الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واستهلت سنة ثلاث عشرة وستمائة:
فى هذه السنة كانت الحادثة بين أهل الشّاغور «1» والعقيبة «2» بدمشق. وحملت كل طائفة منهم السلاح، واقتتلوا. فركب العسكر للفصل بينهم «3» . وحضر الملك المعظم من جوسق الرئيس لتسكين الفتنة- وكان مقيما به. وقبض على جماعة من مقدمى الحارات واعتقلوا، بسبب ذلك.
ذكر القبض على الصاحب الأعز
وفى يوم الاثنين، سابع عشر جمادى الآخرة، سنة ثلاث عشرة وستمائة. قبض الملك العادل على وزيره الصاحب فخر الدين الأعز، وضربه وقيده، وحمله إلى قلعة بصرى «4» فاعتقله بها.
وكان لذلك أسباب: منها أنه صرف ما غرم على القبة بالشافعى من مال الديوان- وكان وتقرر صرفه من مال الديوان الكاملى. ومنها أنه كشف على الأموال التى أنفقت فى تجهيز الملك المسعود إلى اليمن، وكانت جملة عظيمة، فأنكر عليه ذلك، وفعل به ما فعل.
وعرضت الوزارة على القاضى الأشرف: أحمد بن القاضى الفاضل عبد الرحيم، فتوقف عنها. ثم خوطب فقال: كان والدى فى الأيام الناصرية لا يكتب فى الدولة. فأجيب إلى ذلك، واستقرت القاعدة أنه يتحدث فى الأموال بلسانه، دون قلمه. ورتب القاضى عماد الدين بن جبريل صاحب ديوان الدولة، ورتب شمس الدين أبو القاسم بن التبنى وزير الصّحبة.
وفيها فى شهر المحرم، صرف قاضى القضاة عماد الدين عبد الرحمن، ابن عبد العلى بن على السّكّرى «1» - عن القضاء بالديار المصرية.
وكان سبب ذلك أن السلطان عقد مجلسا بحضوره بسبب وقف المدرسة- التى أوقفها إبراهيم بن شروه «2» ، وولى القطب، قاضى قوص، النظر عليها- فلم يمض القاضى عماد الدين الوقف. فقال السلطان: هذه القضية أنا أعرفها وأشهد بها. فامتنع من إثباتها. فغضب السلطان، وأشهد على نفسه بعزله فى المجلس. ثم صرف عن الخطابة بالجامع الحاكمى، وولاها الشيخ بهاء الدين بن الجمّيزى «3» لأربع بقين من شهر ربيع الآخر من السنة.
ولما عزله السلطان عن القضاء، استشار شيخ الشيوخ: صدر الدين أبا الحسن بن حمّويه «1» ، فيمن يوليه القضاء. فأشار أن يقسم العمل شطرين: قبليّا وبحريّا، وأن يولى ابن عين الدولة القاهرة والوجه البحرى، وابن الخرّاط مصر والوجه القبلى. فعمل برأيه.
وفوض السلطان قضاء القاهرة والوجه البحرى للقاضى شرف الدين بن عين الدولة، فى يوم السبت ثانى صفر منها- وقيل فى المحرم- وفوض قضاء مصر والوجه القبلى للقاضى تاج الدين: أبى محمد عبد السلام بن على بن الخراط- وكان قاضى دمياط- وذلك فى يوم الاثنين سابع عشر صفر- وقيل فى يوم الاثنين ثالث عشر المحرم.
هذا هو السبب الظاهر [للناس «2» فى عزل القاضى عماد الدين بن السكرى] وأما السبب الباطن- وهو مما أخبرنى به والدى رحمه الله تعالى عن جده زكى الدين عبد الدايم، وغيره- أن الفقيه الشيخ الصالح الشهيد الناطق: رضى الدين: عبد الرحمن العقيلى، المعروف بالنّويرى (وهى نسبة انتقال، وانما هو قدم من بلاد المغرب مع أبيه وسكنا النّويرة، واستطونها
الشيخ عبد الرحمن وخدمه أهلها، وكانوا يفتخرون بالانتساب إلى خدمته، واختص بخدمته جد والدى زكى الدين عبد الدايم، فكان أخص الناس به، وأعلاهم منزلة عنده) كان مع ما هو عليه من العبادة والصلاح المشهور، ينوب عن القاضى عماد الدين فى الحكم بالنّويرة، وما معها. فاتفق أن رجلين «1» تداعيا فى بقرة، فكتب أحدهما محضرا أن البقرة ملكه وشهد فيه جماعة من الشهود، وأدوا شهادتهم بذلك عند الفقيه، ولم يبق إلا تسليمها لصاحب المحضر.
فتأمل الفقيه البقرة، ونظر إليها. وسأله الذى شهد له الحكم بما ثبت عنده، وتسليمها إليه. فقال: كيف أسلمها إليك، وهى تقول أنها لخصمك، وتخبرنى أن المحضر زور- أو ما هذا معناه؟!. وسلمها لخصمه.
فاعترف الخصم الذى أثبت بصحة ما أخبر به الشيخ الفقيه رضى الدين عن البقرة، وأظهر التوبة والإنابة. فلما اتصلت هذه الواقعة بالقاضى عماد الدين، كتب إلى الشيخ رضى الدين يقول: كان ينبغى أن تعمل فى هذه القضية بظاهر الشرع، وتسلم البقرة لمن أثبت. وعزله عن نيابته.
فلما اتصل العزل به، قال لمن حضر عنده: اشهدوا علىّ أنى قد عزلته، وعزلت ذريته من بعده. فعزل فى تلك الساعة. ولم يعد إلى القضاء بعدها، ولاولى القضاء بعده أحد من ذريته. وأعرف أن القاضى عماد
الدين، ولد ولده فوه له بالقضاء غير مرة، [وعيّن]«1» وربما فصّلت له خلعة الولاية، ورسم بكتابة تقليده، ثم يعدل عنه إلى غيره، ولا يتم أمره.
ومات- رحمه الله تعالى- ولم يل القضاء. ولم يبق من ذريته فى وقتنا هذا من فيه أهلية لذلك. وهذه الحكاية التى ذكرتها لا أشك فيها ولا أرتاب، وهى مشهورة يعرفها كثير من الناس.
وفى سنة ثلاث عشرة وستمائة- فى العشرين من جمادى الآخرة- توفى الملك الظاهر: غياث الدين غازى، بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف، صاحب حلب- رحمه الله تعالى بحلب.
وكان مولده بالقاهرة، فى منتصف شهر رمضان، سنة ثمان وستين وخمسمائة. وملك بعده ولده: الملك العزيز غياث الدين محمد. وكان صغير السن، يقال كان عمره ثلاث سنين، فقامت ضيفة «2» خاتون- ابنة الملك العادل- بتدبير الدولة. ونصبت شهاب الدين طغرل الخادم فى أتابكيّة «3» الدولة.