الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومِن ذلك: أنَّ النفوسَ جُبِلَتْ على حبِّ الثباتِ وعدمِ التردُّدِ؛ حتى لا تُوصَفَ بالضعفِ والتبعيَّة، والنفوسُ المُتكبِّرةُ لا تُفرِّقُ بينَ التحوُّلِ مِن الحقِّ إلى الباطلِ، وبينَ التحوُّلِ مِن الباطلِ إلى الحقِّ؛ فتَثْبُتُ على الباطلِ كِبْرًا، بل ربَّما تَثْبُتُ بعضُ النفوسِ المُتكبِّرةِ على الحقِّ لا لأنَّه الحقُّ؛ بل لِذَاتِ الثباتِ؛ فلا تُحِبُّ أنْ تُوصَفَ بالتحوُّلِ والانتكاسةِ، فتَصبِرُ وتتجلَّدُ وتنصُرُ الدِّينَ في الدُّنيا، وتُكَبُّ في النارِ في الآخِرةِ؛ فالطبائعُ لها أثرٌ في الثباتِ كأثرِ الإيمانِ فيه؛ فالنفوسُ المتكبِّرةُ يُهِمُّها الثباتُ ولو على باطلٍ، والنفوسُ المؤمِنةُ يُهِمُّها الحقُّ ولو تحوَّلَتْ، ومتى كان الإيمانُ أَقْوَى مِن الطبائع، تَحَكَّمَ فيها، ومتى كانتِ الطبائعُ أَقوى مِن الإيمان، تَحَكَّمَتْ فيه.
الكبرُ وأثرُهُ على الانقيادِ:
والمُتكبِّرونَ إنْ خرَجُوا مِن الحقِّ، مَنَعَتْهُمْ نفوسُهُمْ مِن الرجوعِ إليه بدَعْوَى الثبات، وبعضُ النفوسِ تَقْوَى على التحوُّلِ مرةً، ولكنَّها تستثقِلُ التحوَّلَ مرتَيْنِ، ومنها ما هي ضعيفةٌ تَقْبَلُ التحوُّلَ مَرَّاتٍ.
ولكنَّ خوفَ اللهِ وقوَّةَ الإيمانِ يَضعُفُ معه حبُّ النفسِ للثَّبَاتِ ولو تحوَّلتْ مَرَّاتٍ حتى تَصِلَ إلى الحقِّ، وقد يتحوَّلُ الإنسانُ مرَّاتٍ باحثًا عن الحقِّ لِقوَّةِ صِدْقِه؛ كمَن يتحوَّلُ مِن الإلحادِ إلى الوثنيَّة، ومِن الوثنيَّةِ إلى النصرانيَّةِ، ومِن النصرانيَّةِ إلى الإسلام، وتحوُّلُهُ هذا مِن شرٍّ إلى أخَفَّ منه حتى يصلَ إلى الإسلامِ بخيرِهِ التامِّ الخالي مِن كلِّ شرٍّ، وأكثَرُ الذين يَثْبُتُونَ على الباطلِ دفَعَهُمْ كِبْرُ النفوسِ للتمسُّكِ بمبدأِ الثبات، وهكذا كان فِرْعَوْنُ وقومُهُ:{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14]، وكفارُ قريشٍ:{فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33]، وكذا حالُ أبي طالبٍ؛ يَعلَمُ صِدْقَ محمدٍ ولكنَّ نفسَهُ غلَبَتْهُ
تمسُّكًا بمبدأِ النفسِ المُتكبِّرةِ: حُبِّ الثباتِ وعدمِ التحوُّل، فقال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم:"لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ؛ يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ، لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ"(1)، فمات وهو يقولُ:"هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ"(2).
والكافرُ الأصليُّ الناشئُ على كفرِهِ أهوَنُ في دخولِهِ للإسلامِ ممَّن كان كافرًا ثمَّ أسلَمَ ثمَّ كفَرَ، وكلَّما زاد تحوُّلُهُ، ضعُفَ رجاءُ عَوْدَتِه، ولو عاد، لم يَرجعْ كسابِقِ أمرِه؛ ولهذا لا يُشرَعُ توليةُ المُرتَدِّ بعدَ إسلامِهِ ثمَّ تاب بعدَ ذلك، ولا توليةُ المُنتكِسِ عن الحقِّ البيِّنِ المُتحوِّلِ مِن السُّنَّةِ إلى البدعة، ومِن البدعةِ رجَعَ إلى السُّنَّة، مع قَبُولِ الحقِّ منه، وله ما للمُسلِمنَ وعليه ما عليهم، ولا يُنفَّرُ مِن الحقِّ، ولا يُعيَّرُ بكُفْرِهِ السابقِ أو بدعتِه؛ بل يُتألَّفُ قَلْبُه، لكنْ لا يُصدَّرُ ولا يُوَلَّى ولايةً؛ حتى لا يكونَ رأسًا يَتْبَعُهُ الناسُ فيَرجِعَ إلى ضلالِهِ مرةً أُخرى فيَتأثَّرَ به الناسُ وَيشْمَتَ بالأُمَّةِ أعداؤُها.
ومَن سَبَرَ حالَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وخلفائِه، وجَدَ أنَّهم لا يُوَلُّونَ أحدًا له سابقةٌ في رِدَّةٍ، أو تحوَّلَ مِن السُّنَّةِ إلى البدعةِ ثمَّ رجَعَ؛ لأنَّه لا يُؤمَنُ مِن رجوعِهِ إلى مِثْلِها وكثرةِ تحوُّلِه.
ومِثلُ الوِلَاياتِ: الشدائدُ؛ ولذلك لمَّا استنفَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابَهُ للجهاد، خالَفَهُ بعضُ المُنافِقِينَ، فقعَدُوا، فخرَجَ النبيُّ بالصادِقِينَ معه، فقال اللهُ:{فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} [التوبة: 83]، فمَنَعَهُم النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِن الخروجِ معه مرةً أُخرى؛
(1) أخرجه مسلم (25)(1/ 55).
(2)
أخرجه البخاري (1360)(2/ 95)، ومسلم (24)(1/ 54)، وإنَّما قال أبو طالب:"أنا"، وغيَّرها الراوي إلى:"هو على ملَّةِ عبد المُطَّلبِ"؛ كراهةٌ لِلَّفْظِ القبيح، ذكره النوويُّ وغيره.
لأنَّهم خالَفُوهُ وقعَدُوا قبلَ ذلك، فلا يُؤمَنُ أنْ يُخالِفُوهُ وَيقْعُدُوا، أو يَرجِعُوا مِن نِصْفِ الطريقِ، أو يَتَوَلَّوْا يومَ الزَّحْفِ.
* * *
لمَّا أمَرَ اللهُ بقتالِ المُشرِكِينَ، ومَن أظهَرَ الإسلامَ ثمَّ لَحِقَ بالمشرِكِينَ بمكةَ تاركًا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وبَقِيَ في سَوَادِهم، أمَرَ بتحريمِ اتِّخاذِهِمْ أولياءَ:{فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ} ما دامُوا مُكَثِّرِينَ لِسَوَادِ المشرِكِينَ وفي وَسَطِهم ولم يَنعزِلُوا عنهم، ولكنَّ اللهَ اسثنَى منهم طائفتَيْنِ:
الأُولى: طائفةٌ لجأَت إلى قومٍ كافِرِينَ بينَهم وبينَ المؤمِنِينَ عهدٌ، فإنْ لم يُقاتِلوا لا يُقاتَلوا، فيَأخُذُونَ حُكْمَ القومِ الذين اتَّصَلُوا بهم؛ كما في قولِه تعالى:{إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} .
الطائفة الثانيةُ: قومٌ كَرِهُوا قتالَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكرِهوا قتالَ قومِهم، فرَغِبُوا في السلامةِ مِن الأمرَيْن، وأَوْلى منهم الذين لَحِقُوا