الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة إحدى وتسعين وست مئة إلى سنة سبع مئة
وفي سنة إحدى وتسعين وست مئة
«13»
سار الأشرف من مصر إلى الشام «1» ، وسار المظفر صاحب حماة وعمه الأفضل إلى خدمته [والتقياه بدمشق وسارا في خدمته]«2» فسبقاه إلى حماة، واهتم الملك المظفر في أمر الضيافة والإقامة والتقدمة، ووصل إلى حماة وضرب دهليزه بشماليها عند [ساقية]«3» سلمية، ومد له المظفر سماطا عظيما بالميدان، ونصب خياما تليق بالسلطان، ونزل السلطان بالميدان، وبسط بين يدي فرسه عدة كثيرة من الشقق الفاخرة، ثم دخل السلطان الملك الأشرف إلى دار الملك المظفر بمدينة حماة، فبسط الملك المظفر بين يدي فرسه بسطا ثانيا، وقعد السلطان بالدار ثم دخل الحمام وخرج وجلس على جانب العاصي، ثم راح إلى الطيارة «4» التي على سور باب النقفي المعروفة بالطيارة الحمراء فقعد فيها، ثم توجه من حماة وصاحب حماة وعمه في خدمته إلى المشهد ثم إلى [الخام]«5» والزرقاء بالبرية فصاد شيئا كثيرا من الغزلان وحمير الوحش.
وأما العساكر فسارت على السكة إلى حلب، ثم وصل «1» السلطان إلى حلب وتوجه منها إلى قلعة الروم ونازلها في العشر الأول من جمادى الآخرة من هذه السنة، وهي حصن على جانب الفرات في غاية الحصانة، ونصب عليه المجانيق، [وهذا الحصار أيضا من جملة الحصارات التي كانت منزلة الحمويين على رأس الجبل المطل على القلعة من (370) شرقيها]«2» ، واشتدت مضايقتها، ودام حصارها حتى فتحت بالسيف في يوم السبت حادي عشر رجب هذه السنة «3» ، وقتل أهلها ونهبت ذراريهم، واعتصم كيثاغيكوس «4» خليفة الأرمن المقيم بها في القلّة، وكذلك جميع من هرب من أهل القلعة، فبرز مرسوم السلطان إلى صاحب حماة أن يرمي عليهم بالمنجنيق لإشرافه عليهم،
فلما وتر المنجنيق ليرمي عليهم طلبوا الأمان من السلطان فلم يؤمنهم إلا على أرواحهم خاصة، وأن يكونوا أسرى فأجابوا إلى ذلك، وأخذ كيثاغيكوس خليفة الأرمن وجميع من كان [بقلة القلعة]«1» أسرى عن آخرهم «2» .
ورتب السلطان علم الدين سنجر الشجاعي [لتحصين القلعة وإصلاح ما خرب منها وجرد معه لذلك جماعة وأقام الشجاعي]«1» وعمرها وحصنها إلى الغاية.
وفي هذا الفتح يقول شيخنا أبو الثناء الكاتب الحلبي يمدح الملك الأشرف «3» : (الطويل)
لك الراية الصفراء «4» يقدمها النصر
…
فمن كيقباذ إن رآها وكيخسروا «5»
إذا خفقت في الأفق هدّت بنودها
…
قوى الشرك واستعلى الهدى وانجلى الكفر
وإن نشرت مثل الأصائل في وغى
…
جلا النقع من لألاء طلعتها البدر
وإن يمّمت زرق العدا سار تحتها
…
كتائب خضر دوحها البيض والسّمر
كأن مثار النقع ليل وخفقها
…
بروق وأنت البدر والفلك الجتر
لها كل يوم أين سار لواؤها
…
هدية تأييد يقدمها النصر
وفتح أتى في إثر فتح «1» كأنما
…
سماء بدت تترى كواكبها الزّهر
فكم وطئت طوعا وكرها معاقلا
…
مضى الدهر عنها وهي غانية بكر
بذلت لها عزما فلولا مهابة
…
كستها الحيا جاءتك تسعى ولا مهر
فإن رمت حصنا سابقتك كتائب
…
من الرعب (أ) وجيشا تقدمك النّصر
ففي كلّ قطر للعدى وحصونهم
…
من الخوف أسياف تجرّد أو حصر
فلا حصن إلّا وهو سجن لأهله
…
ولا جسد إلّا لأرواحهم قبر
(371)
يظنون أنّ الصبح في طرّة الدجى
…
عجاع تراءت فيه أسيافك الحمر
قصدت حمى (من) قلعة الروم لم يتح
…
لغيرك إذ غرّتهم المغل فاغترّوا
ووالوهم سرا ليخفوا أذاهم
…
وفي آخر الأمر استوى السرّ والجهر
وما المغل أكفاء فكيف سواهم
…
ولكنهم غروا وكلّهم [كفر]«2»
وأيضا لإرغام التتار الذي بهم
…
تمسكهم إذ قهرهم لهم قهر
صرفت إليهم همة لو صرفتها
…
إلى البحر لاستولى على مدّه الجزر
ففروا ومن كانوا يرجّون نصرهم
…
وألو (وا) لقد غرّوهم ولقد برّوا
ومن كان يرجو النصر من عند كافر
…
لقد خاب في ذاك الرجاء وما النصر
وولوا وقد ضاق الفضاء عليهم
…
إلى أن غدا في الضيق كالخاتم البرّ
تخطّفهم أطراف جيشك كلّما
…
سروا أسروا أو عاينوا علما فرّوا
وما قلعة الروم التي حزت فتحها
…
وإن عظمت إلا إلى غيرها جسر
طليعة ما يأتي من الفتح بعدها
…
كما لاح قبل الشمس في الأفق الفجر
محجّبة بين الجبال كأنها
…
إذا ما تبدّت في ضمائرها سرّ
تفاوت [وصفاها]«1» فللحوت فيهما
…
مجال، وللنسرين بينهما [وكر]«2»
فبعض رسا حتى علا الماء فوقه
…
وبعض سما حتى همى دونه القطر
يحيط بها نهران «3» تبرز فيهما
…
كما لاح يوما في قلائده النّحر
وبعضهما العذب الفرات وإنّه
…
لتحصينها كالبحر بل دونه البحر
سريع يفوت الطرف جريا وحدّة
…
كريح سليمان التي يومها شهر
لها قلّة لم ترض سقيا فراتها
…
وفي روضها ماء المجرّة ينجرّ
تخاض متون السحب فيها كأنّها
…
إذا ما استدارت حول أبراجها نهر
على هضب صمّ يكلم صخرها
…
الحديد، وفيها من إجابته وقر
(372)
لها طرق كالوهم أعيا سلوكها
…
على الفكر حتى ما تخيلها الفكر
إذا خطرت فيها الرياح تعثّرت
…
أو الذرّ يوما زلّ عن متنها الذّرّ
يضل القطا فيها ويخشى عقابها
…
العقاب ويهفو في مراقبها [النسر]«4»
فصبّحتها بالجيش كالروض بهجة
…
صوارمه أنهاره والقنا الزّهر
وأبعدت بل كالبحر والبيض موجه
…
وجرد المذاكي [السفن]«5» والخوذ الدرّ
وأغربت بل كالليل عوج سيوفه
…
أهلّته، والنبل أنجمه الزّهر
وأخطأت لا بل كالنهار، وشمسه
…
محيّاك، والآصال راياتك الصّفر
ليوث من الأتراك آجامها القنا
…
لها [كل يوم في]«6» ذرا ظفر ظفر
فلا الريح تسري بينهم لاشتباكها
…
عليهم، ولا ينهلّ من فوقهم قطر
غيوث إذا الحرب العوان تعرضت
…
لخاطبها بالنفس لم يغلها مهر
ترى الموت معقودا بهدب نبالهم
…
إذا ما رماها القوس والنظر الشّزر
ففي كلّ مرج غصن بان مهفهف
…
وفي كلّ قوس مدّه ساعد بدر
إذا صدموا شمّ الجبال تزلزلت
…
وأصبح سهلا تحت خيلهم الوعر
ولو وردت ماء الفرات خيولهم
…
لقيل هنا قد كان فيما مضى نهر
أداروا بها سورا فأضحت كخنصر
…
لدى خاتم أو تحت منطقة خصر
وأرخوا «1» إليها من بحار أكفّهم
…
سحاب ردى لم يخل من قطره قطر
كأن المجانيق التي قمن حولها
…
رواعد سخط وبلها النار والصّخر
أقامت صلاة الحرب ليلا صخورها
…
فأكثرها شفع، و [أمثلها]«2» وتر
لهم أسهم مثل الأفاعي طوالها
…
قواتل إلا أنّ أكرهها البتر
سهام حكت سهم اللحاظ لقتلها
…
وما فارقت جفنا، وهذا هو السّحر
تزور كناسا عندهم أو كنيسة
…
فلا دمية تبدو حذار ولا خدر
(373)
ودارت بها تلك النقوب فأسرفت
…
وليس عليها في الذي فعلت حجر
فأضحت بها كالصبّ يخفي غرامه
…
حذار أعاديه وفي قلبه جمر
وشبت بها النيران حتى تمزقت
…
وباحت بما أخفته وانهتك السّتر
ولاذوا بذيل العفو منك ولم يخب
…
رجاؤهم، لو لم يكن قصدهم مكر
أمرت اقتدارا منك بالكفّ عنهم
…
لئلا يرى في غدرهم لهم عذر
فراموا به أمرين: تستير ما وهى
…
من السور، أو عود التتار وقد فرّوا
لهم ويلهم إن التتار الذي رجوا
…
إعانتهم لم..... «3» فقر
ألم يسمعوا أو لم يروا حال مغلهم
…
بحمص «1» ، وقد أفناهم القتل والأسر
إن اندملت تلك الجراح فإنّهم
…
متى ذكّروا ما مرّ ينقضها الذّكر
وما كره المغل اشتغالك عنهم
…
بها عندما فرّوا، ولكنهم سرّوا
فأحرزتها بالسيف قهرا وهكذا
…
فتوحك فيما قد مضى كلّه قسر «2»
غدت بشعار الأشرف الملك الذي
…
له الأرض دار وهي من حسنها قصر
فأضحت بحمد الله ثغرا ممنّعا
…
تبيد الليالي والعدا وهو مفترّ
وكانت قذى في ناظر الدين فانجلى
…
وذخرا لأهل الشرك فانعكس الأمر
فيا أشرف الأملاك بشراك غزوة
…
تحصّل منها الفتح والذكر والأجر
ليهنك عند المصطفى أنّ دينه
…
توالى له في يمن دولتك النّصر
وبشراك أرضيت المسيح وأحمدا
…
وإن غضب التكفور «3» من ذاك والكفر
فسر حيثما تختار فالأرض كلّها
…
بحكمك، والأمصار أجمعها مصر
ودم، وابق للدنيا ليحيا بك الهدى
…
ويزهى على [ماضي]«4» العصور بك العصر
فلله في تخليد ملكك نعمة
…
علينا ولا يضيق بها الشّكر «5»
ورجع الملك الأشرف إلى حلب ثم إلى حماة، وقام الملك المظفر بوظائف (374) خدمته، ثم توجه السلطان إلى دمشق، وأعطى الملك المظفر صاحب حماة الدستور فأقام ببلده، ودخل السلطان دمشق وصام بها رمضان، ثم سار بعد العيد إلى الديار المصرية.
وفيها، هرب حسام الدين لاجين المنصوري الذي كان نائبا بالشام من دمشق لما وصل السلطان من قلعة الروم، وكان السلطان قد اعتقله لما كان نازلا على حصار عكّا «1» ثم أفرج عنه في أوائل هذه السنة، وسار مع السلطان إلى قلعة الروم ثم عاد معه إلى دمشق، فحصلت بينهما وحشة فهرب إلى جهة العرب فقبضوه وأحضروه إلى السلطان، فبعث به إلى قلعة الجبل بديار مصر فحبس بها.
وفيها، استناب السلطان بدمشق عز الدين أيبك الحموي «2» وعزل علم الدين سنجر الشّجاعي.
وفيها، عزل (السلطان) قراسنقر المنصوري من نيابة حلب واستصحبه معه عند عوده من قلعة الروم، وولى موضعه على حلب سيف الدين بلبان الطّبّاخي، وكان المذكور نائبا بالفتوحات ومقامه بحصن الأكراد.
وولى الفتوحات والحصون لطغريل الإيغاني «3» ، ثم عزله بعد مدة وولى موضعه عز الدين أيبك الخازندار المنصوري «4» .
ولما وصل الأشرف إلى مصر قبض على شمس الدين سنقر الأشقر وجرمك، وكان قد قبض على تقصو بدمشق فخنقهم عن آخرهم «5» .