الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"
أبواب المحصر
"
وهو اسمٍ مفعول لمن وقع عليه إحصار شرعي منعه عن حجه أو عمرته.
والإحصار لغة المنع، وشرعاً ينقسم إلى إحصار عن العمرة وسيأتي، وإحصار عن الحج. وهو ما سنوضحه هنا: فالإحصار عن الحج: اختلف الفقهاء في معناه وفي سببه.
أما معناه: فإن الفقهاء فيه على مذهبين: الأول: مذهب مالك وأبي حنيفة ومن وافقهم: وهم يرون أن الإِحصار هو أن يمنع الحاج عن الوقوف بعرفة وطواف الإفاضة، فمن لم يتمكن من الركنين فهو محصر يتحلل من إحرامه ويحلق رأسه في المكان الذي أحصر فيه، وإن قدر على أحد الركنين فليس بمحصر (1) ولا سبيل إلى تحلله، ويبقى محرماً أبداً حتى يطوف للزيارة، قال في " الإِفصاح ": وعليه دم (2) لترك الوقوف بالمزدلفة إن لم يكن وقف بها، وعليه دم لرمي الجمار إن لم يكن رماها، وكذلك لتأخير الحلق، وعليه دم لتأخير طواف الزيارة عن أيّام النحر عند أبي حنيفة، وعند مالك يجب عليه دم لتأخير طواف الزيارة إلى محرم (3). الثاني: مذهب الشافعي وأحمد ومن وافقهم من أهل العلم يرون أن الإِحصار هو أن يمنع الحاج عن إتمام مناسك الحج مطلقاً سواء وقع له هذا المنع قبل الوقوف بعرفة أو بعد الوقوف بعرفة، وسواء طاف بالبيت أو لم يطف، فإن هذا كله سواء، لقوله تعالى:(فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) حيث أطلق الحكم ولم يقيده قال في " الافصاح "(4) والصحيح عندي في هذه المسألة ما ذهب إليه الشافعي
(1)" الفقه الإسلامي وأدلته " للدكتور وهبة الزحيلي ج 3.
(2)
" الإفصاح عن معاني الصحاح " ج 1 لأبي المظفر الحنبلي.
(3)
أيضاًً " الإفصاح " ج 1.
(4)
" الصحاح " لأبي المظفر الحنبلي ج 10.
في قوله الجديد وأحمد، فإن قوله تعالى:(فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) محمول على العموم في حق كل من أحصر، سواء كان قبل الوقوف أو بعده، بمكة أو بغيرها، وسواء كان طاف بالبيت أو لم يطف، فإن له أن يتحلل كما قال تعالى، لأنه سبحانه أطلق ذلك ولم يخصصه. اهـ. حيث قال:(فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) وفيه إضمار.، ومعناه (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) عن إتمام الحج والعمرة وأردتم أن تحلوا فاذبحوا ما تيسر من الهدي.
وأما سبب الإحصار: فإن الجمهور يرون أن الِإحصار لا يكون إلاّ بسبب العدو خاصة، وهو بذهب مالك والشافعي وأحمد في رواية، لأن الآية نزلت في حصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الحديبية من العدو، قال الشافعي (1): فمن حال بينه وبين البيت مرض حابس فليس بداخل في معنى الآية، لأنها نزلت في الحائل من العدو، ذكره البيهقي، بدليل قوله تعالى:(فَإِذَا أَمِنْتُمْ) والأمن لا يكون إلاّ من العدو، وقال عبد الله بن عمر:" المحصر بمرض لا يحل حتى يطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة " أخرجه مالك في " الموطأ ". وذهب ابن مسعود وزيد بن ثابت وسفيان الثورى وأبو حنيفة وأحمد في رواية، إلى أن الإحصار يتحقق بكل سبب يمنع من الاستمرار في موجب الإِحرام من مرض ولدغ وجراحة وذهاب نفقة، وعطل سيارة، أو موت محرم، أو زوج، لأنّ الإِحصار في أصل اللغة هو المنع (2) من الشيء بسبب المرض، أما المنع بسبب العَدوِّ فهو حصرٌ، تقول العرب: أحصره المرض إحصاراً فهو محصرٌ، وحصره العدُوُّ حصراً فهو محصور، ولكن لما كان سبب نزول الآية العدو عدل عن لفظ الحصر المختص بالعدو إلى الإحصار المختص بالمرض فدل ذلك على أنه أريد باللفظ ظاهره، وهو المرض، ويدخل
(1)" تكملة المنهل العذب " ج 1.
(2)
أيضاًً " تكملة الجهل العذب المورود وشرح سنن أبي داود " ج 1.
فيه العدو بالمعنى، لأن (1) العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وأما تَمَسُّكَ الفريق الأول بقوله تعالى: في الآية: (فَإِذَا أَمِنْتُمْ) واستدلالهم بذلك على أن المراد بالإِحصار إحصار العدو خاصة، لأن الأمن لا يكون إلاّ من العدو، فإنه غير مسلم به لأن الأمن كما يكون من العدو يكون من المرض وغيره من الموانع. ومما يدل دلالة صريحة على أن الإِحصار يكون بأيّ مانع من مرض أو كسر أو جرح أو نحوه، حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كُسِر أو عَرَجَ أو مرض فقد حَل وعليه الحج من قابل " أخرجه الأربعة (2)، وقال عكرمة: سألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك فقالا: صدق، قال الحاكم: حديث صحيح على شرط البخاري.
أما الأحكام المترتبة على الإِحصار فهي: أولاً: فسخ الإِحرام والخروج منه، وهو المسمى شرعاً " بالتحلل " وأما ما يتحلل به، فإن أمكنه الوصول إلى البيت تحلل بعمل عمرة، وإن تعذر عليه ذلك ذبح الهدي -عند الجمهور- حيث أُحصر في حل أو حرم وقت حصره، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما منعه كفار قريش نحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية قبل يوم النجز، فله النحر في موضعه كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقالت الحنفية: لا يذبح الهدي إلاّ في الحرم فيبعث شاة تذبح هناك. ثانياًًً: أن كُلَّ مَنْ أحْصر وجب عليه أن يتحلل بهدي، سواء كان حاجاً أو معتمراً أو قارناً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صده المشركون عن البيت وكان معتمراً، نحر، ثم حلق، وقال لأصحابه:" قوموا فانحروا ثم احلقوا " واختلفوا في القارن، فقال الشافعية والحنابلة: عليه دم واحد، وقال الحنفية: عليه دمان بناءً على أنه محرم بإحرامين فلا يحل إلاّ بدمين عندهم،
(1)" تكملة المنهل العذب المورود وشرح سنن أبي داود " ج 1.
(2)
وأخرجه أيضاًً أحمد والبيقهي والحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاري.
وعند الآخرين محرم بإحرام واحد ويدخل إحرام العمرة في الحجة فيكفيه دم واحد (1). فإن لم يكن مع المحصر هدي، وعجز عنه، انتقل عند الحنابلة إلى صوم عشرة أيّام ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، لأنه دم واجب للإِحرام، فكان له بدل، كدم التمتع، والطيب واللباس، ويبقى على إحرامه حتى يصوم أو ينحر الهدي، لأنهما أقيما مقام أفعال الحج فلا يحل قبلهما وانتقل عند الشافعية على الأصح إلى الإِطعام، فتقوّم الشاة دراهم، ويخرج بقيمتها طعاماً، فإن عجز صام عن كل مد يوماً، وإذ انتقل إلى الصوم فله التحلل في الحال في الأظهر (2) وقال الحنفية: ليس للهدي الواجب بالإِحصار بدل، لأنّه لم يذكر في القرآن، فالمحصر عندهم لا يجزئه شيء عن الهدي (3).
ثالثاً: أنه لا بد من الحلق عند التحلل في قول أكثر أهل العلم فالتحلل عند الشافعية والحنابلة يكون بثلاثة أشياء، ذبح، ونية التحلل بالذبح، وحلق أو تقصير، والحلق شرط أيضاًً عند المالكية، وقال الإِمام أبو حنيفة ومحمد: لا يشترط الحلق في التحلل، وإنما يحل المحصر بالذبح بدون الحلق لِإطلاق نص الآية حيث قال:(فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) ولم يشترط الحلق، ولم يذكره، قالوا: فمن أوجب الحلق فقد جعله بعض الواجب وهذا خلاف النص، ولأن الحلق للتحلل من أفعال الحج، والمحصر لا يأتي بأفعال الحج، فلا حلق، والحديث في الحلق بالحديبية محمول على الندب (4). رابعاً: اختلفوا في قضاء المحْصَر لحجه وعمرته من العام القابل على أقوال ومذاهب.
الأول: مذهب الحنفية: وهم يقولون: إذا كان المحرم مفرداً بالحج وتحلل
(1)" الفقه الإسلامي وأدلته " للدكتور وهبة الزحيلي ج 3.
(2)
" الفقه الإسلامي " ج 3.
(3)
وقال المالكية: المحصر بعدو أو فتنة ينتظر ما رجا كشف ذلك، فإذا يئس تحلل بموضعه ولا هدى عليه. اهـ. كما أفاده في " فتح المبدى " ج 2 وفي " وفي كتاب الفقه الإسلامي " ج 3.
(4)
الفقه الأسلامي وأدلته ج 3 للدكتور وهبة الزحيلي.