الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخامسة:
يمكن أن يستدلَّ به على أن إعدادَ الماء بعدَ دخول الوقت للطهارة غيرُ واجب؛ بناءً على القاعدة الشافعية؛ لأن حالَهم صار متودداً بين أمور منها: عدم الإعداد قبل الوقت وبعدَه، فإذا تردَّد كان التقريرُ كالعام بالنسبة إليهما؛ لأنه لو اختلف لبُيِّن، فيكون كالتقرير على عدم إعداد الماء بعدَ دخول الوقت، وفيه من السؤالِ ما مرَّ من طهورية ماء البحر وجوابهِ.
السادسة:
يمكن أن يستدلَّ به على أن مَنْ قَدِر على إعداد الماء المطهِّر بعدَ دخول الوقت، فلم يفعل حتى تيممَ: لا تلزمه الإعادةُ بعدَ الوقت؛ لأن من جملة أحوالهم عدمَ الإعداد بعدَ دخول الوقت مع التردد في طهورية البحر (1)، [وإذا كان من جملة أحوالهم مع التردد في الطهورية](2) تمتنع الطهارة به؛ لأنهم مُتعبَّدون (3) بالطهارة بما هو طَهور عندهم، وإذا امتنع التطهرُ به في حال الشك، وكان من جملة الأحوال وقوع التردد في طهوريته مع عدم الإعداد الكافي، ومشينا على القاعدة الشافعية: كان ذلك تقريرًا على عدم إعداد الماء مع عدم العلم بوجود المُطهِّر، وإذا لم يحصلِ التطهرُ به لما ذكرناه من الشك الذي قررناه، كان [ذلك](4) تركًا للطهارة في الوقت مع القدرة عليها
(1)"ت": "الطهورية" بدل "طهورية البحر".
(2)
سقط من "ت".
(3)
"ت": "يتعبدون ".
(4)
زيادة من "ت".
بإعداد الماء (1) في الوقت، فلو كان مقتضياً للإعادة بناءً على التقصير لتعيَّنَ بيانُه، ولمَّا لم يبيَّنْ، دلَّ على عدم الوجوب، وليتنبَّهْ؛ لأنا ما أخذنا [شكهم] في طهورية ماء البحر من سؤالهم عن الوضوء به، وإن كان ذلك مُشعرًا بالتردد في طهوريته؛ لأن ذلك لا يدلُّ على أن هذا الشكَّ كان حالةَ عدمِ إِعدادهم الماءَ الكافي، وإنما يدل على وجود التردد عند السؤال، ولا يلزم منه وجودُ التردد عند الركوب للبحر، وإنما أخذنا ذلك من أنه حالٌ من أحوالهم المختلفة.
فإن قلتَ: هذا يتوقفُ على اعتقادهم عدمَ جواز الوضوء به عند الشكّ في طهوريته، ولا يكفي في ذلك أن يكونَ الحكمُ في نفس الأمر كذلك؛ لأن المقصودَ أن يجتمعَ حملُهم للماء القليل مع اعتقادهم إمكانَ أن لا يوجَدَ المطهِّر في الوقت، بسبب امتناع الاستعمال؛ لأجل الشك والتردد فى الطهورية، وقد لا يكون هذا الاعتقاد عندهم؛ أعني: اعتقادَ [امتناع](2) الوضوء بالبحر عند التردُّدِ في طهوريته.
قلتُ: لا يتوقف الأمر على ثبوت هذا الاعتقاد عندهم؛ أعني: [اعتقاد](3) عدم جواز الوضوء بماء البحر عند التردد في الطهورية، بل يكفي إمكانُ هذا الاعتقاد في حقهم، فيصير هذا القَدْر (4) - أعني: عدم
(1) في الأصل زيادة: "على وجود الماء".
(2)
سقط من "ت".
(3)
سقط من "ت".
(4)
"ت": " الأمر ".
الإعداد للكافي مع اعتقاد عدم الجواز للوضوء بماء البحر عند التردد فيه - مِنْ جملة أحوالِهم الممكنة، التي يختلف الحكم باختلافها، فنرجع إلى القاعدة بعينها.
ويمكنك أن تبحثَ بمثل ما ذكرناه هاهنا عن سؤال جيّدٍ يَردِ، وهو أن يقالَ: لِمَ لا يجوزُ أن يكونوا اعتقدوا جوازَ الوضوء بماء البحر بناءً على [أن] الأصلَ في الماء الطهوريةُ؟ ولا يقدح في العمل بهذا الأصلِ حصولُ التردد المخالف للأصل، فطريقُهُ (1): أن يُجعَلَ اعتقادُهم لامتناع الوضوء به عند التردد حالةً من أحوالهم، ويعود الكلام.
واعلم أنه قد ورد في رواية (2) سفيان بن عُيينة مع إرسالها ما يُشعِرُ من حيثُ السياقُ أنهم كانوا يتوضؤون به، فانه قال فيها: فإنَّ توضأنا، يعني: بماء البحر، وَجَدْنا في أنفسنا (3).
تنبيه: هذا الذي ذكرناه مبنيٌّ على ظاهر الكلام المنقول عن الشافعي رضي الله عنه في تنزيل ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال منزلةَ العموم في المقال، فإنَّ ظاهرَهُ يقتضي تعليقَ هذا الحكم بالاحتمال كيف كان.
(1)" ت ": " وطريقهم ".
(2)
"ت": "رواة".
(3)
رواه عبد الرزاق في "المصنف"(321)، و (8657)، وابن عبد البر في "التمهيد"(16/ 219).