الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
5104 -
[1] عَنْ أَبِي هُريْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: . . . . .
ــ
كمال؛ لأنه يتعلق به نظام البدن والحياة؛ لأنه لدفع المضار والمؤذيات، ولهذا لما لم يكن في النباتات قوة غضبية يعرضها التلف والهلاك ممن يقصده، بخلاف الحيوانات؛ لدفعها المؤذيات بالقوة الغضبية، وقد خلق اللَّه لها آلات جارحة من الأنياب والقرون دافعة لمن قصدها إلا من يغلب عليها.
وفي الآدمي وإن لم تكن آلات مخلوقة في بدنه فعنده عقل يدبر به، ويصنع من الآلات ما يليق بكل حادثة ويناسبها، بخلاف الحيوان فليس له إلا نوع واحد أو اثنان مثلًا، فتعالى اللَّه أحسن الخالقين.
وأما الكبر فمنشؤه العجب، وهو أن يرى الإنسان في نفسه صفاته حسنة وتعجبه تلك، فيكبر عند نفسه إذا أظهر ذلك على الناس بالتفوق والتغلب عليهم والامتناع عن الحق، فهو تكبر واستكبار، وهو مذموم إذا لم يكن بما فيه، بل يتشبع ويظهر من نفسه بالتكلف ما ليس فيها، وأما إذا كان بما فيه من الفضائل يستحق به التقدم والعلو بحسب نفس الأمر فليس بمذموم، ويقابله التواضع، والتواضع توسط بين التكبر والضعة، فالتكبر: أن يطلب ويدعي فوق ما يستحق، والضعة: أن يتنزل عن مقامه، ويترك ما يستحقه، والتواضع: هو القيام على طريقة التوسط والاعتدال، ولكن لما كانت صفة التكبر غالبة في النفس أراد المشايخ الصوفية قمعها، فأقاموا الضعة مقام التواضع لكبح عنان النفس، ومنعها عما هو طبعها، والكمال: هو التوسط والاعتدال في جميع الأحوال.
الفصل الأول
5104 -
[1](أبو هريرة) قوله: (أن رجلًا) قيل: هو أبو الدرداء، ولعله صلى الله عليه وسلم-
أَوْصِنِي، قَالَ:"لَا تَغْضَبْ"، فَرَدَّ ذَلِكَ (1) مِرَارًا قَالَ:"لَا تَغْضَبْ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: 6116].
5105 -
[2] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 6114، م: 2609].
5106 -
[3] وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعَّفٍ. . . . .
ــ
وجد فيه شيئًا من ذلك فهذبه منه.
5105 -
[2](وعنه) قوله: (ليس الشديد بالصرعة) بضم الصاد المهملة وفتح الراء على وزن همزة ولمزة: من يصرع الناس، كالصِّرِّيع على وزن سِكِّين، والصرعة بالضم والسكون: من يصرعه الناس، وكأمير: المصروع، من الصرع، ويكسر: الطرح على الأرض، كالمصرَع، كمقعد، وهو موضعه أيضًا، كذا في (القاموس)(2).
5106 -
[3](حارثة بن وهب) قوله: (كل ضعيف متضعف) في (القاموس)(3): ضعفه تضعيفًا: عدّه ضعيفًا، كاستضعفه، وتضعفه، وفي الحديث:(كل ضعيف متضعف)، انتهى.
وفي (النهاية)(4): يقال: تضعفته واستضعفته بمعنى، أي: من يتضعفه الناس،
(1) قوله: "ذلك" سقط في نسخة.
(2)
"القاموس المحيط"(ص: 680).
(3)
"القاموس المحيط"(ص: 765).
(4)
"النهاية"(3/ 88).
لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَة مُسْلِمٍ: . . . . .
ــ
ويتجَبَّرُون عليه في الدنيا للفقر والرثاثة، فظهر أن المتضعف بفتح العين هو الصحيح، ولكن الطيبي (1) نقل عن محيي السنة جوازه بكسر العين أيضًا، وإن حكم بشهرة الأول، وفي (مجمع البحار) (2): من الكرماني: (كل متضعف) بفتح عين على المشهور، أي: من يستضعفه الناس ويحتقرونه، وبكسرها، أي: خامل متذلل متواضع، وقيل: رقيق القلب ولينه للإيمان.
وقوله: (لو أقسم على اللَّه لأبره) أي: القسم أو المقسم، أي: لو أقسم على اللَّه، أي: لو حلف يمينًا طمعًا في كرمه بإبراره لأبره، وقيل: لو دعاه لأجَابَه، أي: لو سأل شيئًا وأقسم عليه أن يفعله لفعله، ولم يخب دعوته، وقيل: لو حلف أن اللَّه يفعله أو لا يفعله صدقه في يمينه بأن يأتي به، ويشهد له حديث أنس بن النضر:(واللَّه لا تكسر ثنيتها يا رسول اللَّه).
وقوله: (عتل) بضمتين ومشدد اللام: الأكول المنوع الجافي الغليظ، كذا في (القاموس)(3)، وفي (الصراح) (4): مرد درشت آواز وسخت كَوئي، قوله تعالى:{عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} [القلم: 13]، وفي (البيضاوي) (5): عتل جاف غليظ، من عتله: إذا قاده
(1) انظر: "شرح الطيبي"(9/ 249).
(2)
"مجمع بحار الأنوار"(3/ 407).
(3)
"القاموس المحيط"(ص: 947).
(4)
"الصراح"(ص: 436).
(5)
"تفسير البيضاوي"(5/ 234).
"كُلُّ جَوَّاظٍ زَنِيمٍ مُتَكَبِّرٍ". [خ: 4918، م: 2853].
5107 -
[4] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبَهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثقَالُ حَبَّةٍ. . . . .
ــ
بعنف وغلظة، وقد سبق معنى (الجواظ) في (الفصل الثاني) من (باب الرفق)، وهو قريب من معنى العتل، و (الزنيم): الدَّعِيُّ، مأخوذ من زنمتي الشاة، وهما المتدليتان من أذنها وحلقها، شبَّه به الدعي الملصعق بالقوم وليس منهم، والمراد أن أكثر أهل النار على هذه الصفات، وأهل الجنة على الصفات السابقة.
5107 -
[4](ابن مسعود) قوله: (لا يدخل النار) في الحديث إشكالان:
الأول: أنه لا يدخل المؤمن النار وإن كان عاصيًا مع أن العاصي معذب إن شاء اللَّه تعالى.
والثاني: أن المتكبر لا يدخل الجنة وإن كان مؤمنًا مع أن المؤمن يدخل الجنة ولو كان بعد عذاب، والجواب أن المراد بدخول النار دخول تأبيد، وبدخول الجنة الدخول مع السابقين.
وقد يقال: إن المراد بالكبر الكبر عن قبول الحق والإيمان، فيكون كفرًا، وفيه إشارة إلى أن الكبر من صفات الكافرين، وقيل: لعل اللَّه إذا أراد أن يدخله الجنة أخرج الكبر من قلبه، ولو حمل على المبالغة في التبشير على الإيمان والتشديد على الكبر لكان أيضًا وجهًا، واللَّه أعلم.
المثقال للشيء: ميزانه من مثله، وفي (الصراح) (1): مثقال: هم سنك جيزي،
(1)"الصراح"(ص: 414).
مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 91].
5108 -
[5] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ"، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوبهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنًا، قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى (1) جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ. . . . .
ــ
وفسروه في قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ} بمقدارها.
وقوله: (من خردل)، في (القاموس) (2): حب شجر معروف ملطف جاذب، قالع للبلغم. . . إلى آخر ما عدَّ من منافعه، والخردل الفارسي: نبات بمصر يعرف بحشِيشَة السلطان.
5108 -
[5](وعنه) قوله: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة) والذرة: النملة الصغيرة أو الهباء، وهي ما يرى في شعاع الشمس من كوة البيت.
وقوله: (إن اللَّه تعالى جميل) أي: حسن الفعال، كامل الأوصاف، وقيل: مجمل، وقيل: جليل، وقيل: مالك النور والبهجة، كذا في (مجمع البحار)(3)، ويمكن أن يقال: إن قوله: (ويحب الجمال) تفسير للجميل، أي: يحب من عباده من كان جميلًا في أفعاله وأوصافه، ويحب أن يرى نعمته وأفضاله على عبده، واللَّه أعلم.
وقوله: (الكبر بطر الحق) في (القاموس)(4): البطر: الطغيان بالنعمة، وكراهية
(1) قوله: "تعالى" سقط في نسخة.
(2)
"القاموس المحيط"(ص: 913).
(3)
"مجمع بحار الأنوار"(1/ 387).
(4)
"القاموس المحيط"(ص: 330).
وَغَمْطُ النَّاسِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 19].
5109 -
[6] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزكِّيهِمْ". وَفِي رِوَايَةٍ: "وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ،
ــ
الشيء من غير أن يستحق الكراهة، وبطر الحق: أن يتكبر عنه فلا يقبله، كفرح، وفي (مجمع البحار) (1): الكبر بطر الحق، وهو أن يجعل ما جعله اللَّه حقًّا من توحيده وعبادته باطلًا، وقيل: أن يتجبر عند الحق فلا يراه حقًّا، أو لا يقبله ويدفعه.
وقوله: (وغمط الناس) في (القاموس)(2): غمط الناس كضرب وسمع: استحقرهم، وقد جاء في الحديث:(الكبر أن تُسَفِّهَ الحقَّ وتَغْمِطَ الناسَ)(3)، الغمط: الاستهانة والاستحقار، وهو كالغمص، كذا في (النهاية)(4).
5109 -
[6](أبو هريرة) قوله: (لا يكلمهم اللَّه) عبارة عن غضبه، وكذلك قوله:(ولا ينظر إليهم)، فإن من سخط على غيره واستهان به أعرض عنه وعن التكلم معه والالتفات نحوه، كما أن من اعتد بغيره يقاوله ويكثر النظر إليه.
وقوله: (ولا يزكيهم) معناه: لا يثني عليهم، من زكى نفسه: إذا وصفها وأثنى عليها، والزكاة: المدح، كذا في (النهاية)(5)، وفي بعض الحواشي معناه: لا يطهرهم من دنس ذنوبهم، والزكاة تجيء بمعنى التطهير.
(1)"مجمع بحار الأنوار"(1/ 191).
(2)
"القاموس المحيط"(ص: 626).
(3)
أخرجه معمر بن راشد في "جامعه"(20520).
(4)
"النهاية"(3/ 387).
(5)
"النهاية"(2/ 307).
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتكْبِرٌ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 107].
5110 -
[7] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَدْخَلْتُهُ النَّارَ". وَفِي رِوَايَةٍ: "قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 2620].
ــ
وقوله: (شيخ زان) فإن الشيخ لكونه في سن يُستحيا فيه من الفواحش، ويضعف شهوة الجماع، يكون ارتكاب هذه الشنيعة منه أقبح، ويدل على دنس طبعه واعوجاج فطرته.
(وملك كذاب) لأن الملك برأيه ينتظم أمور الملك ومصالح الخلق، فالكذب منه يخلّ بها، فيكون أقبح وأضرّ؛ ولأن الكذب مع كونه محظورًا يقع الإنسان فيه غالبًا لجلب نفع أو دفع ضرر، فمن الملك القادر عليه بدونه يكون أقبح وأخبث.
وأما (العائل) أي: الفقير المستكبر فلأن كبره مع انعدام سببه من المال والجاه يدل على كون طبعه لئيمًا، وقيل: المراد بالعائل ذو العيال، فتكبره عن سؤال الصدقة والزكاة، وعدم قبوله ما يسد خلته وخلة عياله ويزيل الفقر والمحنة لا يكون إلا لاستيلاء هذه الرذيلة عليه، بحيث يلحق عياله الضرر من تكبره ولا يتركه، وأما التعفف وستر الحال من جهة التوكل على اللَّه فليس فيه تكبر وترفع أصلًا.
5110 -
[7](وعنه) قوله: (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري) ضرب مثل في انفراده بصفة العظمة والكبرياء، أي: ليستا كسائر الصفات التي قد يتصف بها غيره مجازًا، كالكرم والرحمة، كما لا يشارك في إزار واحد وردائه غيرُهُ.
بقي أنه هل فرق بين الكبرياء والعظمة أو معناهما واحد؟ والذي يظهر من كتب
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللغة أنه لا فرق بينهما، في (القاموس) (1): كبر ككرم، نقيض صَغُرَ، وأكبره: رآه كبيرًا، وعظم عنده، وكَبِرَ، كفرح: طعن، وكبر [هُ بسنة] كنصر:[زاد عليه، وكَبُر كصَغُر] عَظُم وجَسُم، والكبر: الرفعة والعظمة والتجبر، كالكبرياء.
وفي (الصراح)(2): كبر بالكسر والفتح: بزرك شدن، كبرة: بزرك سالى، كبر بسكون الوسط كبرياء: بزركَي وبزرك شدن، عظم: بزرك شدن، عظام بالضم، وعظم الشي. بالضم: بزركَي وبيشتري.
الكبرياء: العظمة، من الكبر بالكسر، وهو العظمة، كبر بالضم: إذا عظم، فهو كبير، اللَّه أَكبر من أَن يعرف كنهُ كبريائه وعظمته، الكبرياء: هو العظمة والملك، وقيل: كمال الذات وكمال الوجود، ولا يوصف بهما إلا اللَّه، هذه عباراتهم تدل على الاتحاد الكبرياء والعظمة في المعنى، وقد التزمهم بعضهم في هذا الحديث، وقال: إنه تفنن في العبارة، فتارة شبه كبرياءه وعظمته بالرداء، وأخرى بالإزار، وذكر في كل منهما أحدهما اكتفاء بذكر لفظ أحد المترادفين عن الآخر.
وتكلف بعضهم في بيان الفرق متضمنًا لبيان وجه التخصيص، فقيل: الكبرياء صفة ذاتية، والعظمة إضافية، فهو متكبر في ذاته سواء يستكبره غيره أم لا، وأما العظمة فهى عبارة عن كونه بحيث يستعظمه غيره، والصفة الذاتية أعلى وأرفع من الإضافية، فشبهت بالرداء الذي هو أرفع من الإزار، ويقرب من هذا ما قيل: إن الكبرياء والعظمة وإن اتحدا لغة، لكنه يقال في العرف: هو متكبر لمن يترفع ولا ينقاد لأحد، ويقال:
(1)"القاموس المحيط"(ص: 435)،
(2)
"الصراح"(ص: 210، و 483).