الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
معرفتِهِمْ بالأدلَّةِ والنوازِلِ والعِلَلِ المُناسِبةِ بينَها وبينَ الأدلةِ، وأفضلُ الناسِ العلماءُ، وأفضلُ العلماءِ أَوْسَعُهُمُ استنباطًا وأدقُّهُمْ صوابًا واتِّباعًا، ولا يَقضي العالِمُ في النوازِلِ إلَّا مَن عَرَفَ أشياءَ ثلاثةً:
أولًا: الدليلُ، وكلَّما كان العالمُ أكثَرَ استيعابًا للأدلَّة، كان أقرَبَ للصوابِ، ويَقِلُّ صوابُهُ بمقدارِ ضَعْفِهِ في استيعابِ الأدلَّة، فربَّما عرَفَ دليلًا وجَهِلَ ما هو ألصَقُ بالمسألةِ المنظورةِ منه، فيَضعُفُ تنزيلُهُ؛ لبُعْدِ الدليلِ عن النازِلةِ، وبمقدارِ بُعْدِ الدليلِ يكونُ ضعفُ الاستدلالِ.
ثانيًا: النازِلةُ؛ فمَن عرَفَ النازِلةَ وعايَنَها، كان أبصَرَ بها وبالحُكْمِ المُناسِبِ لها، ومَن كان بعيدًا عنها، ضَعُفَ نظرُهُ فيها، وكلَّما كان العالِمُ بالنوازِلِ أعلَمَ، وبالحوادثِ أَخْبَرَ، فهو بمعرِفةِ ما يُناسِبُها مِن الأدلَّةِ أدَقُّ وأصوَبُ، وهذا يكونُ في العلماءِ الذين قرَؤُوا التاريخَ، وخَبَرُوا النوازلَ، وعرَفُوا ما شابَهَها، ويكونُ في الشيوخِ أكثَرَ مِن الشبابِ؛ ولذا قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ:"رأيُ الشيخِ خيرٌ مِن مَشْهَدِ الغلامِ"(1).
وذلك أنَّ الغلامَ قد يشهدُ نازِلةً ولم يَعرِفْ نظيرَها، والشيخُ شَهِدَ نظائرَ أو سَمِعَ بنظائرَ ولو لم يَشْهَدْها، فالعِلْمُ بالخبرِ إذا كَثُرَ كان كالمشاهدةِ وأشَدَّ.
ثالثًا: التعليلُ المشتَرَكُ بينَ النازلةِ ودليلِها المناسِبِ لها؛ فمَنْ لم يَعرِفْ عِلَلَ الحوادث والرابطَ بينَها وبينَ أدلَّةِ النقلِ والعقل، أخطَأَ في تنزيلِ الأدلَّةِ على النوازِلِ، فربَّما الجهلُ بالتعليلِ يُخطِئُ معه العالِمُ في النازلةِ؛ إذْ يكونُ المُناسِبُ لها الشِّدَّةَ فيستعمِلُ اللِّينَ، وربَّما العكسُ.
معنى أُولي الأمرِ في الآية:
ويَعْضُدُ أنَّ المرادَ بأُولي الأمرِ هنا: العلماءُ: أمورٌ؛ منها:
(1) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 113).
أولًا: أنَّ اللهَ ذكَرَ هذه الآيةَ بعدَ ذِكْرِهِ لعِصْيانِ المُنافِقِينَ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم عندَ غيابِهم عنه، وإظهارِ طاعتِهِ في الشهادةِ؛ فهم المقصُودونَ هنا في هذه الآيةِ بِرَدِّ الأمر، والنبيُّ هو المقصودُ برَدِّ الأمرِ إليه، ويَتْبَعُهُ في حُكْمِهِ مَن وَرِثَ الأمرَ منه، وهم العلماءُ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم:(إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ)(1).
ثانيًا: أنَّ اللهَ قال: {أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} ، ولا يَستنبِطُ إلَّا عالِمٌ، فالاستنباطُ هو استخراجُ الصالحِ للنازِلةِ مِن الدليلِ العامِّ؛ وهذا لا يكونُ إلَّا مِن عالِمٍ بالدليل، بصيرٍ بالتعليل.
ثالثًا: أنَّ اللهَ ذكَرَ العِلْمَ في الآية، فقال:{لَعَلِمَهُ الَّذِينَ} ، ولم يَقُلْ: لأمَرَ به، أو نَهَى عنه؛ لأنَّ الأمرَ والنهيَ قد يكونُ عن عِلْمٍ، وقد يكونُ عن جهلٍ، ولكنَّه قال:{لَعَلِمَهُ} ؛ يعني: عَلِمَ العالمُ ما يصلُحُ للنازِلةِ مِن الأمرِ: إعلانَها أو إسرارَها، وصِفةَ تدبيرِها، وعمَلَ الناسِ بها، وموقفَهم منها؛ وهذا لا يكونُ إلا لوليِّ الأمرِ العالِم، لا الآمِرِ بلا عِلْمٍ.
رابعًا: أنَّ الله قال بعدَ ذلك: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} ، ولا يَقِي مِن سبيلِ الشيطانِ ويَجلِبُ رحمةَ اللهِ إلَّا العِلْمُ والعَملُ به.
وقد نصَّ على أنَّ المرادَ بأُولي الأمرِ في هذه الآيةِ: العلماءُ: جماعةٌ؛ كقتادةَ وخصيفٍ وغيرِهما (2)؛ وتقدَّمَ الكلامُ على معنى أُولِي الأمرِ بالقرآنِ في مواضِعَ.
(1) أخرجه أبو داود (3641)(3/ 317)، والترمذي (2682)(5/ 48)، وابن ماجه (223)(1/ 81).
(2)
"تفسير ابن أبي حاتم"(3/ 1015).