الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الثالثة:
في قاعدة التقرير والسكوت: ذُكِرَ في فن الأصول من ذلك: أن الرسول عليه السلام إذا سُئِل عن واقعة فسكت عن جوابها، فيدل ذلك على أنه لا حكمَ لله تعالى فيها، فأما إن فُعِلَ فعلٌ عنده أو في عصره، وعَلِمَ به قادرًا على الإنكار، فلم ينكره؛ فإن كان مُعتقَداً لكافر (1)؛ كالمُصلي إلى الكنيسة، فلا أثرَ للسكوت إجماعًا، وإلا دلَّ على الجواز إن لم يسبق تحريم، وعلي النسخ إن سبق؛ لأنَّ في تقريره مع تحريمه ارتكابَ محرم، - وأيضاً - فيه تأخرُ البيان عن وقت الحاجة لإبهام الجواز والنسخ، وقد تصدَّى النظر وراءَ ذلك في صور:
أحدها (2): أن يخير صلى الله عليه وسلم عن وقوع فعلٍ في الزمن الماضي [على وجه من الوجوه](3)، ويُحتاجُ إلى معرفة حكم من الأحكام؛ هل هو من لوازم ذلك الفعل؟
فإذا سكت صلى الله عليه وسلم عن بيان كونه لازماً، دلَّ على أنه ليس من لوازم [ذلك](4) الفعل، وله أمثلة:
المثال الأول: أن يخبر صلى الله عليه وسلم بإتلافٍ يحتاج إلى معرفة تعلُّق
(1)"ت": "معتقد الكفر".
(2)
"ت": "إحداها".
(3)
زيادة من "ت".
(4)
سقط من "ت".
الضمان [به](1) أو عدم تعلقه، كإتلاف خمرِ الذهبي مثلًا، فسكوته [على وجه من الوجوه](2) يدلُّ على عدم تعلُّقِ الضمان.
المثال الثَّاني: أن يخبرَ عن وقوع العبادة المؤقتة على وجهٍ من الوجوه، ويحتاج إلى معرفة حكم القضاء (3) بالنسبه إليها، فإذا لم يبيِّنه دلَّ على عدم وجوب القضاء.
المثال الثالث: أن يعلِّقَ اليمين على ترك فعل، فيقع ذلك الفعل على بعض الوجوه التي يحتاج معها إلى معرفة كونه يوجبُ الحنث، أم لا، كالإكراه والنسيان، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيان وجوب الكفارة، فيدلُّ على عدم وجوبها.
إلى غير ذلك من الصور، وكلُّها يجمعها: أنه لو كان ذلك الحكم من لوازم ذلك الفعل للزم بيانه، وحيث لم يبيَّنْ، دلَّ على أنه ليس من لوازمه.
وثانيها: أن يسكتَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن قول أو فعل، لا يلزَم مِنْ سكوته عنه (4) مفسدةٌ في نفس الأمر، لكن قد يكون ظنُّ الفاعل أو القائل يقتضي أن يترتب [عليه](5) مفسدة على تقدير امتناعه، فهل
(1) زيادة من "ت".
(2)
زيادة من "ت".
(3)
"ت": "القضايا".
(4)
في الأصل: "عليه"، والمثبت من "ت".
(5)
زيادة من "ت".
يكون هذا السكوتُ دليلاً على الجواز بناءً على ظن المتكلم، أو لا؛ لأنه لا يلزم منه مفسدةٌ في نفس الأمر؟
مثاله: طلاقُ الملاعِن زوجتَهُ ثلاثاً عند فراغ اللعان، وتقريره صلى الله عليه وسلم على ذلك (1)، [فإنه إذا وقعت](2) الفرقةُ باللعان، لم يلزم من إرسال (3) الثلاث حينئذٍ إرسالُها في المنكوحة التي هي محلُّ الخلاف؛ لانتفاء النكاح في نفس الأمر، لكنَّ المطلِّقَ إنما أرسل الثلاثَ بناءً على ظنِّه بقاءَ النكاح، فبمقتضى (4) ظنه تكون المفسدةُ واقعةً على تقدير امتناع الإرسال.
واعلمْ أن هذا المثال يتمُّ إذا ظهر للملاعن ومَنْ حضر عقبَ (5) طلاقه أن الفرفةَ وقعت باللعان، فأما إذا لم يظهرْ ذلك، فيكون البيانُ واجباً؛ دفعًا لمفسدة الوقوع في الإرسال لها؛ [أي: الثلاث] (6)، بناءً
(1) روى البخاري (4959)، كتاب: الطلاق، باب: من أجاز طلاق الثلاث، ومسلم (1492)، في أول كتاب: اللعان، من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه في قصة المتلاعنين، وفيه:"فلما فرغا، قال عويمر: كذبتُ عليها يا رسول الله إن أمسكتُها، فطلَّقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ". قال ابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين.
(2)
"ت": "إنه إذا قلنا بوقوع".
(3)
من هنا بداية النسخة الخطية للمكتبة البديعية، والمرموز لها بحرف "ب".
(4)
في الأصل: "مقتضى"، و"ب":"بمقتضى "، والمثبت من "ت".
(5)
في الأصل وفي "ب": "عقيب"، والمثبت من "ت".
(6)
سقط من "ت ".
على بقاء الظن بأنها منكوحةٌ طُلِّقت ثلاثًا عنده، فَيَعْمَل بذلك هو أو غيرُه، فإذا (1) لم يبيِّنْ امتناعَ [عدمِ](2) الإرسال على تقدير أن لا يَتبينَ للملاعن ومَنْ حضر وقوعُ الفرقة باللعان، دلَّ على جواز الإرسال، إذ لو حَرُمَ لبيَّن (3)؛ دفعًا لوقوع المفسدةِ المبنيةِ على ظن بقاء النكاح.
ومثالُه [أيضًا](4): استبشارُه صلى الله عليه وسلم بإلحاق القائفِ نسبَ أسامةَ بزيدٍ (5)، فإنَّ الذين لا يعتبرون إلحاقَ القائف يعتذرون بأنَّ الإلحاق به مفسدةٌ في صورة الاشتباه، ونسبُ أسامة لاحقٌ بالفراشِ وحكمِ الشرع، فلا تتحقق المفسدةُ عندهم في نفس الأمر، لكنْ لما كان الطاعنون في النسب اعتقدوا أنَّ الإلحاقَ بالقِيافة صحيحٌ، اقتضى ذلك الظنُّ منهم - مع ثبوت النسب شرعاً - عدمَ المفسدة في إلحاق القائف.
وللبحث في هذا المقام موضعٌ غيرُ هذا، وإنما المقصود الآن ضربُ المثال، وسيأتي في الكلام على هذا الحديث ما يرجع إلى هذا في أثناء البحث.
وثالثها: أن يُخبَرَ عن حكم شرعي بحضرته صلى الله عليه وسلم فيسكت عنه،
(1)"ت": "فأما إذا".
(2)
زيادة من "ت".
(3)
"ت": "لتبين".
(4)
سقط من "ت".
(5)
رواه البخاري (3525)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب زيد بن حارثة مولى النبي صلى الله عليه وسلم، ومسلم (1459)، كتاب: الرضاع، باب: العمل بإلحاق القائف الولد، من حديث عائشة رضي الله عنها.
فيدلُّ ذلك على ذلك الحكم، كما لو قيل (1) بحضرته: إن هذا الفعلَ واجبٌ أو محظورٌ، إلى غير ذلك من الأحكام، وهذا ظاهرٌ.
ورابعها: أن يُخبَرَ بحضرته عن أمر ليس بحكم شرعي يحتمِلُ أن يكون مطابقاً، ويحتمل أن لا يكون، فهل يكون سكوتُهُ دليلًا على مطابقته؟
مثاله: حلف عمر بحضرته صلى الله عليه وسلم أن ابنَ صيادٍ الدجالُ (2)، ولم ينكِرْ عليه ذلك (3)، فهل يدلُّ ذلك على كونه هو، أم لا؟ وفي ترجمة بعض أهل الحديث ما يُشعِر بأنه ذهب إلى ذلك، والأقرب عندي: أنه لا يدل؛ لأن مأخذَ المسألة ومناطَها - أعني: كونَ التقرير حجةً - هو العصمةُ من التقرير على باطل، وذلك يتوقف على تحقق البطلان، [ولا يكفي فيه عدمُ تحقق الصحة، إلا أن يدَّعيَ مُدعٍ: أنه يكفي في وجوب البيان عدم تحقق الصحة](4)، فيحتاج إلى [بيان](5) ذلك، وهو عاجزٌ عنه.
(1)"ت": "قال ".
(2)
رواه البخاري (6922)، كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: من رأى ترك النكير من النبي صلى الله عليه وسلم حجة لا من غير الرسول، ومسلم (2929)، كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: ذكر ابن صياد، عن محمد بن المنكدر قال: رأيت جابر ابن عبد الله يحلف بالله أن ابن الصيادِ الدجالُ، قلت: تحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي صلى الله عليه وسلم، فلم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم.
(3)
"ت": "ذلك عليه".
(4)
سقط من "ت".
(5)
سقط من "ت".