الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واستدعى الملك الصالح معين الدين بن شيخ الشيوخ، واستوزره، ورد إليه النظر فى الدواوين. وأقام ببركة الجبّ إلى يوم الأحد، لستّ بقين من الشهر. فركب وصعد إلى القلعة فى الثالثة من النهار- وذلك باتفاق المنجّمين.
واعتقل أخاه الملك العادل فى بعض آدر القلعة. وبقى ابنه الملك المغيث- فتح الدين عمر- فى خدمة عمه السلطان الملك الصالح مدة، ثم رأى منه نجابة فحجبه فى الدار القطبيّة، عند عمته ابنة السلطان الملك العادل، أخت الملك الكامل. فلم يزل الملك المغيث بها، إلى أن مات عمه الملك الصالح وملك ابنه الملك المعظم، فنقله إلى الشّوبك واعتقله بها.
وكان من أمره ما نذكره- إن شاء الله تعالى.
وفى الثامن والعشرين من ذى القعدة، من السنة- تقدم أمر السلطان بتجريد جماعة من الأمراء والعساكر إلى الأعمال القوصيّة، لإصلاح العربان بالوجه القبلى. وجعل المقدّم عليهم الأمير زين الدين بن أبى زكرى.
ذكر عود الملك الناصر داود إلى الكرك
كان عوده إلى الكرك فى ذى الحجة، من السنة.
وسبب ذلك أنه اجتمع هو والسلطان الملك الصالح، بقلعة الجبل على شراب، فلما جنّهم الليل وأخذ منهم الشراب، قال الملك الناصر للسلطان:
أفرج عن أخيك الملك العادل فى هذه الساعة. فلاطفه الملك الصالح، وهو يكرر عليه القول! وكان آخر كلام الملك الناصر أن قال للسلطان: لو غسلت رجلىّ وشربت ماءهما، ما أدّيت حقّى! فأمر السلطان مماليكه بإخراجه.
فأخرجوه وركّبوه إلى الوزارة. فلما أصبح، سأل عما كان منه، فأخبر به. فقال: ما بقى لنا مقام فى هذه الديار. وأحضر النّجب، وعمل عليها الأخراج- وفيها ما كان معه من الأموال- وهمّ أن يركبها. فبينما هو يتهيأ للركوب، إذ حضر إليه الأمير: عز الدين أيدمر الجمدار «1» الصالحى، ومعه عشرة آلاف دينار، وعشرة أفراس وخلع، وقال له: يقول لك السلطان: هذه ضيافة، خذها وامض إلى بلادك. فأخذها، وركب من وقته، وسلك طريق البرّيّة. ثم ندم السلطان على إطلاقه، وكونه ما قبض عليه ليأمن شره.
وقيل: إن السبب عوده أن الملك الصالح إسماعيل راسل الفرنج، فى قصد بلاد الناصر. فتوجهوا إلى نابلس، فقاتلهم أهلها وهزموهم، فرجعوا إلى بلادهم. فعاد بسبب ذلك. هذا ما حكاه ابن جلب راغب، فى تاريخه، فى سبب عود الملك الناصر.
وحكى أبو المظفر يوسف، فى «مرآة الزمان» ، عما أخبره به الملك الصالح نجم الدين- من لفظه- عندما حضر إليه فى سنة تسع وثلاثين وستمائة، عن وقائع اتفقت له، بين خروجه من اعتقال الملك الناصر إلى أن ملك ورجع الناصر.
منها أنه قال: والله لم أحضر الملك الناصر معى إلى الديار المصرية، إلا خشية أن يكون قد عمل علىّ. ومنذ فارقنا غزّة، تغيّر علىّ ولا شك أن بعض أعدائى أطمعه فى الملك. فذكر لى جماعة من مماليكى أنه تحدث معهم فى قتلى. قال: ومنها أنه لما أخرجنى ندم، وعزم على حبسى، فرميت روحى على ابن قليج، فقال: ما كان قصده إلا أن نتوجه إلى دمشق أولا، فإذا أخذناها عدنا إلى مصر.
ومنها أنه لما وصلنا إلى بلبيس، شرب وشطح إلى العادل، فخرج العادل من الخركاه «1» وقبّل الأرض بين يديه، فقال له: كيف رأيت ما أشرت به عليك، ولم تقبل منّى؟! فقال: يا خوند «2» ، التّوبة. فقال طيّب قلبك، الساعة أطلقك. قال الصالح: وجاء فدخل علينا الخيمة، ووقف. فقلت له: باسم الله اجلس. فقال: ما أجلس حتى تطلق العادل.
فقلت: اجلس- وهو يكرر هذا القول. ثم سكت. ولو أطلقته ضربت رقابنا كلّها ثم نام وما صدّقت بنومه. وقمت فى بقية الليل، وأخذت العادل فى محفّة، ودخلت به إلى القاهرة. قال: ولما دخلنا القاهرة، بعثت إليه بعشرين ألف دينار، فعادت لى مع مماليكى. ومنها أنه قال فى بعض الأوقات: قبّل قدمىّ ورجلىّ- إلى غير ذلك، مما لا تصبر عليه النّفوس.