الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفيها، عزل قاضى القضاة: بدر الدين السّنجارى، عن تدريس المدرسة الصالحية، بالقاهرة المعزّيّة. وفوض ذلك لشيخ الاسلام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام. وتوجه قاضى القضاة بدر الدين السّنجارى الى الحجاز الشريف، من جهة البحر، وعاد فى البر.
وفى هذه السنة، وصلت الأخبار من مكة- شرفها الله تعالى- أن النار ظهرت من بعض جبال عدن، وأن شررها يطير فى الليل ويقع فى البحر، ويصعد منها دخان عظيم فى النهار. فظن الناس أنها النار التى أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها تظهر فى آخر الزمان، وهى من أشراط «1» الساعة.
فتاب الناس، وأقلعوا عما كانوا عليه من الظلم والفساد، وشرعوا فى أفعال الخير والصّدقات.
ذكر أخبار الأمراء البحرية، وما اتفق لهم بعد مقتل الأمير فارس الدين أقطاى
قد رأينا أن نذكر أخبار الأمراء البحريّة فى هذا الموضع- متتابعة- من حين هربهم، ولانقطعها بالسنين، لتكون أخبارهم سياقة يتلو بعضها بعضا.
كان من خبرهم، أنه لما شاع الخبر بمقتل الأمير فارس الدين أقطاى، واتصل ذلك بالأمراء خوشداشيّته- وفيهم الأمير ركن الدين البندقدارى،
والأمير سيف الدين قلاوون الألفى، والأمير شمس الدين سنقر الأشفر.
والأمير سيف الدين بلبان الرّشيدى، والأمير بدر الدين بيسرى الشّمسى، والأمير سيف الدين سكر، والأمير عز الدين أزدمر السّيفى، والأمير سيف الدين سنقر الرّومى، والأمير سيف الدين بلبان المستعربى، والأمير سيف الدين برامق، وغيرهم من الأمراء، ومن انضم إليهم من خوشداشيهم- خرجوا من القاهرة ليلا، وأحرقوا باب القراّطين، وتوجهوا إلى الشام.
واعتقل السلطان- الملك المعزّ- من بقى منهم بالقاهرة.
وتوجه الذين خرجوا من القاهرة حتى نزلوا غزّة، وكاتبوا السلطان الملك الناصر صاحب الشام، وسألوه أن يأذن لهم فى الوصول إليه، فأجابهم إلى ذلك. ووصلوا إليه، فأنعم عليهم بالأموال والخلع، وأقطعهم الإقطاعات. وأقاموا عنده يحرّضونه على قصد الديار المصرية، فما وثق بهم. وكان الملك المعز قد كتب إليه وخيّله منهم، وأوهمه: فطلب الملك الناصر من الملك المعز القدس وجميع البلاد الساحلية- التى كان قد أخذها منه عند وقوع الصلح- بحكم أنها كانت جارية فى إقطاع البحرية، وأنهم انتقلوا إلى مملكته، واستقروا فى خدمته، فأعادها الملك المعزّ إليه. فأمّر الملك الناصر كل من له إقطاع فى هذه البلاد على إقطاعه، وكتب مناشير بذلك. وأقاموا فى خدمته إلى سنة خمس وخمسين وستمائة.
ثم فارقوه، لما رأوه من ضعف رأيه، وتوجهوا إلى نابلس. وقصدوا الملك المغيث صاحب الكرك، فوصلوا إلى خدمته- فى عاشر شوال- فقبلهم وأكرمهم فالتمسوا منه المساعدة على قصد الديار المصرية، وأوهموه أن الأمراء بالديار المصرية كانبوهم، وراسلوهم فى ذلك. فجمع الملك
المغيث من قدر عليه، وسار بهم وبسائر البحرية- وذلك فى سلطنة الملك المنصور نور الدين، بن الملك المعز. فخرج إليهم الأمير سيف الدين قطز المعزّى بالعساكر المصرية، والتقوا واقتتلوا- فى يوم السبت الخامس والعشرين، من ذى القعدة، سنة خمس وخمسين وستمائة. فانكسر الملك المغيث، ومن معه من البحرية. واستولى العسكر المصرى على أثقالهم.
وقتل: الأمير عز الدين الرّومى الصالحى، وسيف الدين الكافورى، وبدر الدين إيغان الأشرفى. وأسر الأمير سيف الدين قلاوون الألفى، والأمير سيف الدين بلبان الرّشيدى.
ولما أسر الأمير سيف الدين قلاوون، ضمنه الأمير سيف الدين قيزان المعزّى أستاذ الدار السلطانية، فما تعرض إليه أحد. وأقام بالقاهرة برهة يسيرة. ثم تسحب واختفى بالحسينيّة، عند الأمير سيف الدين قطليجا الرومى. وقصد اللحاق بخوشداشيّته، فزوّده وجهّزه، فتوجه إلى الكرك.
ثم فارق البحريّة الملك المغيث، وتوجهوا نحو الغور «1» . فصادفهم الأمراء الشّهرزوريّة «2» ، عندما جفلوا من بلاد الشّرق. فاجتمع البحرية بهم، وتزوج الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى- وهو الملك الظاهر- منهم. فبلغ الملك الناصر ذلك، فجهز جيشا لقتالهم، فالتقوا بالغور،
واقتتلوا. فانهزم العسكر الناصرى. فغضب الملك الناصر لذلك، وخرج بنفسه إليهم. فعلموا عجزهم عن مقابلته، فتوجهوا إلى الملك المغيث بالكرك، وتوجه الشّهرزوريّة إلى الديار المصرية.
واتّفق للأمير ركن الدين البندقدارى مع الملك المغيث حكاية عجيبة. وهو أنه كان فى يده نتوء فى اللحم شبه خرزة، فجلس فى بعض الأيام بين يدى الملك المغيث- وقد أتى بلوز أخضر وعسل، فجعل يفرك اللّوز على العسل- فنظر الملك المغيث إلى النتوء الذى فى يده، فقال:
ما هذا يا ركن؟ قال: هذه خرزة الملك! فتغير وجه الملك المغيث، وعلم جرأته. وقصد قتله، ثم تركه. أخبرنى بذلك المولى شرف الدين أبو الروح، عيسى بن الملك المغيث، عمن حضر هذه الواقعة وسمع ذلك من لفظهما.
قال المؤرخ: ولما بلغ الملك الناصر عود البحرية إلى خدمة الملك المغيث، كتب إليه يطلب منه تسليمهم، ويهدده إن لم يفعل. فدافع عنهم.
فسار الملك الناصر بنفسه، ونزل ببركة زيزا «1» ، وعزم منازلة الكرك- إن أصر الملك المغيث على الامتناع من تسليمهم إليه.
وكان الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى قد تخيّل «2» من الملك المغيث، للحكاية التى قدمناها. فأرسل إلى السلطان الملك الناصر الأمير بهاء الدين أمير أخور ليلا «3» ، يطلب منه الإذن فى حضوره إلى خدمته، ومفارقة
الملك المغيث، وأن يستحلفه له ولجماعة معه أن لا يغدر بهم، وأن يكون السفير فى ذلك الأمير عماد الدين بن المجير. فأجاب الملك الناصر إلى ذلك.
فبعث إليه الأمير ركن الدين الشيخ يحيى، برسالة، مضمونها: أن يحلف له ولعشرين من أصحابه، وأن يقطعه خبز مائة فارس، وشرط أن تكون قصبة نابلس وجينين «1» وزرعين «2» مما يقطعه له. فأجاب إلى نابلس لا غير، وحلف له.
فقدم الأمير ركن الدين إلى الملك الناصر، فى العشر الأول من شهر رجب- وصحبته الجماعة الذين حلف لهم، وهم: الأمير بدر الدين بيسرى الشّمسى، والأمير سيف الدين أتامش المسعودى، والأمير علاء الدين طيبرس الوزيرى، وجمال الدين أقش الرّومى، وسيف الدين بلبان الدّاودار، وعلاء الدين كشتغدى الشّمسى، وحسام الدين لاجين الدّوادار، المعروف بالدّرفيل، وعلاء الدين أيدغمش الحكيمى، وعلاء الدين كستغدى المشرفى، وعز الدين أيبك الشيخ، وركن الدين بيبرس خاص ترك الصغير، وسيف الدين بلبان المهرانى، وعلم الدين سنجر الأسعدى، وعلم الدين سنجر الهمامى، وشمس الدين أباز الناصرى، وشمس الدين طمان، وعز الدين أيبك العلائى، وحسام الدين لاجين
الشّقيرى، وسيف الدين بلبان الأقسيسى، وعلم الدين سلطان الألدكزى- فأكرمهم الملك الناصر، ووفى لهم، وخلع عليهم وأحسن إليهم، وأقطعهم.
ثم أمسك الملك المغيث من بقى عنده من البحرية، وسيّرهم إلى الملك الناصر، وهم: الأمير سيف الدين سنقر الأشقر، والأمير سيف الدين سكز، والأمير سيف الدين برامق- فأرسلهم الملك الناصر إلى قلعة حلب، واعتقلهم بها. حتى استولى هولاكو على حلب، فأفرج عنهم وأضافهم إلى عسكره.
وبقى الأمير ركن الدين البندقدارى، والأمير سيف الدين قلاوون، وغيرهما، ممن لم يمسك من خوشداشيّتهما، فى خدمة الملك الناصر، إلى أثناء سنة ثمان وخمسين وستمائة. ففارقوه، لما ملك التتار حلب، وعلموا عجزه عن ملاقاتهم، ففارقوه وتوجهوا إلى غزّة.
وكان للبحرية فى بعض هذه المدة أحوال يطول شرحها، حتى أعوزهم القوت فى بعض الأوقات. ثم اجتمعوا بعد مفارقة الملك الناصر، وتوجهوا إلى خدمة الملك المظفر سيف الدين قطز، وشهدوا معه حرب التتار- على ما نذكره، إن شاء الله تعالى، فى موضعه.
فلنرجع إلى سياقة أخبار الملك المعز.