الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والثاني: أن هذه الإضافة تدل - من الأمر بالتواضع - على أكثر مما (1) تدلُّ عليه الإضافةُ إلى العز؛ لأن هذا يقتضي ذُلاً يخفضُ جناحَه، فأصلُ الذلِّ تواضعٌ، والجناحُ المخفوضُ زيادةٌ في ذلك، بخلاف جناح العز؛ فإنَّه لا يدل على مثل هذه الزيادة.
وأيضاً ففيه مبالغةٌ أخرى من جهة لفظ الذُّلِّ، ودلالتُهُ على أزيدَ مما يدلُّ عليه لفظُ التواضعِ.
* * *
*
الوجه الرابع: في شيء يتعلَّق بالعربية، وفيه مسألتان
(2):
الأولى:
هذا الحديث على الرواية التي ذكرناها (3) يتعلق بمسألة جواز العطف على عاملين، وقد اختلفوا في ذلك، ورأيتُ في كتاب "القوانين" للأستاذ ابن أبي الرَّبيع عصريِّنا رحمه الله وقد ذكر العطفَ على عاملين: لا أعلمُ أحداً من النحويين أجازه غيرَ الأخفش (4).
= لا يُضافُ إلى نَفْسِه، أو كما قال في لسان العرب (10/ 28): هذا من باب إضافة العامّ إلى الخاصّ، كقولهم عِرْقُ النَّسا، وإن كان العرق هو النسا من جهة: أَنّ النسا خاصّ والعِرق عامّ لا يخصُّ النسا من غيره. وانظر: "إصلاح المنطق" لابن السكيت (ص: 164)، و "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (5/ 50).
(1)
"ت": "ما".
(2)
في الأصل و "ب": "مسائل"، والمثبت من "ت".
(3)
"ت": "ذكرها".
(4)
انظر: "الملخص في ضبط قوانين العربية" لابن أبي الربيع الإشبيلي (1/ 577).
وفي كون هذا القولِ مطابقاً لما في نفس الأمر نظرٌ، قال ابنُ يَعيشَ شارحُ "المفصل" لما تكلَّم على المَثَل (مَا كُلُّ سَودَاءَ تَمْرَةٌ، ولا [كُلُّ] (1) بَيضاءَ شَحْمةٌ) قال: وكان أبو الحسين (2) الأخفش - رحمه الله تعالى - وجماعةٌ من البصريين يحمِلون ذلك وما كانَ مثلَهُ على العطفِ على عاملين، وهو رأيُ الكوفيين، رحمهم الله تعالى (3).
فقد (4) حُكيَ هذا المذهبُ عن الكوفيين وجماعةٍ من البصريين.
ووجهُ تعلُّقِ الحديث بهذه المسألة: أنه إذا جُرَّ قولُه صلى الله عليه وسلم: "والآخر"، ونصب قولُه:"شفاء"، فقد عطف (الآخر) على (أحد)، وعطف (شفاء) على (داء)، والعامل في (أحد) حرف الجر الذي هو (في)، والعامل في (داء)(إن)، فقد شُرِّكت الواو في العطف على العاملين اللذين هما (في) و (إن)، وذلك ما يقولُه الأخفشُ ومن معه، وحاصله: عطف شيئين على شيئين، والعامل فيهما شيئان مختلفان، وسيبويه لا يجيز ذلك، وقد استدلَّ الأخفشُ بأشياءَ منها المَثَلُ المذكور، فاحتاج ناصرو مذهبِ سيبويه إلى تخريجها وتأويلها، فقالوا في المثل: إنه على حذف المضاف وإبقاءِ عمله، والتقدير: ما كل سوداء تمرة، ولا كل بيضاء شحمة، فحذفَ (كلَّ) بعد حرف العطف
(1) سقط من "ت".
(2)
في الأصل: "الحسن"، والصواب ما أثبت كما في "ت".
(3)
انظر: "شرح المفصل" لابن يعيش (3/ 270).
(4)
"ت": "وقد".
وأبقَى عملَها، فكأنها ملفوظٌ بها، ولو كانت ملفوظاً بها لما وقع العطف على عاملين، فكذلك إذا حُذفت، فكانت (1) كالملفوظ به، وكذلك قالوا في قراءة حمزة والكِسائي:{وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} إلى قوله تعالى {آيَاتٌ} [الجاثية: 5]، وهي ممَّا (2) استُدِلَّ بها لمذهب الأخفش، فقالوا: إنه على حذف حرف الجر وإبقاء عمله، والتقدير: في (3) اختلاف الليل والنهار، وعلى مساق هذا يقولون في الخبر المذكور "والآخر": إنَّ حرفَ الجر محذوفٌ مبقيُّ العملِ، والتقدير: وفي الآخر شفاء (4).
(1)"ت": "وكانت".
(2)
"ت": "ما".
(3)
"ت": "وأنه في".
(4)
قال ابن هشام في "مغني اللبيب"(ص: 632) في مسألة العطف على معمولي عاملين: فإن لم يكن أحدُهما جاراً فقال ابن مالك: هو ممتنع إجماعاً نحو: كان آكلاً طعامَك عمروٌ وتمرَك بكر، وليس كذلك، بل نقل الفارسىُّ الجواز مطلقاً عن جماعة، وقيل: إن منهم الأخفش، وإن كان أحدهما جاراً؛ فإن كان الجارُّ مؤخراً نحو زيد في الدار والحجرة عمروٌ، أو وعمروٌ الحجرة، فنقل المهدويُّ أنه ممتنع إجماعاً، وليس كذلك، بل هو جائز عند من ذكرنا، وإن كان الجار مقدماً نحو في الدار زيد والحجرة عمروٌ؛ فالمشهور عن سيبويه المنع، وبه قال المبرد وابن السراج وهشام، وعن الأخفش الإجازة، وبه قال الكسائي والفراء والزجاج، وفضّل قوم - منهم الأعلم - فقالوا: إن ولي المخفوضُ العاطف كالمثال جاز؛ لأنه كذا سُمع، ولأن فيه تعادل المتعاطفات، وإلا امتنع نحو في الدار زيدٌ وعمروٌ الحجرة.
وانظر المسألة في "شرح الرضي على الكافية"(2/ 344 - 348).
واعلمْ أنه وردَ في مواضعَ ما ظاهرُه العطفُ [على](1) عاملين، وتأويلُه وتخريجُه بحذف المضاف أو حذفِ حرف الجر خلافَ الظاهر، وهو أيضاً ضعيفٌ؛ أعني: حذفَ الجار وإبقاءَ عملِه في القياس والاستعمال معاً كما ذكروه، كما أنَّ العطفَ على عاملين ضعيفٌ في القياس والاستعمال، فالفِرار من العطف على عاملين لضعفه قياساً واستعمالاً إلى حذف المضاف وحرف الجر مبقياً عملَهما (2) مع ضعفه في القياس والاستعمال معاً لابُدَّ فيه من ترجيح (3).
وليس غرضنا هاهنا المناظرة، ولكنَّ الذي نبَّه (4) عليه: أن المقصودَ بالعربية إنما هو النطقُ بالصواب، وذلك حكمٌ لفظيٌّ، وما عداه من التقديراتِ وغيرِها ممَّا لا يقدح في اللفظ، ليس هو بالمقصود (5) في علم العربية بالذَّات، فمتى احتجَّ محتجٌّ بشيء مسموع عن العرب لمذهبٍ (6) له، فذُكِرَ فيه تأويلٌ، وكان ذلك التأويل مما يطَّرِد في جملة
(1) زيادة من "ت".
(2)
"ت": "مبقي عملها".
(3)
قلتُ: ذهب المصنف إلى ضعف حذف المضاف، ولكن قد قال ابن جني في "الخصائص" (1/ 192): وأما أنا فعندي أن في القرآن مثل هذا الموضع نيفاً على ألف موضع، وقَلَّت آيةٌ تخلو من حذف المضاف، نعم، وربما كان في الآية الواحدة من ذلك عدة مواضع.
(4)
"ت": "ننبه".
(5)
"ت": "بمقصود".
(6)
"ت": "العربية بمذهب".
مواردِ الاستعمال، فحينئذٍ لا يظهر للاختلاف (1) فائدةٌ لفظية؛ لأن اللفظَ جائزُ الاستعمالِ على الصورة والهيئة المذكورة [و](2) على كل تقدير، إما من غير تأويل كما يذهب إليه المستدلُ، وإما بتأويل مطَّرِد [كما](3) في الموارد كما يذكر المجيب، فلا يظهر للاختلاف فائدة في الحكم اللفظي، وهو المقصود من علم العربية، مثالُه فيما نحن فيه: أنَّا إذا قلنا: فإن في أحدِ جناحيه داء والآخرِ شفاء، فأوَّله مؤول بحذف حرف الجر، وأوَّل قولنا:(ما كلُّ سَوداءَ تَمرةٌ، ولا بيضاءَ شحمةٌ) بحذف المضاف، فاللفظُ على الهيئة المذكورة جائزٌ غيرُ خارج عن الصواب، وغايةُ ما في الباب أن يكونَ الخلافُ وقعَ في وجه جوازِه، فقائل يقول: هو على حذف المضاف وإبقاء عمله، وهو جائز، وقائل يقول: هو على تقدير العطف على عاملين، وهو جائز، فالاتفاق وقع على الجواز، واختُلِف في علَّتِهِ، وذلك لا يُفيدُ فائدةً لفظيةً، اللَّهمَّ إلا إذا بُيِّنَ (4) في بعض المواضعِ فائدةٌ؛ بأن يكون الجواز مختصًّا بأحد المذهبين دونَ الآخر، فحينئذٍ تظهر الفائدةُ المحقَّقةُ المعتبرةُ في علم العربية. فانظر هذا فإنه يقعُ في مواضعَ من مباحثِ النحويين، وقد وقع في بعض الروايات في الحديث: "وفي الآخرِ
(1)"ت": "في الاختلاف".
(2)
سقط من "ت".
(3)
زيادة من "ت".
(4)
"ت": "تبين".