الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التمسكُ بشيء من العمومات أو أكثرِها، إذْ ما من عالم إلا وله أحوالٌ متعددة بالنسبة إلى الذوات التي يتعلَّقُ بها العمومُ، فإذا اكتفينا في العمل بحالة من الحالات، تعذَّرَ الاستدلالُ به على غيرها، وهذا خلافُ ما دَرَج عليه الناس، و - أيضاً -: فإن الأصوليين يعتمدون في إثبات العموم على (حُسن اللَّوْم) فيمن خالف مقتضى العموم.
ولو قلنا بهذا القول: لزم أن يكون السيدُ إذا قال لعبده: من دخل الدار فأعطه درهمًا، فدخل الدار أقوامٌ لا يُحصَون فلم يعطهم شيئًا: أن لا يتوجَّهَ اللومُ على العبد؛ لأن له أن يقول: لفظُك عامٌّ في الذوات، مطلقٌ بالنسبة إلى الأحوال والأزمان، فأنا أعمل بلفظك فيمن دخل من الطِّوال، ولا أعمل به في غيرهم، أو فيمن دخل آخرَ النهار، أو آخرَ العمر، وأكونُ قد عملت بمقتضى اللفظ، لكنَّ ذلك سببُ اللومِ جزماً.
التاسعة عشرة:
اللفظُ العامُّ وضعاً، تارةً يظهر فيه قصدُ التعميم وتأسيسُ القواعد، فلا إشكالَ في العمل بمقتضى عمومه، وتارةً يظهر فيه أنه قُصِد به معنى غيرُ عام، فهل يُتمسَّك بعمومه؛ لأن القصدَ إلى بيان معنى لا ينافيه تناولُ اللفظَ لغير ما قُصِدَ، فلا تتعارض إرادتُهما معاً؟ أو يقال: إن الكلامَ في غير المقصود منه مُجَملٌ يُبيَّن من جهةٍ أخرى؟
هذا ما تكلم فيه أهل الأصول (1)، ومُثِّل بقوله صلى الله عليه وسلم: "فيما سَقَتِ
(1) انظر: "البرهان" للجويني (1/ 354)، و"المستصفى" للغزالي (ص: 251)، و"البحر المحيط" للزركشي (4/ 77)، وما بعدها، وقد نقل عن الإمام ابن دقيق كلامه هنا.
السَّمَاءُ العُشْرُ" الحديث (1)، فإن اللفظَ عامّ في القليل والكثير، لكنْ ظهرَ أن المقصودَ منه بيانُ القَدْر (2) المُخرَجِ، لا بيانُ القدر المُخرَجِ منه، ويؤخَذُ ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم: "فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقةٌ" (3).
والتحقيقُ عندي: أنَّ دَلالته على ما لم يُقصَدْ به أضعفُ من دَلالتِه على ما قُصِد به، ومراتبُ الضعف متفاوتةٌ، والدَّلالةُ (4) على تخصيصِ وتعيينِ المقصود مأخوذة (5) من قرائنَ، قد تَضعُف تلك القرينة عن دلالة اللفظ على العموم وقد تَقوَى، والمرجعُ في ذلك إلى ما يجده الناظرُ بحسَب لفظٍ لفظٍ.
وإنما قدمتُ هذا؛ لأني سأذكر وجوهًا من الاستنباط يظهر في بعضها أنه بعيدٌ عن المقصود بأصل الحديث، فنبهت على كلام الأصوليين، وأنه غيرُ خارج عن مذهب بعضهم، وكذلك - أيضاً - استدل الفقهاء والخلافيون في مسائلَ كثيرةٍ بمثل هذا العموم فيما لا يُقصَد باللفظ، فهو غير خارج عن استدلالاتهم.
(1) رواه البخاري (1412)، كتاب: الزكاة، باب: فيما يسقى من ماء السماء وبالماء الجاري، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(2)
"ت": "قدر".
(3)
رواه البخاري (1345)، كتاب: الزكاة، باب: ما أدي زكاته فليس بكنز، ومسلم (979)، في أول كتاب: الزكاة، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(4)
" ت ": "والدليل".
(5)
"ت": "مأخوذ".
ومن فوائد هذه القاعدة: أنَّ ما كان غير مقصود يُخرَج عنه بدليل (1) قريبِ الحال لا يكونُ في مرتبة الذي يُخرج به عن العموم المقصود (2).
ومراتبُ الضعف كما قدمناه (3) فيما لم يُقصد من اللفظ متفاوتةٌ، ومِنْ بعيدِها ما كان في حُكمِ الطوارئ والعوارض التي لا يكادُ يستحضرُها مَنْ تجوزُ عليه الغفلةُ عنها.
ولصيغةِ العموم مرتبةٌ أخرى: وهي أن لا يظهرَ قصدُ الخصوص ولا قصدُ العموم، ولذلك حكمٌ يتعلَّق بالتخصيص بالقياس، سنذكره إن شاء الله تعالى.
وقد عقد القاضي أبو محمد عبد الوهاب المالكي (4) بابًا في (5) وقف العموم على المقصود، قال: وقد اختلف أصحابُنا في ذلك، فذهب متقدِّموهم إلى وجوب وقف العموم على ما قُصِد به، وأنه لا يُتعدَّى به إلى غيره ممَّا لم يُقصَدْ به إلا بدليل (6)، وإن كان إطلاق
(1) في الأصل: "بذلك"، والتصويب من "ت".
(2)
أي: أن الحكم المستنبط من نص غير صريح الدلالة على هذا الحكم يمكن تركُه بأي دليل قريب، في حين أن مثل هذا الدليل لا يعين على ترك حكم استُنبط من نص صريح الدلالة عليه.
(3)
"ت": "قدمنا".
(4)
في كتابه "الملخص في أصول الفقه" كما سماه الزركشي في "البحر المحيط"(4/ 76).
وسماه القاضي عياض في "ترتيب المدارك"(2/ 692): "التلخيص".
(5)
"ت": "من".
(6)
"ت": "لدليل"
الصيغةِ يقتضيه، وذهب إلى هذا بعضُ أصحاب الشافعي - رحمهم الله تعالى -؛ منهم أبو بكر القَفَّال، وغيره.
قال: وذهب أكثرُ متأخري أصحابِنا إلى منع الوقف فيه، ووجوبِ إجرائه على مُوجِب اللغة.
قلتُ: ومثّلَ القاضي صورةَ المسألة بأنْ يُستدَلَّ بقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} إلى قوله: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [البقرة: 187] على إباحة نوع مُختلَفٍ في جواز أكله، أو شرب بعضِ ما يُختلَف في شربه، وقد عُلِمَ منه أنَّ الأكل والجماع في ليلة الصوم لا يَحرُمُ بعدَ النوم (1).
ثم مثَّلَ بقوله (2) تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 34]، على وجوب الزكاة في [قدر](4) مُختلَف فيه، أو نوع مُختلَف (3) في تَعلُّق [قدر](4) الزكاة به.
وكذلك التعلق بالخطاب الخارجِ على المدح والذم (5)، نحوُ قوله تعالى:{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ} [المؤمنون: 5، 6]
(1)"ت" زيادة: "شيء مما تقدم".
(2)
"ت": "وبقوله" بدل "ثم مثَّل بقوله".
(3)
" ت " زيادة: " فيه ".
(4)
زيادة من "ت" و" ب ".
(5)
في الأصل: "وكذلك المتعلق بالخارج عن المدح أو الذم"، والتصويب من "ت".