الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
الْفَصْلُ الثَّانِي:
4899 -
[7] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمُ الَّذِينَ مَاتُوا، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الْخِرَاءَ بِأَنْفِهِ،
ــ
الفصل الثاني
4899 -
[7](أبو هريرة) قوله: (لينتهين أقوام. . . إلخ)، حلف على أحد الأمرين، إما الانتهاء عما هم فيه من الافتخار، وإما الهوان والذل عند اللَّه تعالى بتعذيبه إياهم؛ فإن كان الانتهاء لم يكن الذل، وإن لم يكن الانتهاء كان الذل، والمقصود التأكيد في طلب وجود الانتهاء.
وقوله: (إنما هم فحم من جهنم) أي: آباؤهم يحرقون في نار جهنم فصاروا كالفحم، والقصر من باب قصر الموصوف على الصفة إضافيًّا بالنسبة إلى ثبوت الفضائل التي يثبتونها لهم، والمراد أنهم في جهنم حتما إن كان الكلام في المشركين الذين ماتوا على الشرك، أو يحتمل أن يكونوا فيها إن كان أعم، وكذا قيد بالموت لأنه لا يعرف حقيقة الحال إلا بعد الموت.
و(الجعل) بضم الجيم وفتح العين: دويبة سوداء معروف، وأما جعل بضم فسكون: ما جعل على العمل من الأجرة، و (يدهده) أي: يدحرج ويدير (الخرء) بضم الخاء المعجمة: العذرة، وجمعه خروء كجند وجنود، وقد تفتح الخاء، وهو كقرء بضم القاف وفتحها، والهمزة مكتوبة في الحديث بصورة الألف موافقة لحركتها، أو قلبت ألفًا بنقل الحركة إلى الراء فصار ألفًا كالعصا، كذا في بعض الشروح، ويروى (الخراء) بكسر ومد.
إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ، إِنَّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ،
ــ
وأما ما جاء في الحديث: (إن نبيكم يعلمكم كل شيء حتى الخراءة) فهو بالتاء وبالكسر والمد بمعنى التخلي والقعود للحاجة، الخطابي (1): أكثرهم يفتحون الخاء، الجوهري (2): خري خراءة ككره كراهة، وفي (القاموس) (3): خرئ كفرح خرءًا وخراءةً، ويكسر، والاسم من الخراء بالكسر، وقال النووي في (شرح مسلم) (4): الخراءة يكسر ويمد: هيئة الحدث، وأما نفس الحدث فبلا تاء وبمد مع فتح الخاء وكسرها، كذا في (مجمع البحار)(5).
شبه صلى الله عليه وسلم المفتخرين بآبائهم الذين ماتوا في الجاهلية بالجعل، وآباءهم المفتخر بهم بالعذرة، وافتخارهم بهم بالدهدهة بالأنف.
وقوله: (عبية الجاهلية) بضم العين وكسرها، وكسر الموحدة وفتح التحتانية المشددتين، أي: فخرها وتكبرها، وفي (القاموس) (6): العبية بالضم والكسر: الكبر والفخر، وفي (الصراح) (7):(عبية الجاهلية) أي: نخوتها، أوردها في المضاعف.
وقوله: (إنما هو) أي: الإنسان أو المفتخر المتكبر (مؤمن تقي) فإذنْ لا ينبغي
(1) أي: قال الخطابي في "معالم السنن"(1/ 11).
(2)
أي: قال الجوهري في "الصحاح"(1/ 46).
(3)
"القاموس المحيط"(ص: 50).
(4)
"المنهاج شرح صحيح مسلم"(3/ 154).
(5)
"مجمع بحار الأنوار"(2/ 24).
(6)
"القاموس المحيط"(ص: 116).
(7)
"الصراح"(ص: 42).
أَوْ فَاجِرٌ شَقِيٌّ، النَّاسُ كلُّهُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: 3955، د: 5116].
4900 -
[8] وَعَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخّيرِ قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ:"السَّيِّدُ اللَّهُ". فَقُلْنَا: . . . . .
ــ
له أن يتكبر على أحد، (أو فاجر شقي) فهو ذليل عند اللَّه، والذليل لا يستحق التكبر، فالتكبر منفي بكل حال.
4900 -
[8](مطرف) قوله: (عن مطرف) بلفظ اسم الفاعل من التفعيل بالطاء المهملة والفاء، (ابن عبد اللَّه بن الشخير) بكسر الشين والخاء المعجمتين وسكون الياء، اعلم أن عبد اللَّه بن الشخير أبا مطرف صحابي، وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم في بني عامر، وأما مطرف ابنه فتابعي، كذا في (جامع الأصول)(1)، وعلى هذا الضمير في قوله:(قال: انطلقت) لأبيه عبد اللَّه بن الشخير؛ لأنه الذي وفد في بني عامر، وذكر في بعض الحواشي أنه هكذا ذكر في (سنن أبي داود)، فعبارة المؤلف لا تخلو عن شيء، وكان عليه أن يقول:(عن أبيه قال)، ولقد ذكر حديثًا له في (باب ما لا يجوز من العمل في الصلاة)، وقال: وعن مطرف بن عبد اللَّه بن الشخير عن أبيه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيز، الحديث.
وقوله: (فقال: السيد اللَّه) قال التُّورِبِشْتِي (2): سلك القوم في الخطاب معه
(1)"جامع الأصول"(12/ 575).
(2)
"كتاب الميسر"(3/ 1064).
وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا. فَقَالَ: "قُولُوا قَوْلَكُمْ أَوْ بَعْضَ قَوْلِكُمْ. . . . .
ــ
مسلكهم مع رؤساء القبائل، فإنهم كانوا يخاطبونهم بنحو هذا الخطاب، فكره ذلك؛ لأنه كان من حقه أن يخاطبوه بالنبي والرسول، فإنها المنزلة التي لا منزلة وراءها لأحد من البشر، وحول الأمر فيه إلى الحقيقة فقال: السيد هو اللَّه، أي: الذي يملك نواصي الخلق، ويتولى أمرهم ويسوسهم، انتهى.
حاصل هذا الوجه أنه إنما كره طريق الخطاب وسلوكهم مسلك الخطاب مع الرؤساء والملكوك لا أصل ثبوت السيادة، وهو سيد ولد آدم فكيف النسبة إلى أصحابه؟ ثم أشار إلى أن حقيقة السيادة والتولية والمالكية ثابتة للَّه تعالى، لا شريك له في ذلك، ويمكن أن يكون ذلك قبل أن يوحى أنه سيد البشر.
وقوله: (وأفضلنا) قال الطيبي (1): إنه عطف على (سيدنا)، كأنهم قالوا: أنت سيدنا وأفضلنا وأعظمنا طولًا، فكره رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الكل، وخصّ الرد بالسيد، فأدخل الراوي كلامه بين المعطوف والمعطوف عليه، انتهى. أي: صرح الرد بالسيد خصوصًا، وإلا فهو رد الكل بقوله:(قولوا قولكم. . . إلى آخره)، وهذا أيضًا على تقدير أن يكون معنى قوله:(قولوا قولكم) كقول أهل ملتكم وما هو من شعار المسلمين، وذلك قولهم: رسول اللَّه، ونبي اللَّه، أو القول الذي جئتم له وقصدتموه؛ أي: دعوا هذا المدح وائتوا بمقصودكم وحاجتكم، كما ذكر الطيبي هذين المعنيين، ولا يخفى أن كليهما بعيد لا يلائمه قوله:(أو بعض قولكم)، بل الظاهر أن معناه كما ذكره بعضهم: قولوا هذا القول أو أقل منه، ولا تبالغوا في مدحي بحيث تمدحوني بشيء يليق بالخالق ولا يليق بالمخلوق، وعلى هذا لا يكون ردًّا للكل، بل الظاهر على هذا المعنى أن
(1)"شرح الطيبي"(9/ 141).
وَلَا يَسْتَجْرِيَنَكُمُ الشَّيْطَانُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: 4/ 25، د: 4806].
4901 -
[9] وَعَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الْحَسَبُ الْمَالُ، وَالْكَرَمُ التَّقْوَى". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابنُ مَاجَه. [ت: 3271، جه: 4219].
ــ
يكون إثباتًا لقولهم: (وأفضلنا فضلًا، وأعظمنا طولًا)، أي: لا تقولوا: سيدنا، بل لو قلتم قولوا قولكم هذا، يعني أفضلنا وأعظمنا، أو بعض هذا القول، وهو أفضلنا، فإن ترك إثبات العظمة لغير الرب تعالى أحوط كما جاء:(الكبرياء ردائي والعظمة إزاري) الحديث، ويكون تقدير قولهم: وأفضلنا وأنت أفضلنا عدولًا عن قولهم: (سيدنا) إلى (أفضلنا)، ولا يكون عطفًا عليه، فيكون الرد مخصوصًا بالسيادة الحقيقية دون الفضيلة، ويناسب أيضًا قوله:(ولا يستجرينكم الشيطان) أي: لا يتخذنّكم جريًّا، أي: وكيله المطلق، والجري: الوكيل؛ لأنه يجري مجرى الموكل، أي: لا تكونوا وكلاء الشيطان بحيث تتفوهون من قبله بكل ما أردتم، بل حافظوا واحتاطوا، وقولوا بعض ما قلتم، كالأفضلية دون السيادة، أو لا يجعلنكم جريئًا، أي: ذوي جراءة على التكلم بكل ما لا يجوز، ويظهر من هذا كله أن (أو) في قوله:(أو بعض قولكم) للتنويع دون شك الراوي، فافهم ما ذكرنا، وباللَّه التوفيق.
4901 -
[9](الحسن) قوله: (الحسب المال، والكرم التقوى) الحسب: ما يعده الرجل ويفتخر به من خصال حميدة فيه أو في آبائه، والكرم معنى شامل جامع لأنواع الخير والفضائل، وهذا هو الحقيقة، وأما عند الناس فالحسب منحصر في المال، وبه يكون الرجل عظيم القدر عندهم؛ فإن الفقير لا توقير له عندهم، ولا يعبأ به أهل الثروة، و (الكرم) أي: الشيء الذي يكون الرجل عند اللَّه تعالى عظيم القدر وكريم المنزلة هو
4902 -
[10] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ بِهَنِ أَبِيهِ وَلَا تُكَنُّوا". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّة". [شرح السنة: 3541].
4903 -
[11] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُقْبَةَ عَنْ أَبِي عُقبَةَ -وَكَانَ مَوْلًى مِنْ أَهْلِ فَارِسَ- قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُحُدًا، فَضَرَبْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَقُلْتُ: خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا الْغُلَامُ الْفَارِسِيُّ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: . . . . .
ــ
التقوى، وأما الافتخار بالآباء فليس ذلك في شيء منهما، فافهم.
4902 -
[10](أبي بن كعب) قوله: (من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا) تعزى اعتزى: انتسب صدقًا أو كذبًا، وعزاه إلى أبيه: نسبه إليه، والمعنى من انتسب بنسبة الجاهلية، أي: افتخر بآبائه، وقال: أنا ابن فلان وآل فلان مفتخرًا، أو المراد من انتسب وانتمى إلى الجاهلية بإحياء سنتها السيئة في الشتم واللعن والمواجهة بالفحشاء والمنكر، والمعنى الأول أنسب وأقرب بقوله:(فأعضوه بهن أبيه)، والعض: أخذ الشيء بالأسنان، والإعضاض متعدية، و (الهن) بالتخفيف، وقد يشدد ويصغر على هُنَين: الشيء القبيح الذي يستهجن ذكره من العورات والقبائح، ويطلق على الفرج خاصة، وكلا المعنيين صحيح الإرادة؛ فالمعنى على الأول: اذكروا له قبائح آبائه وشنائع أعمالهم من عبادة الأصنام والزنا وشرب الخمر، وصرحوا بتلك القبائح من غير كناية وإخفاء، لعله يستحيي من الافتخار بهم، ويرتدع عن ذكر قبائح الناس والتعرض لأعراض الناس، وعلى الثاني: قولوا له: اعضض بفرج أبيك، ولا تكنوا في الفرج، بل صرحوا باسم آلة أبيه تشديدًا وتغليظًا.
4903 -
[11](عبد الرحمن) قوله: (خذها مني) هذه الكلمة جرت عادة
"هَلَّا قُلْتَ: خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا الْغُلَامُ الأَنْصَارِيُّ؟ ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: 5123].
4904 -
[12] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ نَصَرَ قَوْمَهُ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ فَهُوَ كَالْبَعِيرِ الَّذِي رَدَى فَهُوَ يُنزَعُ بِذَنَبِهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: 5118].
ــ
المحاربين عند إظهار الشجاعة إذا أصابوا في ضربتهم أو طعنهم أن يقولوا بها على سبيل التهكم، أي: خذ هذه العطية مني، كذا قال الطيبي (1).
أقول: ويمكن أن يكون التقدير: خذ هذه الضربة أو هذه البلية والمحنة، وأمثال ذلك، فلا يكون تهكمًا.
وقوله: (هلا قلت: وأنا الغلام الأنصاري) لأن مولى القوم منهم، كره رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الافتخار في هذا المقام بالنسبة إلى فارس وهم المجوس، وحضه أن يفتخر بالأنصار الذين هم شجعان الدين أنصار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ورضي اللَّه عنهم، هذا ويحتمل أن الغلام حقر نفسه وتواضع بأني أنا الغلام الفارسي لا تعبؤون بهم (2)، فعظمه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ورفع قدره، وقال: بل أنت أنصاري؛ لأن مولى القوم منهم، فانسب نفسك إليهم، واللَّه أعلم.
4904 -
[12](ابن مسعود) قوله: (من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي ردى فهو ينزع بذنبه) ردى في البئر كرمى: سقط، كتردّى، وردي كرضي: هلك، كذا في (القاموس)(3)، قال الطيبي (4): أي من أراد أن يرفع نفسه بنصر قومه على الباطل،
(1)"شرح الطيبي"(9/ 142).
(2)
كذا في الأصل، والظاهر:"لا تعبؤون به".
(3)
"القاموس المحيط"(ص: 1184).
(4)
"شرح الطيبي"(9/ 143).
4905 -
[13] وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا الْعَصَبِيَّةُ؟ قَالَ: "أَنْ تُعِينَ قَوْمَكَ عَلَى الظُّلْم". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: 5119].
4906 -
[14] وَعَنْ سُراقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: . . . . .
ــ
فهو كبعير سقط في بئر، فما يجدي عنه أن ينزع بذنبه وإن جهد كل الجهد، انتهى. فجعل المشبه بالبعير الناصرَ، وهو الظاهر من لفظ الحديث، وهكذا نقل صاحب (مجمع البحار) (1) عن (النهاية) (2) حيث قال: أراد أنه وقع في الإثم وهلك، كبعير تردى في بئر وأريد نزعه بذنبه، فلا يقدر عليه.
وذكر في بعض الحواشي أنه شبه القوم ببعير هالك؛ لأن من كان على غير حق فهو هالك، وشبه ناصرهم بذنب هذا البعير، فكما أن نزعه بذنبه لا يخلصه من المهلكة، كذلك هذا الناصر لا يخلصهم عن بئر الهلاك التي وقعوا فيها، انتهى. فكأنه جعل المشبه به هيئة منتزعة على وتيرة قوله سبحانه تعالى:{كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ} [يونس: 24]، وهذا الوجه أظهر عندي في بيان معنى الحديث، واللَّه أعلم.
4905 -
[13](واثلة بن الأسقع) قوله: (ما العصبية) أي: العصبية المذمومة يعاب ويذم بها الرجل، وقد تعارفت في هذا المعنى.
4906 -
[14](سراقة بن مالك) قوله: (ابن جعشم) بضم الجيم والشين المعجمة بينهما عين مهملة.
(1)"مجمع بحار الأنوار"(2/ 322).
(2)
"النهاية"(2/ 216).
"خَيْرُكُمْ الْمُدَافِعُ عَنْ عَشِيرَتِهِ مَا لَمْ يَأْثَمْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: 5120].
4907 -
[15] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَصَبِيَّةً، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: 5121].
4908 -
[16] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: 5130].
ــ
وقوله: (خيركم المدافع عن عشيرته) أي: يدفع الظلم.
وقوله: (ما لم يأثم) أي: ما لم يظلم، ويقع بالمدافعة في الإثم والظلم، وهذا الحديث جامع لقسمي العصبية: المذموم والمحمود.
4907 -
[15](جبير بن مطعم) قوله: (ليس منا من دعا إلى عصبية) أي: مذمومة باطلة، سواء بدعاء الناس وجمعهم إليه، أو بالقتال فيها، أو بالموت عليها، بأن تكون مضمرة في قلبه وإن لم يدع ولم يقاتل.
4908 -
[16](أبو الدرداء) قوله: (حبك الشيء يعمي ويصم) أي: يجعلك أعمى عن رؤية معايبه، وأصمّ عن سماع قبائحه، والحديث محتمل، وإيراده في هذا الباب يدل على أنهم حملوه على ذم العصبية، وقد تكلم بعض المحدثين في هذا الحديث بأنه موضوع، وهو وهم منهم، بل رواه أبو داود وسكت، كذا ذكر الشيخ ابن حجر الهيتمي، أقول: وما سكت عنه أبو داود من الحديث فهو محتج به، فقيل: إنه حسن، وقيل: ضعيف ليس شديد الضعف كما حقق في موضعه.
وهذا الحديث مما رواه إمامنا الأعظم أبو حنيفة رحمه اللَّه تعالى في (مسنده)(1)
(1)"مسند أبي حنيفة"(31).