الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ورتّب ولده: الملك المعظم غياث الدين تورانشاه فى بلاد الشرق، وجعل مقامه بحصن كيفا. ورتب النّواب بآمد، وأقطع الخوارزميّة حرّان والرّها والرّقّة وبلاد الجزيرة وسار إلى دمشق، فوصل إليها يوم الأحد مستهل جمادى الآخرة، سنة ست وثلاثين وستمائة.
وحمل الجواد الغاشية «1» بين يديه من تحت القلعة، وحملها الملك المظفر صاحب حماه- من باب الحديد. وتسلم الملك الصالح القلعة، وخرج الجواد منها فى تاسع الشهر، وترك دار فرّوخشاه. واستوزر الملك الصالح جمال الدين بن جرير. ثم توجه الملك الصالح فى شهر رمضان إلى نابلس، وكان ما نذكره.
ذكر أخبار الملك الجواد، وما كان من أمره بعد تسليم دمشق
قال المؤرّخ: لما قدم الملك الصالح نجم الدين أيوب إلى دمشق، رتّب له الملك الجواد الضّيافات كل يوم، فى قاعة من قاعات دمشق، ورتّب فى كل قاعة ما تحتاج إليه من الفرش والآلات وأوانى الفضة، وغير ذلك. وكان إذا حضر إلى قاعة سلمها إليه بجميع ما فيها، ثم ينتقل إلى قاعة أخرى، وكان آخر الضيافة فى قاعة المسرّة. ثم خرج الملك الجواد، وركب والعسكر فى خدمته، فقال لهم: سلطانكم الملك الصالح. فحلّف الصالح العساكر فى تلك الساعة، إلا الأمير سيف الدين على ابن قليج، فإن الصالح قبض عليه.
فعظم ذلك على النّوّاب، ولامه أصحابه على ما فعل من تسليم السلطنة للملك الصالح. فأراد نقض ما أبرمه، والقبض على الملك الصالح. فاستدعى المقدّمين والجند واستحلفهم، وجمع الصالح أصحابه عنده فى القلعة، وأراد أن يحرق دار فرّخشاه. فدخل جمال الدين بن جرير بينهما، وأصلح الأمر.
وخرج الجواد إلى النّيرب «1» ، واجتمع الناس على باب القصر يدعون عليه ويسبّونه فى وجهه- وكان قد أساء السّيرة فيهم، وسلط عليهم خادما لبنت كرجى يقال له الناصح، فأخذ أموالهم وصادرهم، وعلقهم وضربهم، فيقال إنه أخذ منهم ستمائة ألف درهم. وأرسل الملك الصالح إلى الجواد يأمره أن يعطى الناس أموالهم، فلم يصغ إلى قوله، ولا أجابه عن ذلك بجواب. وتوجه إلى بلاد الشرق.
فلما وصل إلى ضمير «2» رأى بدويّا فاستراب منه، فقبض عليه، فوجد معه كتبا من الملك الصالح إلى الخوارزميّة- وكانوا على حمص- يحسّن لهم القبض على الملك الجواد، وأخذ ما معه، وأن يسيّروه إليه. فعند
ذلك أخذ على طريق السّماوة «1» وعرج عن حمص، وسار إلى عانة، «2» فدخلها وأقام بها.
فبلغه أن صاحب الموصل يحاصر سنجار- وبها أيدمر مملوك الجواد- فسار إليه فى مائتى فارس. ولما قرب منها رسم أن يضرب فى كل ناحية طبل باز وفرّق من معه فرقا، وجعل كل فرقة طبلخاناه «3» ومشاعل، وأمرهم أن يضربوا طبلخاناتهم جملة واحدة وسار إلى سنجار ليلا على هذه الصّفة، فظن صاحب الموصل أن معه عسكرا، فارتحل عن سنجار فى ليلته، ودخلها الملك الجواد بكرة النهار، وأقام بها سنة.
وحاصره الخوارزميّة، وعادوا عنه وترددت الرسائل بينه وبين صاحب الموصل فى المصاهرة بينهما. وقصد الجواد أن يتصل بابنة صاحب الموصل، ليكون عضدا له. فعقد عقد النكاح بالموصل، وكان وكيل الجواد زريق مملوكة.
ثم سأله صاحب الموصل الاجتماع، وسير ولده رهينة. فوافق الجواد على ذلك وتوجه إلى عانة. هذا، وصاحب الموصل قد أفسد أهل سنجار.
ولما سار الجواد من سنجار، جاء صاحب الموصل إليها فدخلها من غير ممانع- وذلك فى سنة سبع وثلاثين وستمائة.
فسار الجواد إلى بغداد، واستنصر بالخليفة. وأقام ببغداد ستة أشهر.
فوصله الخليفة بأربعة آلاف دينار، وأمره بالخروج عن بغداد. فسار إلى عانه وأقام ها، ثم اشتراها الخليفة منه بمائة وعشرين ألف درهم. فقبض الجواد المال وسلّمها- وهى جزيرة فى وسط الفرات. وسار الجواد بعد تسليمها إلى حرّان، وهى بيد الخوارزمية، فأقام عندهم سنة. وسار إلى حلب معهم وقاتل أهلها، ثم عاد معهم الى حرّان.
فاستدعاه الملك الصالح نجم الدين- بعد أن ملك الديار المصرية- فسار ومر على قرقيسيا «1» ، واجتاز بالرّحبة بالبريّة، وأقام عند ابن صدقه «2» أياما. وسار فى البرّيّة إلى الشّوبك، وسير مملوكه زريق إلى الصالح فى البرية.
فعظم ذلك على الصالح، وأنكر كونه حضر من البرية. ووصل الجواد إلى العبّاسة «3» ، فأرسل إليه الملك الصالح الطّواشى دينارا وأمره برده. وأن يعود إلى الشّوبك «4» ، ولا يدخل مصر. فسار على طريق الرّمل يريد الساحل، ووصل إلى رفح.
فندب الملك الصالح كمال الدين بن الشيخ للقبض عليه. فعلم بذلك فتوجه إلى الملك الناصر داود- وكان إذ ذاك بالقدس- وتحالفا على قتال الصالح، وذلك فى سنة تسع وثلاثين وستمائة. فاستبشر الناصر بقدومه، وجرّد العساكر معه. وجاء كمال الدين بن الشيخ، والتقوا على مكان يقال له بيت قوريك- وهى قرية من قرى نابلس- بالقرب منها، فيما بينها وبين الغور من جهة أريحا، فكسره الجواد وأسره. وأحضره إلى عند الملك الناصر داود، فوبخ الناصر كمال الدين.
وأقام الجواد عند الناصر فتخيّل منه وقبض عليه بعد أيام، وأراد قتله، لما كان بينهما من الذّحول «1» القديمة. ثم سيّره إلى بغداد فى البرّية تحت الاحتياط، فنزل قريبا من الأزرق، فعرفه جماعة من العرب فأطلقوه.
فتوجه إلى عمه الملك الصالح إسماعيل- صاحب دمشق- فلم يمكّنه من الدخول إليها، وبعث إليه بالنفقات. وجرّد معه خمسمائة فارس، وكتب إليه بالمسير إلى الساحل والاجتماع بملوك الفرنج ومقدّم الدّيويّة «2» .
فتوجه إليهم واجتمع بهم بقيساريّة «3» - وكانت أمه فرنجية- فمالوا إليه.
فبلغ ذلك الملك الصالح نجم الدين، فكتب إليه يعده بمواعيد جميلة، وطلب منه أن يستميل الفرنج إلى طاعته، ويعدهم عنه بجميع ما يختارونه. ففعل الجواد ذلك، واستمالهم، وكتب إليه أن يسير رسوله إليهم.
ففعل الملك الصالح ذلك، وأرسل رسوله إلى الفرنج، واستحلف الملك الجواد ومقدّم الدّيويّة وأكابر الفرنج. فلما وثق الصالح بذلك، سير الأمير ركن الدين الهيجاوى. إلى غزّة بعسكر، وكتب إلى الجواد أن يرحل وينزل عند الهيجاوى، ويتفق معه على الصلح. ففعل الجواد ذلك.
ثم كتب الملك الصالح إلى الهيجاوى يأمره بالقبض على الملك الجواد، وإرساله إليه. فأخبره الهيجاوى بذلك. فاتفقا على مفارقة الملك الصالح أيوب. فتوجه الجواد إلى عكّا، والتجأ إلى الفرنج. وتوجه الركن الهيجاوى إلى دمشق، والتحق بصاحبها الملك الصالح إسماعيل وأقام عنده. ولم يخدمه، بل كان يتردد إليه فيكرمه ويستشيره فى أموره.
ثم كتب الملك الصالح إسماعيل إلى الملك الجواد يعنّفه. على لحاقه بالفرنج وطلبه إليه ثم أرسل إلى الفرنج وطلب منهم المعاضدة على صاحب مصر. ووعدهم أنه إذا ملك مصر أعطاهم البلاد الساحلية. وجميع فتوح الملك الناصر صلاح الدين يوسف. فاستشاروا الجواد فى ذلك، فكتب إليهم يحذرهم من الملك الصالح إسماعيل، وينهاهم عن موافقته. فوقع بخطه للملك الصالح إسماعيل، فقبض عليه بمنزلة العوجاء «1» ، وسيّره إلى دمشق، واعتقله بعربا. فمات فى شوال سنة إحدى وأربعين وستمائة. وطلبه الفرنج وشددوا فى طلبه، فأظهر أنه مات. وأهله يقولون إنه خنقه. والله أعلم. ولما مات دفن بقاسيون فى تربة الملك المعظم- رحمهما الله تعالى.
هذا ما كان من أمر الملك الجواد. فلنرجع إلى بقية أخبار الملك العادل صاحب مصر.