الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واستهلّت سنة ثلاث وأربعين وستمائة:
ذكر استيلاء الملك الصالح نجم الدين أيوب على دمشق، وأخذها من عمه الملك الصالح إسماعيل. وعود الصالح إسماعيل إلى بعلبك وما معها
لما اتّفقت الوقعة- التى ذكرناها- بين عساكر السلطان الملك الصالح نجم الدين ومن انضم إليها من الخوارزمية، وبين عسكر الملك الصالح إسماعيل والفرنج وحصلت المكاشفة- جهّز الملك الصالح نجم الدين جيشا كثيفا إلى دمشق، فى سنة اثنتين وأربعين وستمائة، وقدّم عليه الصاحب معين الدين بن شيخ الشيوخ. وأقامه مقام نفسه، وأمره أن يجلس فى رأس السّماط على عادة الملوك، ويقف الطواشى شهاب الدين رشيد- أستاد الدار- فى خدمته، وأمير جاندار، والحجّاب.
فسار إلى دمشق، ومعه الخوارزمية، فحاصروها أشد حصار. فلما كان فى يوم الإثنين ثامن المحرم- سنة ثلاث وأربعين، بعث الملك الصالح إسماعيل إلى الأمير الصاحب- معين الدين بن الشيخ- سجّادة وإبريقا وعكّازا، وقال: اشتغالك بهذا أولى من اشتغالك بقتال الملوك! فبعث إليه الصاحب معين الدين جنكا «1» وزمرا، وغلالة حرير أصفر وأحمر، وقال: أما ما أرسلت به إلىّ فهو يصلح لى، وقد أرسلت بما يصلح لك!
ثم أصبح معين الدين وركب فى العسكر، وزحفوا على دمشق من كل ناحية، ورميت بالمجانيق. وكان يوما عظيما.
وبعث الملك الصالح إسماعيل الزّرّاقين «1» ، فى يوم الثلاثاء تاسع الشهر، فأحرقوا الجوسق «2» العادلى، ومنه إلى زقاق الرّمّان والعقيبة بأسرها. ونهبت أموال الناس. وفعل فيها كما فعل عند حصار الملك الكامل دمشق، وأشدّ منه. واستمر الحال على ذلك. ثم خرج الملك المنصور صاحب حمص فى شهر ربيع الأول إلى الخوارزمية، واجتمع ببركة خان «3» وعاد إلى دمشق. وجرت وقائع فى خلال هذا الحصار.
ثم أرسل السامرىّ وزير الملك الصالح إلى الأمير معين الدين، يطلب منه شيئا من ملبوسه. فأرسل إليه فرجيّة وعمامة وقميصا ومنديلا، فلبس ذلك وخرج إليه بعد العشاء الآخر، وتحدث معه وعاد إلى دمشق.
ثم خرج إليه مرة أخرى، فوقع الاتفاق على تسليم دمشق- على أن يكون للملك الصالح إسماعيل ما كان له أوّلا، وهو بعلبك وأعمالها وبصرى وبلادها، والسّواد. وأن يكون للملك المنصور حمص وبلادها، وتدمر والرّحبة.
فأجاب الأمير معين الدين إلى ذلك، وتسلّم دمشق. ودخلها فى يوم الإثنين- العاشر من جمادى الأولى، سنة ثلاث وأربعين وستمائة. وتوجه الملك الصالح إلى بعلبك. وصاحب حمص إلى بلده.
ونزل الأمير الصاحب معين الدين- بدار أسامة، والطواشى شهاب الدين رشيد بالقلعة. وولّى الأمير معين الدين بن الشيخ الجمال هارون المدينة. وعزل قاضى القضاة محيى الدين، وفوّض القضاء لقاضى القضاة:
صدر الدين بن سنىّ الدولة. ووصل الأمير سيف الدين بن قليج من عجلون، منفصلا من خدمة الملك الناصر داود، وأوصى بعجلون وما له بها من الأموال للملك الصالح، ونزل بدمشق بدار فلوس.
وجهّز الأمير- معين الدين بن الشيخ- الأمير ناصر الدين بن يغمور إلى الديار المصرية- وكان الملك الصالح إسماعيل قد اعتقله بقلعة دمشق، فى سنة إحدى وأربعين وستمائة، لموافقته الملك الجواد، فاستمر فى الاعتقال إلى الآن- فجهّزه، وجهّز أيضا أمين الدولة السامرى إلى الديار المصرية، تحت الاحتياط. فاعتقلا مدة، ثم شنقهما الملك الصالح نجم الدين على قلعة الجبل.
وكان أمين الدولة يطبّ فى ابتداء أمره. ثم تمكن من الملك الصالح إسماعيل، ووزر له. وارتفع محلّه عنده، بحيث إنه ما كان يخرج عن إشارته. وكان يتستّر بالإسلام ولا يتمسك بدين. وقيل إنه مات فى سنة ثمان وأربعين وستمائة.
قال أبو المظفر: وظهر له من الأموال والجواهر واليواقيت، والتّحف والذخائر ما لا يوجد فى خزائن الخلفاء والسلاطين. وأقاموا ينقلونه مدة.
قال: وبلغنى أن قيمة ما ظهر له ثلاثة آلاف ألف دينار- غير الودائع التى كانت له عند ثقاته والتجار. ووجد له عشرة آلاف مجلد، من الكتب النفيسة والخطوط المنسوبة.
وأما الخوارزمية فإنهم ما عملوا بالصلح إلا بعد وقوعه. فرحلوا إلى داريّا «1» ، فنهبوها. وقيل إن معين الدين منعهم من الدخول إلى دمشق، وأقطعهم أكثر بلاد الشام والسواحل بمناشيره. ودبّر الأمر أحسن تدبير.
قال: ولما بلغ السلطان خروج عمه الملك الصالح إلى بعلبك، كتب بالإنكار على الطّواشى شهاب الدين رشيد والأمراء، لكونهم «2» مكنوه من المسير إلى بعلبك. وقال إن الأمير معين الدين حلف، وأنتم ما حلفتم. فلم يفد إنكاره شيئا، بل أثّر ما نذكره- إن شاء الله تعالى.