الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر وفاة الملك المعظم عيسى وشىء من أخباره وسيرته، وقيام ولده الملك الناصر داود
وفى هذه السنة، فى يوم الجمعة مستهلّ ذى الحجة، كانت وفاة الملك المعظّم شرف الدين عيسى، بن السلطان الملك العادل: سيف الدين أبى بكر محمد، بن أيوب بن شادى- صاحب دمشق، وكانت مدة ملكه، بعد وفاة والده الملك العادل، تسع سنين وستة أشهر، إلا ثمانية أيام. ومولده بالقاهرة فى سنة ست وسبعين وخمسمائة.
وكان- رحمه الله قد جهّز العساكر إلى نابلس، خوفا من اتفاق أخيه الملك الكامل مع الأنبرور، فمرض فى منتصف شوال واشتد به مرضه، وأصابه ذرب مفرط حتى رمى قطعة من كبده. وقيل أنه سمّ، ومات وغسّله كريم الدين الخلاطى، والنّجم يصب عليه الماء. وكان قد أوصى أن لا يدفن بقلعة دمشق، وأن يخرج إلى الميدان فيصلّى عليه ويحمل إلى قاسيون، فيدفن على تربة والدته تحت الشجرة. فلم تنفّذ وصيته، ودفن بالقلعة. ثم أخرج منها بعد مدة، لما ملك الملك الأشرف، على حالة غير مناسبة لمثله، وبين يديه نصف شمعة ومعه العزيز خليل، ودفن مع والدته فى القبّة- وفيها أخوه الملك المغيث.
وكان الملك المعظم- رحمه الله تعالى- فقيها فاضلا، نحويّا، قرأ القرآن وتفقه على مذهب أبى حنيفة على الشيخ فخر الدين الرّازى، وحفظ المسعودى، واعتنى بالجامع الكبير. واشتغل بالأدب على تاج الدين الكندى «1» ، فأخذ عنه كتاب سيبويه، وشرحه للسّيرافى، والحجّة فى القراءات لأبى على الفارسى، والحماسة. وقرأ الإيضاح لأبى على، حفظا.
وسمع مسند أحمد بن حنبل بدمشق على ابن طبرزد «2» ، وأشياء من مسموعاته. وسمع السّيرة لابن هشام، وغير ذلك. وله ديوان شعر. وصنّف فى العروض، وكان مع ذلك لا يقيم وزن الشعر فى بعض الأوقات.
وكان شجاعا مقداما كثير الحيا متواضعا، حسن الصّوت ضحوكا غيورا، جوادا حسن العشرة، محافظا على الصّحبة والمودة وكان إذا خرج إلى الغزاة لا ينام إلا على حبل طرح، وزرديّته مخدّته. ولا يقطع الاشتغال بالقرآن والجامع الكبير وسيبويه. وكان يركب فى كل يوم غالبا، فإذا نزل مدّ السّماط، فإذا أكل الناس انتصب لقضاء الحوائج إلى الظهر.
وكان فى أيام الفتح مع الفرنج يرتب النيران على الجبال، من باب نابلس إلى عكّا. وله جماعة على جبل الكرمل- المقابل لعكا- عليه المنورون، وبينهم وبين الجواسيس علامات. وله فى عكا أصحاب أخبار- وأكثرهم نساء الخيّالة- وكانت طاقات بيوتهم مقابلة الكرمل- فإذا عزم الفرنج على الإغارة فتحت المرأة طاقتها. فإن كان يخرج مائة فارس، أوقدت شمعة واحدة. وإن كانوا مائتين، أوقدت شمعتين. وتشير بالنار إلى الجهة التى يقصد الفرنج الإغارة عليها. وكان الفرنج لا يقصدون جهة، إلا يجدون عسكر المعظم قد سبقهم إليها. وكان يعطى النساء الجواسيس فى كل فتح جملة كثيرة.
قال الشيخ أبو المظفر، يوسف سبط ابن الجوزى: قلت للملك المعظم فى بعض الأيام: هذا إسراف فى بيوت الأموال. فقال: أنا أستفتيك:
لما أن عزم الأنبرور على الخروج إلى الشام، أراد أن يخرج من عكا بغتة، ويسير إلى باب دمشق، فبعث فارسا عظيما، وقال له: أخف أمرنا ومجيئنا إلى البلاد لنغير بغتة. وكان بعكا إمرأة مستحسنة، فكتبت إلىّ تخبرنى الخبر. فبعثت إليها ثيابا ملوّنة، ومقانع «1» وعنبرا، فلبست ذلك، واجتمعت بذلك الفارس. فدهش، وقال: من أين لك هذا؟ فقالت: من عند
صديق لى من المسلمين. فقال: من هو؟ فقالت: الكريدى. فصلّب «1» على وجهه، وقام فخرج من عندها. فمازالت تلك المرأة تتلطف به، حتى تسحب المودة بينى وبينه. فصرت أهاديه، حتى كان يبعث إلىّ كتب الأنبرور التى يبعثها إليه، مختومة. وأرسل إليه، فيكتب ما أقول. فأنا أدارى عن المسلمين بهذا القدر اليسير، وأفدى به الخطير، فإن الأنبرور لو جاء بغتة، أسر من أهل الشام، وساق من مواشيهم وأموالهم ما لا يحصى قيمته.
وكان الملك المعظم- رحمه الله قد أمر الفقهاء أن يجرّدوا «2» له مذهب أبى حنيفة، دون صاحبيه. فجّردوا له المذهب فى عشر مجلّدات، وسماه التّذكرة. فكان لا يفارقه سفرا ولا حضرا، ويديم مطالعته. ويكتب على كل مجلّد: أنهاه- حفظا- عيسى بن أبى بكر بن أيوب. قال أبو المظفر:
فقلت له: ربما تؤخذ عليك، لأن أكبر مدرس فى الشام يحفظ القدورى «3» مع تفرّغه، وأنت مشغول بتدبير الملك. فقال: ليس الاعتبار بالألفاظ، وإنما الاعتبار بالمعانى. باسم الله، سلونى عن جميع مسائلها