الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واستدعى تقي الدين من مصر فتوقف عن الحضور، وقصد اللحوق بمملوكه قراقوش المستولي على بلاد برقة وأفريقيّة من المغرب، وبلغ السلطان ذلك فساءه، وأرسل يستدعي تقي الدين ويلاطفه فحضر إليه، ولما حضر تقي الدين عند السلطان زاده حماة وعليها منبج والمعرة، (88) وكفر طاب، وميّافارقين، وجبل جور بجميع أعمالها، واستقر العزيز عثمان ولد السلطان بمصر هو والعادل، ولما أخذ السلطان حلب من أخيه العادل عوضه عنها حران والرّها.
وفيها، غدر البرنس صاحب الكرك، وأخذ قافلة عظيمة من المسلمين وأسرهم، وأرسل السلطان يطلب منه إطلاقهم بحكم الهدنة التي كانت بينهم على ذلك فلم يفعل، فأنذر السلطان أنه إن ظفره الله به قتله بيده.
وفيها، توفي البهلوان محمد بن إلدكز «1» صاحب بلد الجبل همذان والري وأصفهان وأذربيجان وأرانية وغيرها من البلاد، وكان عادلا حسن السيرة، وملك البلاد بعده أخوه قزل أرسلان عثمان، وكان السلطان طغريل [بن أرسلان بن طغريل]«2» بن محمد بن ملكشاه السّلجوقي مع البهلوان، وله الخطبة في بلاده، وليس له من الأمر شيء، فلما مات البهلوان خرج طغريل عن حكم قزل وكثر جمعه واستولى على بعض البلاد، وجرى بينه وبين قزل أرسلان حروب.
وفي سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة
«13»
كانت مبادئ غزوات صلاح الدين وفتوحه.
ففيها، جمع السلطان العساكر، وسار بفرقة من العسكر وضايق الكرك خوفا على الحجاج من صاحب الكرك، وأرسل فرقة أخرى مع ولده الملك الأفضل
فأغازوا على بلاد عكّا وتلك الناحية وغنموا شيئا كثيرا، ثم سار السلطان ونزل طبرية وحصر مدينتها، وفتحها عنوة بالسيف (89) وتأخرت القلعة، وكانت طبرية للقومص صاحب طرابلس «1» ، وكان قد هادن السلطان ودخل في طاعته، فأرسلت الفرنج إلى القومص القسوس والبطاركة ينهونه عن موافقة السلطان، ويوبخونه فصار معهم، واجتمع الفرنج لملتقى السلطان فكانت وقعة حطين، وهي الوقعة العظيمة التي فتح الله بها الساحل وبيت المقدس.
لما فتح السلطان طبرية اجتمعت الفرنج بفارسهم وراجلهم، وساروا إلى السلطان، فركب السلطان من طبرية وسار إليهم يوم السبت لخمس بقين من ربيع الآخر، والتقى الجمعان، واشتدّ بينهم القتال، فلما رأى القومص شدة الأمر حمل على من قبله من المسلمين، وكان هناك تقي الدين عمر صاحب حماة فأفرج له ثم عطف عليه فقتل ألف فارس من أصحابه، ونجا القومص من المعركة، ووصل إلى طرابلس وبقي مدة ومات، ونصر الله المسلمين وأحدقوا بالفرنج من كلّ جانب وأبادوهم قتلا وأسرا، وكان من جملة من أسر ملك الفرنج الكبير «2»
والبرنس أرناط صاحب الكرك وصاحب جبيل «3» والهنفري بن هنفري «4»
ومقدم الدويّة «1» ، وجماعة من الإسبتارية «2» ، وما أصيب الفرنج من حين خرجوا إلى الشام وهي سنة إحدى وتسعين وأربع مئة بمصيبة مثل هذه الواقعة.
ولما انقضى المصافّ جلس السلطان في خيمته، وأحضر ملك الفرنج وأجلسه إلى جانبه (90) وكان الحرّ والعطش شديدا فسقاه ماء مثلوجا فسقى ملك الفرنج منه البرنس أرناط صاحب الكرك، فقال له السلطان: إن هذا الملعون لم يشرب الماء بإذني فيكون أمانا له، ثم كلم السلطان البرنس ووبّخه وقرّعه على غدره وقصده الحرمين الشريفين، وقام السلطان بنفسه فضرب عنقه «3» بيده فارتعدت فرائص ملك الفرنج فسكّنه السلطان.
ثم عاد السلطان إلى طبرية، وفتح قلعتها بالإمان، ثم سار إلى عكّا وحاصرها وفتحها بالأمان ثم أرسل أخاه الملك العادل فحاصر مجدل يابا «4» وفتحه عنوة بالسيف، ثم فرق السلطان عسكره ففتحوا الناصرة وقيساريّة وحيفا وصفّورية ومعليا «5» والفولة وغيرها من البلاد المجاورة لعكّا بالسف، وغنموا وقتلوا وأسروا
أهل هذه الأماكن، وأرسل فرقة إلى نابلس ففتحوا قلعتها بالأمان، ثم سار الملك العادل بعد فتح مجدل يابا إلى يافا وفتحها بالسيف، وسار السلطان إلى تبنين وفتحها بالأمان، ثم سار السلطان الملك الناصر صلاح الدين إلى صيدا فأخلاها صاحبها وتسلمها السلطان ساعة وصوله لتسع بقين من جمادى الأولى هذه السنة، ثم سار إلى بيروت وحصرها وتسلمها في التاسع والعشرين من جمادى الأولى بالأمان، وكان حصرها مدة ثمانية أيام، [وكان صاحب جبيل من جملة الأسرى فبذل [جبيلا]«1» في أن يسلمها ويطلق سراحه، فأجيب إلى ذلك] «2»
وكان صاحب جبيل من أعظم الفرنج وأشدهم عداوة للمسلمين ولم تك عاقبة إطاقه (91) حميدة، وأرسل السلطان من تسلم [جبيلا]«3» وأطلقه.
وفيها، حضر المركيس «4» في سفينة إلى عكّا، وهى للمسلمين، ولم يعلم المركيس بذلك، واتفق هجوم الهواء فراسل المركيس الملك الأفضل وهو بعكّا يقترح أمانا فكتب له الملك الأفضل أمانا فرده يشترط فيه شروطا فأجيب إليها، فراسل الملك الأفضل يعمله أن يدوس بساطه في يوم معلوم فصبر عليه الملك الأفضل، فاتفق في ذلك اليوم تحرك الهواء فأقلع المركيس إلى صور واجتمعت عليه الفرنج الذين بها وملك صور.