الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإنَّما قلتُ: في اصطلاح [الفقهاء](1)؛ تحرُّزًا مما يقوله بعضُ مَنْ يميل إلَى المَعقولِ من الفَرْقِ بين الماء المُطلَق ومطلق الماء، ولأنَّ الماءَ المُطلَق باعتبار اصطلاح الفقهاء مقيَّدٌ بقيدِ عدمِ التغيّرِ، وهذا لا يضرُّنا في الاستدلالِ؛ لأنَّ النصوص إنَّما تطلق لأجل الامتثال، والامتثالُ بحسب الفَهْم، والفهمُ بحسب المُتعارَفِ عندَ السامعين، فإذا كانوا عندَ الإطلاق للفظِ الماءِ لا يصرفونَهُ إلا إلَى المُقَيَّدِ بقيد عدم التغيير مثلًا، وجبَ تعليقُ الحكمِ به، لا بمطلق الماء.
السادسة عشرة:
هذا الأمرُ بصبِّ الذَّنوب، إنَّما هو لقصدِ التطهير جزماً، فيجبُ أنْ يحصلَ به التطهيرُ، والمخالفون لأبي حنيفة يَحكون عنه: أنَّ الأرضَ إذا أصابَتْها نجاسة يُحفَرُ الترابُ ويُنقَلُ (2)، ويستدلون عليه بالحديثِ (3): أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لم يأمر (4) بنقل التراب.
والطَّحاوِيّ الحنفيُّ - رحمه الله تعالَى - لمْ يطلقِ القولَ بالحفرِ، وفصَّلَ في "مختصره" فقال: ومَنْ بالَ علَى الأرضِ، فطهارةُ ذلك المكان - إذا كان إذا صُبَّ عليه الماءُ نزل إلَى ما هو أسفلَ من الأرضِ - صَبُّ الماء عليه حتَّى يُغسَلَ وجهُ الأرض وينخفضَ إلَى ما تحتَها، وإنْ
(1) زيادة من "ت"، وقد ألحقت في الأصل إلا أنها مطموسة.
(2)
انظر: "بدائع الصنائع" للكاساني (1/ 89).
(3)
أي حديث الباب المذكور.
(4)
"ت": "أمر".
كانت حجرًا، فحتَى يغسِلَها غسلًا يُطهّرُها، وإنْ كانت غيرَ ذلك من الأرضِ الصلبة فإنَّهُ (1) يُحفَرُ مكانُ البول منها حتَّى تعودَ طاهرةً مِنه (2).
وبهذا (3) التفصيلِ الَّذِي ذكره، يتأتَّى لهم الجوابُ عن الحديثِ، إمّا بما قيل: إنَّها كانت رملًا ينزل فيها الماء، أو بأنَّهُ يُحتمَلُ ذلك، إنْ لمْ يكنْ نُقِلَ، ولمْ (4) تبطلْه المُشاهدةُ في الأرضِ المذكورة؛ أعني: أرضَ المسجد.
وعلَى كلِّ حالٍ فكان القياسُ يقتضي ما أُطلِقَ من القولِ عن أبي حنيفةَ؛ لأنَّ ذلك غُسالةُ نجاسة، فهو ماءٌ قليلٌ حلَّته نجاسةٌ، فينجُسُ علَى مذهب من يقول ذلك، إلا أنَّ النَّصَّ يدلُّ علَى التطهيرِ مع بقاء البلل، فلا اعتبارَ بالقياسِ إنْ لمْ يصحَّ نقل بالنقلِ؛ أعني: بنقل التراب.
وقد وردَ الأمرُ بالحفرِ في حديثٍ مُرسَلٍ عن طاوس (5)، وفي حديثٍ مسند عن عبد الله، والمسندُ من رواية أبي بكر بن عيّاش، عن
(1)"ت": "فإن".
(2)
انظر: "مختصر الطحاوي"(ص: 31).
(3)
"ت": "وهذا".
(4)
"ت": "وإن لم".
(5)
رواه عبد الرزاق في "المصنف"(1659)، وإسناده صحيح، كما ذكر الحافظ في "التلخيص الحبير"(1/ 37).