الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ الله الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ" قَالَ الْوَلِيدُ حدثني ابْنُ جَابِرٍ، عَنْ عُمَيْرٍ، عَنْ جُنَادَةَ وَزَادَ: "مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ، أَيَّهَا شَاءَ" (1).
الوجه العاشر: بعض الأدلة على أن الله واحد لا شريك له، وأنه لم يتخذ ولدًا
.
أولًا: من القرآن
.
قال ابن كثير: يقول تعالى حاكمًا بتكفير فرق النصارى، من الملكية واليعقوبية والنسطورية، ممن قال منهم بأن المسيح هو الله؛ تعالى الله عن قولهم وتنزه وتقدس علوًا كبيرًا.
هذا وقد تقدم إليهم المسيح بأنه عبد الله ورسوله، وكان أول كلمة نطق بها وهو صغير في المهد أن قال:{إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30)} ولم يقل: أنا الله، ولا ابن الله، بل قال:{إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30)} إلى أن قال: {وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (36)} [مريم: 30 - 36] وكذلك قال لهم في حال كهولته ونبوته آمرًا لهم بعبادة الله ربه وربهم وحده لا شريك له؛ ولهذا قال تعالى: {وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ} أي: فيعبد معه غيره {فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} أي: فقد أوجب له النار، وحرم عليه الجنة كما قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48، 116]. (2).
قال تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ
(1) البخاري (3435)، مسلم (28).
(2)
تفسير ابن كثير (3/ 157).
وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171)} [النساء: 171].
قال الشيخ محمد رشيد رضا: قوله تعالى {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} ليس له أجزاء ولا أقانيم، ولا هو مركب ولا متحد بشيء من المخلوقات {سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} أي: تنزه وتقدس عن أن يكون له ولد كما تقولون في المسيح أنه ابنه، وأنه هو عينه؛ فإنه تبارك وتعالى ليس له جنس فيكون له منه زوج يقترن بها فتلد له ابنًا، والنكتة في اختيار لفظ الولد في الرد عليهم على لفظ الابن الذي يعبرون به هي بيان أنهم إذا كانوا يريدون الابن الحقيقي الذي يفهم من هذا اللفظ فلا بد أن يكون ولدًا؛ أي: مولود من تلقيح أبيه لأمه، وهذا محال على الله تعالى، وإن أرادوا أنه ابن مجازًا لا حقيقة كما أطلق في كتب العهد العتيق والعهد الجديد على إسرائيل وداود وعلى صانعي السلام وغيرهم من الأخيار، فلا يكون له دخل في الألوهية، ولا يعد من باب الخصوصية.
{لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} أي: ليس له ولد خاص مولود منه، يصح أن يسمى ابنه حقيقة؛ بل له كل ما في السموات والأرض - المسيح من جملتها - خلق كل ذلك خلقًا، وكل ذي عقل منها وإدراك يفتخر بأن يكون له عبدًا، {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93)} لا فرق في هذا بين الملائكة المقربين والنبيين الصالحين، كما صرحت به الآية التالية لهذه، ولا بين من خلقه ابتداءً من غير أب ولا أم كالملائكة وآدم، ومن خلق من أصل واحد كحواء وعيسى، ومن خلق من الزوجين الذكر والأنثى كلهم بالنسبة إليه - تعالى - سواء، عبيد له من خلقه محتاجون دائمًا إلى فضله، وهو يتصرف فيهم كما يشاء.
{وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} أي: به الكفاية لمن عرفه، وعرف سننه في خلقه إذا وكلوا إليه
أمورهم، ولم يحاولوا الخروج عن سننه وشرائعه بسوء اختيارهم (1).
قال تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101)} [الأنعام: 101].
قال ابن كثير: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} أي: كيف يكون له ولد، ولم تكن له صاحبة؟ أي: والولد إنما يكون متولدًا عن شيئين متناسبين، والله لا يناسبه ولا يشابهه شيء من خلقه؛ لأنه خالق كل شيء، فلا صاحبة له ولا ولد كما قال تعالى:{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)} [مريم: 88 - 95].
{وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فبين تعالى أنه الذي خلق كل شيء، وأنه بكل شيء عليم، فكيف يكون له صاحبة من خلقه تناسبه؟ وهو الذي لا نظير له فأنى يكون له ولد؟ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، قال تعالى:{وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)} [المائدة: 116، 117].
هذا أيضًا مما يخاطب الله تعالى به عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه السلام قائلًا له يوم القيامة بحضرة من اتخذه وأمه إلهين من دون الله: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} ؟ وهذا تهديد للنصارى وتوبيخ وتقريع على
(1) تفسير المنار (6/ 87، 88).