الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واستهلّت سنة خمس وثلاثين وستمائة:
ذكر وفاة الملك الأشرف وشىء من أخباره وقيام أخيه الملك الصالح إسماعيل وإخراجه من الملك
فى يوم الخميس رابع المحرم، سنة خمس وثلاثين وستمائة، توفى الملك الأشرف: مظفر الدين موسى، بن الملك العادل: سيف الدين أبى بكر محمد ابن أيوب- صاحب دمشق- بها. ودفن بقلعتها، ثم نقل إلى تربته بالكلّاسه «1» ، بجوار الجامع الأموى.
ومولده بالقاهرة- وقيل بقلعة الكرك- فى سنة ست وسبعين وخمسمائة. وقيل إنه قبل أخيه الملك المعظم بليلة واحدة. وكان- رحمه الله تعالى- عفيفا عن المحارم، ما خلا بامرأة قط إلا أن تكون زوجته أو جاريته.
وحكى أبو المظفر يوسف بن قزوغلى سبط ابن الجوزى عنه، فى كتابه:«مرآة الزمان» ، من الأوصاف الجميلة، والمروءة الغريرة، والكفّ عن المحارم، والعفة عنها مع التمكن منها، ما يرجى له به الخير عند الله تعالى.
وكان مما حكاه عنه قال: جلست يوما عنده فى منظرة بقلعة خلاط، يعتب على أخيه الملك المعظم فى قضية بلغته عنه، ثم قال: والله ما مددت عينى إلى حريم أحد: لا ذكر ولا أنثى.
ولقد كنت يوما قاعدا فى هذه الطّيّارة، فدخل الخادم فقال: على الباب امرأة عجوز، تذكر أنها من عند بنت شاه أرمن- صاحب خلاط.
فأذنت لها، فدخلت، ومعها ورقة من عند بنت صاحب خلاط، تذكر أن الحاجب «علىّ» «1» قد أخذ ضيعتها وقصد هلاكها، وما تتجاسر أن تظهر، خوفا منه. فكتبت على الورقة بإطلاق القرية، ونهيت الحاجب عنها.
فقالت العجوز: هى تسأل الحضور بين يديك، فعندها سرّ ما يمكن ذكره إلا للسلطان! فأذنت لها. فتوجّهت وعادت بعد ساعة، ومعها امرأة ما رأيت فى الدنيا أحسن من قدّها، ولا أظرف من شكلها، كأن الشمس تحت نقابها! فخدمت ووقفت. فقمت لها وقلت: وأنت فى هذا البلد، وما علمت بك؟! فسفرت عن وجهها فأضاءت منه المنظرة! فقلت: غطّ وجهك، وأخبرينى بحالك.
فقالت: أنا بنت شاه أرمن، صاحب هذه البلاد. مات أبى، واستولى بكتمر على الممالك، وتغيرت الدّول، وكانت لى ضيعة أعيش منها، أخذها الحاجب «علىّ» وما أعيش إلا من عمل النّقش، وأنا ساكنة فى دار بالأجرة! قال: فبكيت، وأمرت الخادم أن يكتب لها توقيعا بالضّيعة وبالوصيّة، وأمرت لها بقماش من الخزانة، وأمرت لها بدار تصلح لسكنها، وقلت باسم الله، امضى فى حفظ الله ودعته.
فقالت العجوز: يا خوند «1» ، ما جاءت إلى خدمتك إلا حتى تحظى بك الليلة! قال: فلما سمعت كلامها، وقّع الله فى قلبى تغيّر الزمان، وأن يملك خلاط غيرى، وتحتاج بنتى إلى أن تقعد مثل هذه القعدة بين يديه:
فقلت: يا عجوز، معاذ الله! والله ما هو من شيمتى، ولا خلوت بغير محارمى، فخذيها وانصرفى، وهى العزيزة الكريمة! ومهما كان لها من الحوائج تنفّذ إلى هذا الخادم. فقامت، وهى تبكى، وتقول- بالأرمنية:
صان الله عاقبتك، كما صنتنى. قال: فلما خرجت، أفتتنى نفسى، وقالت: ففى الحلال مندوحة عن الحرام، تزوّجها. فقلت: يا نفسا خبيثة، فأين الحيا والكرم والمرؤة! والله لا فعلته أبدا.
ومما حكاه أبو المظفر- أيضا- قال: كنت عنده بخلاط، فقدم النظّام بن أبى الحديد، ومعه نعل النبى صلى الله عليه وسلم. فأخبرته بقدومه، فأذن بحضوره. فلما جاء، ومعه النعل، قام ونزل من الإيوان، وأخذ النعل فقبّله، ووضعه على عينيه، وبكى! وخلع على النظّام وأعطاه نفقة، وأجرى عليه جراية، وقال يكون فى الصّحبة نتبرك به.
ثم عزم على أخذ قطعة من النعل تكون عنده. قال بعد ذلك: فلما عزمت على ذلك بتّ مفكرا، وقلت: إن فعلت هذا فعل غيرى مثله، فيتسلسل الحال ويؤدى إلى استئصاله. فرجعت عن هذا الخاطر. وتركته لله، وقلت: من ترك شيئا لله عوّضه الله خيرا منه. ثم أقام النظّام عندى شهورا ومرض، وأوصى لى بالنعل، ومات وأخذته بأسره.
ولما اشترى دار قايماز النّجمى، وجعلها دار حديث، ترك النعل فيها، ونقل إليها الكتب الثمينة، وأوقف عليها الأوقاف. وعمر غيرها من الأماكن الشريفة: منها مسجد أبى الدّرداء بقلعة دمشق- بناه وزخرفه- وكان غالب إقامته به. والمسجد الذى عند باب النصر، وجامع العقيبة ومسجدا خارج باب الصغير ومسجد القصب خارج باب السلامة، وجامع بيت الآبار. ووقف على ذلك الأوقاف الكثيرة. وزاد وقف دار الحديث النّوريّة.
هذا وتربته بالكّلّاسة بدمشق، وتربة والدته بالقرافة بمصر. وبنى أيضا ببلاد الشرق وخلاط خانات السبيل.
وكان- رحمه الله تعالى- حسن الظن بالفقراء، يحسن إليهم ويزورهم ويتفقدهم بالمال والأطعمة. وكان فى ليالى شهر رمضان لا يغلق باب قلعة دمشق، ويرسل فى الليل جفان الحلو إلى الجامع والزوايا والرّبط، ما قرب منه وما بعد.
وكان ابتداء مرضه فى شهر رجب، سنة أربع وثلاثين وستمائة، مرضين مختلفين فى الأعالى والأسافل. وكان الحرائحى يخرج العظام من رأسه، وهو يسبّح الله ويحمده ثم اشتد به الذّرب، فلما يئس من نفسه قال لوزيره- جمال الدين بن جرير-: فى أى شى تكفننى؟ فقال: حاشاك! فقال دعنى من هذا، فما بقى فى قوّة يحملنى أكثر من نهار غد، وتوارونى. فقال فى الخزانة تصافى. فقال: حاش لله أن أكفن من هذه الخزانة.
وقال: لعماد الدين بن موسك أحضر لى الوديعة. فقام، وعاد وعلى رأسه مئزر صوف أبيض تلوح منه الأنوار، ففتحه وإذا فيه خرق الفقراء وطواقى الأولياء، وفيه إزار عتيق ما يساوى خمسة قراطيس. فقال يكون هذا على جسدى أتقى به حرّ الوطيس، فان صاحبه كان من الأبدال وكان حبشيّا، أقام بحبل الرّها يزرع قطعة زعفران يتقوت بها، وكنت أصعد إليه وأزوره، وأعرض عليه المال فلا يقبله، فسألته شيئا من أثره أجعله فى كفنى، فأعطانى هذا الإزار، وقال قد أحرمت فيه عشرين حجّة. وكان آخر كلامه: لا إله إلا الله. ثم مات فى التاريخ المذكور.
قال أبو المظفر: ولما أحسّ بوفاته فى آخر سنة أربع وثلاثين، قلت له:
استعد للقاء الله فما يضيرك، قال: لا والله بل ينفعنى. ففرّق البلاد، وأعتق مائتى مملوك وجارية. ووقف دار فرّخشاه، التى يقال لها دار السعادة، وبستان النّيرب «1» على ابنته. وأوصى لها بجميع الجواهر.
قال أبو المظفر: وحكى لى الفقيه محمد اليونانى «2» ، قال: حكى لى فقير صالح من جبل لبنان.، قال: لما مات الأشرف رايته فى المنام وعليه ثياب خضر، وهو يطير بين السماء والأرض، مع جماعة من الأولياء. فقلت له يا موسى، إيش تعمل مع هؤلاء، وانت كنت تفعل فى الدنيا وتصنع؟
فالتفت إلى وتبسم، وقال: الجسد الذى كان يفعل تلك الأفاعيل تركناه عندكم، والروح التى كانت تحب هؤلاء قد صارت معهم- رحمه الله تعالى.