الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في بطنها، وقد قال له عثمان وعبد الرحمن بن عوف: إنما أنت مؤدب لا نرى عليك شيئًا، إن كانا قد اجتهدا فقد أخطأ، وإن لم يجتهدا فقد غشَّاك، أرى عليك الدية. ومن ذلك ما روي عن ابن مسعود أنه قال في المفوضة: أقول فيها برأيي فإن كان صوابًا فمن الله ورسوله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، ومن ذلك ما روي أن عليًا وابن مسعود وزيدًا رضي الله عنهم خطئوا ابن عباس في ترك القول بالعول، وأنكر عليهم ابن عباس قولهم بالعول، بقوله: من شاء أن يباهلني باهلته، إن الذي أحصى رمل عالج عددًا لم يجعل في مال واحد نصفًا ونصفًا وثلثًا، هذان نصفان ذهبا بالمال فأين موضع الثلث؟ . ومن ذلك ما روي عن ابن عباس أنه قال: ألا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أبا الأب أبًا. إلى غير ذلك من الوقائع ولم ينكر بعضهم على بعض في التخطئة فكان ذلك إجماعًا على أن الحق من أقاويلهم ليس إلا واحدًا. (1)
الوجه الخامس: يحتمل أن يكون ذلك كان في القراءة الأولى ثم نسخت تلاوته يعني: ولم يطلع ابن عباس على ذلك
. (2)
وهو من القراءات التي نسخت وتركت، ولعل القارئ بها لم يطلع على ذلك؛ لأن جميع الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على كتابة: تستأنسوا في جميع نسخ المصحف العثماني، وعلى تلاوتها بلفظ: تستأنسوا، ومضى على ذلك إجماع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها في مصاحفهم وتلاوتهم من غير نكير. والقرآن العظيم تولى الله تعالى حفظه من التبديل والتغيير، كما قال تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] وقال فيه {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42]. وقال تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة: 16، 17](3).
الثانية: مما روي عن ابن عباس أيضًا أنه قرأ "أفلم يتبين الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا". فقيل له: إنها في المصحف {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا} فقال: أظن
(1) الإحكام في أصول القرآن 1/ 424.
(2)
فتح الباري لابن حجر 11/ 9 نقلًا عن البيهقي.
(3)
أضواء البيان للشنقيطي 5/ 493.
الكاتب كتبها وهو ناعس. (1)
ونجيب على هذه الشبهة بما سبق أيضًا، ونضيف هنا.
قال الزمخشري: وهذا ونحوه مما لا يصدق في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكيف يخفى مثل هذا حتى يبقى ثابتًا بين دفتي الإمام، وكان متقلبًا في أيدي أولئك الأعلام المحتاطين في دين الله، المهيمنين عليه لا يغفلون عن جلائله ودقائقه، خصوصًا عن القانون الذي إليه المرجع، والقاعدة التي عليها البناء؟ وهذه والله فرية ما فيها مرية. (2)
قال أبو بكر الأنباري: وهو باطل عن ابن عباس؛ لأن مجاهدًا وسعيد بن جبير حكيا الحرف عن ابن عباس، على ما هو في المصحف بقراءة أبي عمرو وروايته عن مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عباس (3).
الثالثة: يقولون: ومن وجوه الطعن أيضًا ما روي عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله تعالى: {رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23]. إنما هي: ووصى ربك التزقت الواو بالصاد وكان يقرأ: ووصى ربك. ويقول: أمر ربك. إنهما واوان التصقت إحداهما بالصاد، وروي عنه أنه قال: أنزل الله هذا الحرف على لسان نبيكم. ووصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه. فلصقت إحدى الواوين بالصاد فقرأ الناس: {وَقَضَى رَبُّكَ} ولو نزلت على القضاء ما أشرك أحد (4).
والجواب:
أولًا: الأثر لا يصح عن ابن عباس.
ثانيًا: أن هذه الروايات معارضة للمتواتر القاطع وهو قراءة وقضى؛ ومعارض
(1) الإتقان في علوم القرآن (2/ 276)، قال ابن حجر: إسناده صحيح. فتح الباري (8/ 373).
(2)
الكشاف 3/ 251.
(3)
تفسير القرطبي 9/ 320.
(4)
ضعيف جدًا. أخرجه أحمد بن منيع في مسنده كما في المطالب العالية من طريق الفرات بن السائب، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس به. فيه الفرات بن السائب: منكر الحديث. التاريخ الكبير 7/ 129، الجرح والتعديل 7/ 80.
القاطع ساقط.
ثالثًا: أن ابن عباس نفسه وقد استفاض عنه أنه قرأ: وقضى، وذلك دليل على أن ما نسب إليه في تلك الروايات من الدسائس الرخيصة التي لفقها أعداء الإسلام.
قال القرطبي: ثم أبى أبو حاتم أن يكون ابن عباس قال ذلك.
وقال: لو قلنا هذا لطعن الزنادقة في مصحفنا، ثم قال علماؤنا المتكلمون وغيرهم: القضاء يستعمل في اللغة على وجوه: فالقضاء بمعنى الأمر، كقوله تعالى:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23] معناه أمر. والقضاء بمعنى الخلق، كقوله:{فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت: 12] يعني خلقهن.
والقضاء بمعنى الحكم، كقوله تعالى:{فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} [طه: 72] يعني: احكم ما أنت تحكم. والقضاء بمعنى الفراغ، كقوله:{قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} [يوسف: 41] أي: فرغ منه. ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} [البقرة: 200].
وقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ} [الجمعة: 10].
والقضاء بمعنى الإرادة، كقوله تعالى:{وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 117]، والقضاء بمعنى العهد، كقوله تعالى:{وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ} [القصص: 44]. فإذا كان القضاء يحتمل هذه المعاني فلا يجوز إطلاق القول بأن المعاصي بقضاء الله؛ لأنه إن أريد به الأمر فلا خلاف أنه لا يجوز ذلك؛ لأن الله تعالى لم يأمر بها، فإنه لا يأمر بالفحشاء (1).
قال أبو حيان: والمتواتر {وَقَضَى} وهو المستفيض عن ابن عباس والحسن وقتادة بمعنى أمر. وقال ابن مسعود وأصحابه: بمعنى وصى (2).
(1) تفسير القرطبي 10/ 238.
(2)
البحر المحيط 7/ 332.
إذن رواية وقضى هي التي انعقد الإجماع عليها من ابن عباس وابن مسعود وغيرهما، فلا يتعلق بأذيال مثل هذه الرواية الساقطة إلا ملحد ولا يرفع عقيرته بها إلا عدو من أعداء الإسلام (1).
الرابعة: يقولون: إن ابن عباس روي عنه أيضًا أنه كان يقرأ: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً} [الأنبياء: 48] ويقول خذوا هذه الواو واجعلوها في {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} . وروي عنه أيضًا أنه قال: انزعوا هذه الواو واجعلوها في {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ} (2).
والجواب:
أولًا: أنها معارضة للقراءة المتواترة المجمع عليها فهي ساقطة.
ثانيًا: أن بلاغة القرآن قاضية بوجود الواو لا بحذفها؛ لأن ابن عباس نفسه فسر الفرقان في الآية المذكورة بالنصر، وعليه يكون الضياء بمعنى التوراة أو الشريعة. فالمقام للواو لأجل هذا التغاير (3).
الخامسة: يقولون: روي عن ابن عباس في قوله تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} أنه قال: هي خطأ من الكاتب. هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة. إنما هي: مثل نور المؤمن كمشكاة (4).
والجواب عن ذلك:
أولًا: بأنها رواية معارضة للقاطع المتواتر فهي ساقطة.
ثانيًا: أنه لم ينقل عن أحد من القراء أن ابن عباس رضي الله عنه قرأ: مثل نور المؤمن، فكيف يقرأ بما يعتقد أنه خطأ ويترك ما يعتقد أنه صواب؟ ألا إنها كذبة مفضوحة، ولو أنهم
(1) مناهل العرفان 1/ 327.
(2)
الإتقان في علوم القرآن 2/ 276.
(3)
مناهل العرفان 1/ 327.
(4)
الإتقان في علوم القرآن 2/ 276.