَكرَهُونَ مِن الصُّوَرِ المنصوبَ، وأمَّا ما كان في الأرضِ والسقفِ، فلم يُشَدِّدْ فيه بعضُ فقهاءِ الكوفةِ كإبراهيمَ؛ فقد قال:"لا بأسَ بالتمثالِ في حِلْيَةِ السيفِ، ولا بأسَ بها في سماءِ البيتِ؛ إنَّما يُكرَهُ منها ما يُنصَبُ نَصْبًا؛ يعني: الصورةَ"(4).
وكلُّ مُعظَّمٍ محترَمٍ مِن الصُّوَرِ ولو كان في السقفِ، فهو حرامٌ.
وما كان مُمْتَهَنًا في الأرضِ والبُسُطِ والأحذيةِ، وما كان مِن الأُزُرِ والسراويلِ والخِفَافِ والجواربِ والمَجالس والمراتبِ والأرائكِ: فجائزٌ، ورُوِيَ عن أكثرِ السلفِ عدمُ كراهةِ ذلك؛ صحَّ ذلك عن ابنِ سِيرِينَ، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ، وعِكْرِمةَ، وعطاءِ بنِ أبي رباحٍ، وسالمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وعروةَ بنِ الزُّبيرِ.
(1) أخرجه البخاري (5950)(7/ 167)، ومسلم (2109)(3/ 1670).
(2)
أخرجه مسلم (969)(2/ 666).
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(25204)(5/ 199).
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(25207)(5/ 199).
فكان عروةُ بنُ الزبيرِ، وسالمُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وابنُ سيرينَ: يتَّكِئُونَ على المرافقِ وعليها تصاويرُ.
وهل يُؤخذُ مِن تشريعِ اللهِ لعيسى عليه السلام مِن صنعِ الطِّينِ في صورةِ الطيرِ لِيستحيلَ خَلْقًا بأمر اللهِ - جوازُ الرسمِ والتماثيلِ التي تستحيلُ مِن ساعتِها؛ فلا تبقَى ولا تدومُ ولا تُنصبُ؟ - الأظهرُ: جوازُ ذلك للمصلحةِ بتلك القيودِ؛ كصُنْعِ التمثالِ على صورةِ مِن العجينِ أو الطينِ أو الصَّمْغِ أو المطاطِ للتعليمِ ثمَّ إزالتِه؛ كما رُخِّصَ ذلك في لعبِ الأولادِ إذا كانت لا تُنصَبُ؛ بل يَمْتهنُها الصبيُّ، ولا يَحترمُها في العادةِ.
والمخلوقاتُ المُصوَّرة على أربعةِ أنواعٍ:
الأولُ: ما له رُوحٌ ونَفسٌ، وهذا كالإنسانِ، فيَحْرُمُ وضعُ تمثالٍ أو رسمُ صورةٍ له؛ سواءٌ كانت بالنحتِ أو برسمِ القلمِ ونحوِه.
الثاني: ما له نفسٌ بلا روحٍ؛ وذلك كالمخلوقاتِ الحيَّةِ كالزواحفِ والحشراتِ والرخويَّاتِ والقشريَّاتِ والثدييَّاتِ، واختُلِفَ في البهائمِ كالإبلِ والبقرِ والغنمِ والحَمِيرِ والخيلِ: هل لها أرواحٌ أو أنفُسٌ فقط؟ على قولَيْنِ مشهورَيْنِ.
وهذا النوعُ لا يجوزُ أيضًا رسمُه، ولا نحتُ تمثالٍ له؛ لعمومِ الأدلةِ، إلا أنَّه أَخَفُّ مِن النوعِ الأولِ؛ لأنَّ الصورةَ يعظُمُ إثمُها بعظمةِ مضاهاةِ إعجازِ الخالقِ فيها، وإعجازُ الخَلْقِ في الإنسانِ أعظمُ مِن الحيوانِ:{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)} [التين: 4] ، والمضاهاةُ فيه أعظمُ وأشدُّ.
الثالثُ: ما له نموٌّ ولا نفْسَ له ولا روح؛ وذلك كالشجرِ وأشباهِه، كان بريًّا أو بحريًّا.
فهذا جائزٌ بلا خلافٍ، إلا ما رواهُ ليثٌ، عن مجاهدٍ، في كراهةِ رسمِ الشجرِ المُثْمِرِ (1).
وفيه نظرٌ.
الرابعُ: الجماداتُ؛ كالجبالِ والرمالِ والثلوجِ، ويدخُلُ في هذا ما حرَكَتُهُ بغيرِهِ لا بنفسه؛ كالسحابِ والبِحَارِ.
ويجوزُ رسمُ ما لا رُوحَ فيه بنفسِه مِن مخلوقٍ أصلُ رسمِهِ التحريمُ، كالكَفِّ والإِصْبَعِ والقَدَمِ، إلا الرأسَ فيَحْرُمُ بلا خلافٍ.
ويجوزُ رسمُ ما لم يخلُقْه اللهُ على صورةٍ كرسمِ ثمرةٍ بعينينِ وفمٍ كالتفاح والموزِ والتمرِ؛ لأنَّه ليس على صورةِ خَلقِ اللهِ، واللهُ يقولُ:(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كخَلْقِي؟ ! )، ولو تُرِكَ احتياطًا، فهو الأَولى.
ورسمُ البدنِ بلا رأسٍ أو برأسٍ مطموسٍ جائزٌ؛ لأنَّه شبيهٌ بالظلِّ، وفي حديثِ أيوبَ عن عِكْرِمةَ عن ابنِ عباسِ رضي الله عنه؛ قال:"الصورةُ الرأسُ؛ فإذا قُطِعَ الرأسُ، فليس بصورةٍ"؛ رواهُ ابنُ أبي شَيْبةَ وغيرُه (2).
ورواهُ الإسماعيليُّ من وجهٍ عن أيوبَ به مرفوعًا.
وكان أحمدُ بنُ حنبلٍ يقولُ: "الصورةُ الرأسُ".
وكان إذا أرادَ طمْسَ الصورةِ، حَكَّ رأسَها، فإذا قُطِعَ الرأسُ، فليس هو صورةً، وهذا ما أَوْصَى به جبريلُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، كما في "المسندِ" و "السننِ"؛ مِن حديثِ مجاهدٍ، عن أبي هريرةَ رضي الله عنه؛ قال: "استأذَنَ جبريلُ عليه السلام على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال له:(ادْخُلْ)، فقال: كيف أدخُلُ وفي البيتِ سِتْرٌ فيه تماثيلُ خيلٍ ورجالٍ؟ ! فإمَّا أنْ تُقطَعَ رؤوسُها، وإمَّا أنْ
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(25293)(5/ 208).
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(25299)(5/ 208).