الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[مدة]«1» مديدة، ثم انفرد ركن الدين بالسلطنة وهرب أخوه عز الدين إلى قسطنطينية، وتغلب على ركن الدين معين الدولة البرواناه «2» والبلاد في الحقيقة للتتر ثم إن البرواناه قتل ركن الدين، وأقام ابنا لركن الدين «3» يخطب له بالسلطنة والحكم للبرواناه وهو نائب التتر على ما سنذكره «4» إن شاء الله تعالى.
وفيها، غزا شهاب الدين الغوري الهند، فغنم وقتل ما لا يحصى.
وفيها، خرج السلطان طغريل بن أرسلان بن طغريل من الحبس بعد قتل قزل أرسلان بن إلدكز، وكان قزل قد اعتقله حسبما تقدم ذكره في سنة سبع وثمانين وخمس مئة «5» .
وفي سنة تسع وثمانين وخمس مئة
«13»
كانت وفاة السلطان الملك الناصر صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن نجم الدين أيوب تغمده الله برحمته.
(112)
دخلت هذه السنة والسلطان بدمشق على أكمل [ما يكون
من] «1» المسرّة، وخرج إلى شرقي دمشق متصيدا، وغاب خمسة عشر يوما، وصحبته أخوه الملك العادل، ثم عاد إلى دمشق، وودعه أخوه الملك العادل وداعا لا لقاء بعده، وسار إلى الكرك، وأقام فيه حتى بلغه وفاة السلطان وأقام السلطان بدمشق، وركب يوم الجمعة خامس عشر صفر وتلقى الحجاج، وكانت عادته [أن]«1» لا يركب إلا وعليه الكزاغند، فركب ذلك اليوم وقد اجتمع بسبب اجتماع الحجاج وركوبه عالم كثير، ولم يلبس الكزاغند ثم ذكره وهو راكب فطلبه فلم يجده لأنه لم يحمل معه «2» ، ولما التقى الحجاج استعبرت عيناه كيف فاته الحج، ووصل إليه مع الحجاج ولد أخيه سيف الإسلام صاحب اليمن، ثم عاد السلطان بين البساتين على جهة المنيبع «3» ، ودخل إلى القلعة على الجسر، وكانت هذه آخر ركباته، فلحقه ليلة السبت سادس عشر صفر كسل عظيم وغشيه نصف الليل حمى صفراوية، وأخذ المرض في التزايد، وفصده الأطباء في الرابع «4» فاشتد مرضه، وحدث به في التاسع رعشة وغاب ذهنه، وامتنع من تناول المشروب، واشتد الإرجاف في البلد، وغشي الناس من الحزن والبكاء عليه ما لا يمكن حكايته، وحقن في العاشر حقنتين فاستراح بدنه، وتناول من ماء الشعير مقدارا صالحا ثم لحقه عرق عظيم حتى نفذ من الفراش، واشتد المرض ليلة ثاني عشر مرضه وهي ليلة السابع والعشرين من صفر، وحضر عنده الشيخ أبو جعفر «5» إمام الكلّاسة ليبيت عنده في القلعة (113) بحيث إن
احتضر بالليل لقنه الشهادة، وتوفي السلطان في الليلة المذكورة وهي المسفرة عن نهار الأربعاء ثامن عشري صفر «1» بعد صلاة الصبح سنة تشع وثمانين، وبادر القاضي الفاضل بعد صلاة الصبح فحضر وفاته، ووصل القاضي بهاء الدين بن شداد بعد موته، وغسله الخطيب الدولعي «2» بدمشق وأخرج بعد صلاة الظهر من نهار الأربعاء المذكور في تابوت مسجى بثوب [فوط]«3» وجميع ما احتاجه من ثياب تكفينه أحضرها القاضي الفاضل من جهات حلّ عرفها.
وصلى عليه الناس ودفن بقلعة دمشق في الدار التي كان مريضا فيها وكان نزوله إلى قبره بعد صلاة العصر من النهار المذكور.
وكان الملك الأفضل ابنه قد حلف الناس له عندما اشتد بوالده المرض، وجلس للعزاء في القلعة، وأرسل الملك الأفضل الكتب بوفاة والده إلى أخيه الملك العزيز عثمان بمصر، وإلى أخيه الملك الظاهر بحلب، وإلى عمه الملك العادل بالكرك، ثم إن الأفضل عمل لوالده تربة قرب الجامع وكانت دارا لرجل صالح، ونقل إليها السلطان يوم عاشوراء سنة اثنتين وتسعين وخمس مئة ومشى الأفضل بين يدي تابوته، وأخرج من باب القلعة على دار الحديث «4» إلى باب البريد،
وأدخل الجامع ووضع قدام النسر «1» وصلى عليه القاضي محيي الدين بن الزكي ثم دفن، وجلس ابنه الأفضل في الجامع ثلاثة أيام للعزاء، وانفقت ست الشام بنت أيوب أخت السلطان في هذه النّوبة أموالا عظيمة.
(114)
وكان مولد السلطان بتكريت في شهور سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة فكان عمره سبعا وخمسين سنة، وكانت مدة ملكه بالديار المصرية نحو أربع وعشرين سنة، وملكه للشام قريبا من تسع عشرة سنة، وخلف سبعة عشر ولدا ذكرا وبنتا واحدة، وكان أكبر أولاده الملك الأفضل نور الدين علي، ولد بمصر سنة خمس وستين وخمسة مئة، وكان العزيز عثمان أصغر منه نحو سنتين، وكان الظاهر صاحب حلب أصغر منهما، وبقيت البنت «2» حتى تزوجها ابن عمها الملك الكامل «3» صاحب مصر، ولم يخلف السلطان صلاح الدين في خزانته غير سبعة وأربعين درهما وجرم واحد صوريّ، وهذا من رجل له البلاد المصرية والشام واليمن والشرق دليل قاطع على فرط كرمه، ولم يخلف دارا ولا عقارا، قال العماد الكاتب «4» :
حسبت ما أطلقه السلطان في مدة مقامه بمرج عكا من خيل عراب وأكاديش
فكان اثني عشر ألف رأس، وذلك غير ما أطلقه من أثمان الخيل المصابة في القتال، ولم يكن له فرس يركبه إلا وهو موهوب أو موعود به، ولم يؤخر صلاة عن وقتها، ولا صلى إلا في جماعة، وكان إذا عزم على أمر توكل على الله ولا يفضل [يوما]«1» على يوم، وكان كثير سماع الحديث النبوي، قرأ مختصرا في الفقه تصنيف سليم الرازي «2» ، وكان حسن الخلق، صبورا على المكاره، كثير التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم ما يكره ولا يعلمه بذلك ولا (115) يتغير عليه، وكان يوما جالسا فرمى بعض المماليك بسر موجه فأخطأ به ووصلت إلى السلطان فأخطأته ووقعت قريبا منه، فالتفت إلى الجهة الأخرى ليتغافل عنها.
وكان طاهر المجلس لا يذكر أحدا في مجلسه إلا بخير، وطاهر اللسان فلا يولغ بشتم أحد قط.
قال العماد الكاتب: مات بموت السلطان الرجال، وفات بفواته الأفضال، وغاضت الأيادي، وفاضت الأعادي، وانقطعت الأرزاق، وادلهمت الآفاق، وفجع الزمان بواحده وسلطانه، ورزئ الإسلام بمشيد أركانه.
ولما توفي السلطان الملك الناصر استقر في الملك بدمشق وبلادها المنسوبة إليها ولده الأفضل نور الدين علي.
وبالديار المصرية الملك العزيز عماد الدين عثمان.
وبحلب الملك الظاهر [غياث الدين]«1» غازي.
وبالكرك والشّوبك والبلاد الشرقية الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب.
وحماة وسلمية والمعرة ومنبج وقلعة نجم الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقي الدين عمر.
وببعلبك الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه بن فرّخشاه بن شاهنشاه بن أيوب.
وبحمص والرّحبة وتدمر الملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن محمد بن شير كوه شاذي.
وبيد الملك الظافر خضر «2» بن السلطان صلاح الدين بصرى، وهو في خدمة أخيه الملك الأفضل.
وبيد جماعة من أمراء الدولة بلاد وحصون منهم:
سابق الدين عثمان بن الداية (116) بيده شيزر وأبو قبيس.
وناصر الدين منكورس بن خماردكين بيده صهيون وحصن برزية.
وبدر الدين دلدرم بن بهاء الدين ياروق بيده تل باشر.
وعز الدين [سامة]«3» بيده كوكب وعجلون.
وعز الدين إبراهيم بن شمس الدين بن المقدم «1» بيده بعرين وكفرطاب وفامية.
والملك الأفضل هو الأكبر من أولاد السلطان والمعهود إليه بالسلطنة.
واستوزر الملك الأفضل ضياء الدين نصر الله بن محمد بن الأثير «2» مصنف" المثل السائر"«3» وهو أخو عز الدين بن الأثير مصنف" الكامل" فحسن للملك الأفضل طرد أمراء أبيه ففارقوه إلى أخويه العزيز والظاهر.
قال العماد الكاتب: وتفرد الوزير بوزره، ومد الجزري في جزره، ولما اجتمعت الأمراء بمصر حسنوا للملك العزيز الانفراد بالسلطنة ووقعوا في أخيه الأفضل فمال إلى ذلك، وحصلت الوحشة بين الأخوين الأفضل والعزيز.
وفيها، وبعد موت السلطان قدم الملك العادل من الكرك إلى دمشق وأقام فيها وظيفة العزاء على أخيه، ثم توجه إلى بلاده التي هي وراء الفرات.
وفي هذه السنة لما مات صلاح الدين كاتب عز الدين مسعود بن مودود ابن زنكي صاحب الموصل ملوك البلاد المجاورة للموصل يستنجدهم، واتفق مع أخيه عماد الدين زنكي بن مودود صاحب سنجار، وسار إلى حران وغيرها فلحق عز
الدين مسعود إسهال قوي، وضعف (117) فترك العسكر مع أخيه عماد الدين وعاد إلى الموصل وصحبته مجاهد الدين قيماز فحلف العساكر عز الدين لابنه أرسلان شاه بن مسعود «1» وقوي بعز الدين مسعود المرض وتوفي في السابع والعشرين من شعبان هذه السنة «2» ، وكانت مدة ما بين وفاته ووفاة صلاح الدين نصف سنة، ومدة ملك عز الدين الموصل ثلاث عشرة سنة وتسعة أشهر، وكان دينا خيرا عادلا كثير الإحسان، أسمر، ميلح الوجه، خفيف العارضين، يشبه جده عماد الدين زنكي بن آقسنقر، واستقر في ملك الموصل بعده ولده أرسلان شاه، وكان القائم بأمره مجاهد الدين قيماز.
وفي هذه السنة أول جمادى الأولى، قتل سيف الدين بكتمر «3» صاحب خلاط، وبين قتله وموت السلطان شهران، ولما بلغ بكتمر موت السلطان صلاح الدين أسرف في إظهار الشماتة بموت السلطان، وضرب البشائر ببلاده، وعمل تختا وجلس عليه، [ولقب]«4» نفسه السلطان المعظم [صلاح الدين]«5» ، وكان اسمه بكتمر فسمى نفسه عبد العزيز «6» وكأنه قد فعل ذلك، فلم يمهله الله تعالى. وكان هذا بكتمر من مماليك ظهير الدين شاه أرمن. وكان له
خشداش «1» اسمه هزار ديناري «2» ، واسم هزار ديناري آق سنقر ولقبه بدر الدين، جلبه تاجر جرجاني اسمه علي إلى خلاط فاشتراه منه شاه أرمن بن سكمان بن إبراهيم، وأعجب به شاه (118) أرمن فجعله ساقيا له ولقب هزار ديناري وبقي على ذلك برهة من الزمان، فلما تولى بكتمر وخلّف بكتمر ولدا «3» وأخذ هزار ديناري ولد بكتمر وأمه واعتقلهما بقلعة أرزاس بموش، وعمر ابن بكتمر سبع سنين، واستقرّ بدر الدين آق سنقر هزار ديناري في مملكة خلاط حتى توفي سنة أربع وتسعين وخمس مئة على ما سنذكره «4» إن شاء الله تعالى.
وفيها، شتى شهاب الدين الغوري في برشاوور وجهز مملوكه أيبك في عساكر كثيرة إلى بلاد الهند، ففتح وغنم وعاد منصورا.
وفيها، توفي سلطان شاه بن أرسلان بن خوارزم شاه أطسز بن محمد بن أنوش تكين «5» ، وكان قد ملك خراسان، ولما مات انفرد أخوه تكش بالمملكة، وقد تقدم ذكرهما في سنة ثمان وستين وخمس مئة «6» .