الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
546 - " بَابُ الذَّبْحِ قَبْلَ الْحَلْقِ
"
638 -
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما:
قَالَ رَجُل للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: زُرْتُ قَبْلَ أنْ أرْمِيَ، قَالَ:" لَا حَرَج "، قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أذْبَحَ! قَالَ: " لا حَرَجَ "، قَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أنْ أرْمِي: قَالَ: " لا حَرَج ".
ــ
546 -
" باب الذبح قبل الحلق "
638 -
معنى الحديث: يقول ابن عباس رضي الله عنهما: " قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: زرت قبل أن أرمي " أي طفت طواف الإِفاضة قبل رمي جمرة العقبة فقدَّمت الطواف على الرمي، " قال: لا حرج "، أي لا مانع من تقديم بعض المناسك على بعض ولا إثم ولا فدية " قال: حلقت قبل أن أذبح " أي قدمت الحلق على الذبح وخالفت الترتيب الشرعي المطلوب الذي يقتضي تقديم الذبح على الحلق " قال: لا حرج " عليك في مخالفة هذا الترتيب ما دمت قد فعلت ذلك ناسياً أو جاهلاً، " قال: ذبحت قبل أن أرمي، قال: لا حرج " فبين النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم للسائل أنه لو خالف الترتيب الشرعي بين هذه الأعمال، وقدم بعضها على بعض ناسياً أو جاهلاً لا إثم عليه ولا فدية.
فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن الترتيب الشرعي بين أعمال يوم النحر على النحو الآتي: رمي جمرة العقبة، فالنحر، فالحلق، فطواف الإِفاضة أو الزيارة كما سماه في الحديث، وعلى أن النحر أو الذبح قبل الحلق كما ترجم له البخاري، وقد اتفق فقهاء الإِسلام على مشروعية هذا الترتيب، إلاّ أنهم اختلفوا في حكمه، هل هو واوجب أو مستحب. فذهب النخعي والحسن البصري وقتادة إلى أن الترتيب بينها واجب (1) فمن قدم وأخر شيئا ناسياً أو
(1) وهو قول أبي حنيفة كما أفاده العيني.
عامداً فقد ترك واجباً، ولزمه دم (1) لحديث أنس " أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة يوم النحر ثم رجع إلى منزله بمنى، فدعا فذبح، ثم دعا بالحلاق فأخذ بشق رأسه الأيمن فحلقه، فجعل يقسم بين من يليه، ثم أخذ بشقه الأيسر فحلقه فدفعه إلى أبي طلحة ". أخرجه مسلم وأبو داود والبيهقي، ولقول ابن عباس رضي الله عنهما:" من قدم شيئاً من حجه، أو أخر فليهرق لذلك دماً "، أخرجه الطحاويُّ وابن أبي شيبة بسند صحيح على شرط مسلم (2).
وقال الشافعي وأحمد وعطاء وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وإسحاق: الترتيب بين أعمال يوم النحر سنة فقط فإن قدّم وأخّر فلا شيء عليه، سواء فعل ذلك عالماً أو جاهلاً ناسياً أو عامداً، واستدلوا بحديث الباب، لأنه صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الطواف قبل الرمي، والحلق قبل الذبح، والذبح قبل الرمي، قال:" لا حرج " فإنه صريح في أنه لا حرج في ترك الترتيب، ولا دم، ولا إثم فيه (3)، ولا شيء على من خالفه مطلقاً في عموم الأحوال قال الطبري: لم يسقط النبي صلى الله عليه وسلم الحرج إلاّ وقد أجزأ الفعل، إذ لو لم يجزىء لأمره بالإعادة. اهـ. وأيضاًً لو كان الترتيب واجباً لأمره بالفدية. ومما يؤكد أيضاًً عدم وجوبه ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" من قدم من نسكه شيئاً أو أخره فلا شيء عليه " أخرجه البيهقي. وفي رواية عن الإِمام أحمد. أنّه فرق بين الناسي والجاهل وغيرهما فقال: إن ترك الترتيب ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه، وإن تركه عامداً عالماً وجب عليه دم (4)، وهذا القول وإن كان مخالفاً للقياس والقاعدة العامة، لأن من ترك واجباً وجب عليه دم مطلقاً ناسياً كان أو عامداً، جاهلاً أو عالماً، ولأن الجهل والنسيان
(1)" تكملة المنهل العذب " ج 2.
(2)
" تكملة المنهل العذب " ج 2 و" شرح العيني على البخاري " ج 1.
(3)
" تكملة المنهل العذب " ج 2.
(4)
" تكملة المنهل العذب " ج 2.
لا يضعان عن المرء الحكم الذي يلزمه (1) في الحج إلاّ أنه يدعمه الحديث النبوي الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: " سمعت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يوم النحر في حجة الوداع وهم يسألونه فقال رجل لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح فقال: اذبح ولا حرج، فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، فقال ارم ولا حرج " أخرجه الشيخان. فإن قوله: " ولم أشعر فحلقت قبل أن أذبح " معناه أن السائل قدم وأخر ناسياً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " لا حرج عليك " فيما فعلت، لأنه فعله ناسياً ولم يشعر بما وقع منه فعلَّق النبي صلى الله عليه وسلم حكمه برفع الحرج عنه على كونه لم يشعر بما وقع منه، ومفهومه أنه لو شعر بذلك وتعمده لكان عليه الحرج ولو جبت عليه الفدية فهذا نص صريح على أن الفدية لا تجب على من خالف الترتيب ناسياً، ومفهومه أنّه لو خالفه -عامداً- لوجبت عليه وما دام قد ورد النص بذلك، فإنه لا يلتفت إلى القياس، لأنّه لا قياس مع النص. " أما المالكية " فإنّهم فرقوا بين هذه الأعمال فقالوا: الترتيب واجب بين رمي جمرة العقبة وبين الحلق والإِفاضة، فلو قدم أحدهما على الرمي لَوَجَبَ عليه دم (2)، ومستحب بين الرمي والنحر، وبين النحر والحلق وبينها -أي بين النحر والحلق- وبين طواف الإفاضة، فمن نحر قبل الرمي أو حلق قبل النحر، أو طاف قبل الحلق، أو طاف قبل النحر فقد ترك مستحباً ولا دم عليه. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في إجابته للسائل عن الحلق قبل الذبح، بقوله:" لا حرج " فإنه يدل على أن تقديم الذبح على الحلق مستحب وإلّا لترتب الحرج على من حلق قبل أن يذبح، وهو ما ترجم له البخاري.
…
(1)" تكملة المنهل العذب " ج 2.
(2)
أيضاًً " تكملة المنهل العذب " ج 2.