الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وذهَبَ مالكٌ: إلى أنَّ صلاةَ الخوفِ مختصَّةٌ بالسَّفرِ؛ لظاهرِ الآيةِ في قولِه: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ} [النساء: 101]؛ وبه قال ابنُ الماجِشونِ.
والأصحُّ الأَوَّلُ، والآيةُ عُلِّقَت بالأغلبِ؛ أنَّ مواجَهةَ العدوِّ تكونُ في غيرِ بلَدِ المُسلِمِينَ، وأنَّها في السَّفَر، فالأصلُ في المُسلِمِينَ حمايةُ بُلْدانِهم ومعرفةُ قُرْبِ عدوِّهم وبُعْدِه، وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ الجهادَ والقتالَ يكونُ في بُلْدانِ العدوِّ، لا بُلْدانِ المُسلِمِينَ لِمَن أقامَ شريعةَ الجهادِ كما أمَرَ اللهُ بها، والخِطَابُ لِمَن أقامَها، لا لِمَن عطَّلَها فأذَلَّهُ اللهُ حتَّى أصبحَ يأتيه العدوُّ في دارِه.
والشريعةُ لا تُخاطِبُ المقصِّرَ في الحقِّ، وتخفِّفُ عليه العملَ لِيَزدَادَ هَوَانًا وذُلًّا ودَعَةً، فإن كانَتْ حالُهُ كذلك، فلَوْمُهُ وتقريعُه ووعيدُهُ أوْلَى مِن مُخاطبَتِهِ بالتخفيفِ؛ حتَّى لا يَظُنَّ أنَّ فِعلَهُ سائغٌ جائزٌ، وهو أحْوَجُ إلى تَدارُكِ ما فاته مِمَّا فرَّط فيه، مِن حاجتِه إلى التيسيرِ عليه؛ فالشريعةُ لم تُلْغِ أصلَ التيسيرِ؛ وإنَّما رتَّبتِ الخِطابَ بمقدارِ الحاجةِ وأولويَّتِها، وإلَّا فَإنْ قُدِّرَ أنَّ بلدًا مِن بُلْدانِ المُسلِمينَ فاجَأهُ عدوٌّ على حينِ غِرَّةٍ وخافوهُ واحتاجُوا لِصلاةِ الخوف، صَلَّوْها، والله أعلَمُ.
صلاةُ الخوفِ وغزوةُ الخندقِ:
وتأخيرُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لصلاةِ العصرِ حتَّى غرَبَتِ الشمسُ في غزوةِ الخندق، وقولُ بعضِهم: إنَّ صلاةَ الخوفِ لو كانَتْ جائزةً للحاضِرِ لَصَلَّاها النبيُّ - صلي اله عليه وسلم - ولم يُؤخِّرِ العصرَ، وغزوةُ الخندقِ ليسَتْ سَفَرًا؛ وإنَّما في ناحيةِ المدينةِ:
فيُقالُ: إنَّ صلاةَ الخوفِ شُرِعَت في غزوةِ ذاتِ الرِّقَاع، وقدِ اختُلِفَ في زمَنِ وقوعِ غزوةِ الخندَقِ منها:
فمِنهم: مَن جعَلَ غَزْوةَ ذاتِ الرِّقاعِ سابقةً للخَندَقِ؛ وهو قولُ ابنِ إسحاقَ، وتَبِعَه كثيرٌ، كالواقديِّ وابنِ سعدٍ وخَلِيفةَ بنِ خيَّاطٍ.
ومِنهم مَن قال: إنَّ غزوةَ الخندقِ سابِقةٌ وتَبِعَتها ذاتُ الرِّقاعِ؛ وهو قولُ جماعةٍ؛ كالبخاريِّ وابنِ القيِّمِ وغيرِهما.
وقد ذكَرَ ابنُ إسحاقَ: أنَّ ذاتَ الرِّقَاعِ كانَتْ في السَّنَةِ الرابعةِ والخندقَ بعدَها في السَّنةِ الخامسةِ في شوَّالٍ مِنها، وأكثرُ مَن جاء مِن بَعدِهِ قال بقولِهِ.
وقد نَقَلَ البخاريُّ في "صحيحِه"، عن موسى بنِ عُقْبةَ؛ قال: كانَتْ غزوةُ الخَندقِ في شوَّالِ سنة أربعٍ (1)، وظاهرُ صنيعِ البخاريِّ الميلُ إلى قولِ ابنِ عُقبةَ، وعَضَدَهُ بعَرْضِ ابنِ عُمرَ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في أُحُدٍ وهو ابنُ أربعَ عَشْرةَ، ويومَ الخندَقِ وهو ابنُ خمسَ عَشْرةَ (2)، فما بينَ أحُدٍ والخندَقِ إلَّا سنةٌ واحدةٌ، وقد كانتْ غزوةُ أحُدٍ سنةَ ثلاثٍ مِنَ الهجرةِ.
والأصحُّ: أنَّ الخندقَ سابقةٌ لذاتِ الرِّقَاع، والأسانيدُ الصحيحةُ دالَّةٌ على ذلك، وهي أوْلى بالأخذِ مِن قولِ ابنِ إسحاقَ، وقد جعَلَ البخاريُّ ذاتَ الرِّقاعِ بعدَ خَيْبَرَ؛ لأنَّ أبا موسى شَهِدَها وكان مُهاجِرًا إلى الحَبَشةِ ولم يَقدَمْ إلَّاَ بعدَ خيبرَ؛ حيث قال كما في "الصحيحِ":"فوافَقْنا النبيَّ صلى الله عليه وسلم حينَ افتَتَحَ خيبرَ"(3).
وفي "الصحيحَينِ"، عن أبي موسى:"أنَّه شَهِدَ ذاتَ الرِّقاع، وأنَّهم كانوا يَلُفُّونَ على أرْجُلِهِمُ الخِرَقَ لما نَقِبَتْ"(4).
وقد شهِدَها أبو هريرةَ ولم يُسلِمْ إلَّا قبلَ وفاةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بأربعِ سِنينَ، كما في "السُّننِ"، عن حُمَيدٍ؛ قال: صَحِبَ أبو هريرةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أربعَ سنينَ (5)؛ ففي "المُسنَدِ"، و"السُّننِ"؛ أنَّ مَرْوَانَ بنَ الحَكَمِ سألَ
(1)"صحيح البخاري"(5/ 107).
(2)
أخرجه البخاري (4097)(5/ 107).
(3)
أخرجه البخاري (4230)(5/ 137).
(4)
أخرجه البخاري (4128)(5/ 113)، ومسلم (1816)(3/ 1449).
(5)
أخرجه أبو داود (81)(1/ 21)، والنسائي (238)(1/ 130).