الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رَسُولَ الله زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ، يَنْفَعُنِي الله بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ:"مَا هِيَ؟ ". قُلْتُ قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ الله حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيءٍ عَلَي الْخَيْرِ. فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم:"أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ:"ذَاكَ شَيْطَانٌ"(1).
وهذا النص الأخير لا يقال فيه: إننا علمنا هذا الفضل بإخبار الشيطان؛ لأنه لولا إقرار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "إما إنه صدقك وهو كذوب" ما عد ذلك دليلًا يستخرج منه فضل يعمل المسلمون من أجل أن ينالوه.
الوجه الثاني: وهل الإخبار عن التجربة يقال فيه: إن الشيطان جاء بالوحي
؟
مما سبق من النصوص يلزمنا أن نُسَلِّمَ أولًا أن فضل آية الكرسي، واعتقاد أنها أعظمُ آية في القرآن العظيم ثبت من كلام أمين مَنْ في السماء عليه السلام لأمين من في الأرض صلى الله عليه وسلم، ثم نقول ثانيًا: إن إخبار الشيطان عن هذا الفضل أمرٌ لا سبيل له أن يعلمه إلا بالتجربة.
فالصحابة معلوم حرصهم على كثرة تلاوة كتاب الله عز وجل وخصوصًا الآيات التي ثبت لها فضل، وهذا معناه أن يمروا على آية الكرسي في القراءة كثيرًا، فينزل الملك بمجرد قراءتها، والشيطان يرى ذلك فيعلم، ثم هو في هذا النص يخبر. فأين العجب هنا؟ فهل كل صاحبِ علمٍ عن تجربةٍ يقال عنه: إنه يوحَى إليه، أو إنه للغيب عالمٌ! !
الوجه الثالث: هذا فضل لا يثبت
.
الفضل الذي جاء في النص الذي استدل به المعترض ليس لدينا ما يثبته بهذه الصورة، ولولا أنه ثبت من النصوص الآتية ما أثبتناه؛ وذلك لأن النص الذي استَدَلَّ به المعترض ضعيفٌ.
وبيان ذلك فيما يلي:
1 -
جاء من طريق عامر الشعبي عن ابن مسعود عند الدارمي (3381) والطبراني في
(1) البخاري (2187).
الكبير (9/ 166) وغيرهم بسند رجاله ثقات، لكنه ضعيف؛ لأن عامرًا لم يسمع من ابن مسعود، فهو منقطع. نص على ذلك ابن معين وغيره. (1)
2 -
لكن تابع عامرًا زر بن حُبَيْشٍ فيما أخرجه البيهقي في الدلائل (3047) من طريق سعيد بن سالم عن محمد بن أبان عن عاصم بن أبي النجود عن زر عن ابن مسعود، وهي متابعة واهية؛ فيها أكثر من علة:
أ - سعيد بن سالم، قال ابن حجر: صدوق يهم. (التقريب 2315).
ب - محمد بن أبان الجعفي؛ ضعفه أبو داود، وابن معين، وقال البخاري: ليس بالقوي. (ميزان الاعتدال 7128).
جـ - عاصم بن أبي النجود صدوق له أوهام (التقريب 3054).
د - اختُلِفَ على عاصمٍ؛ فرواه الطبراني في الكبير (8824) من طريق أسد بن موسى عن المسعودي، عن عاصمٍ عن شقيقٍ عن ابن مسعودٍ؛ والمسعودي صدوقٌ اختلط قبل موته (التقريب 3919).
ورواية أسدٍ عنه غير منصوصٍ عليها؛ أهي قبل الاختلاط أم بعده؟
وعلاوة على ذلك قال ابن معين: (كان يغلط فيما يحدث عن عاصم بن بهدلة)(2).
وقد علق الهيثمي في المجمع (8/ 374) على هذين السندين فقال: رواهما الطبراني بإسنادين، ورجال الرواية الثانية رجال الصحيح إلا أن الشعبي لم يسمع من ابن مسعودٍ ولكنه أدركه. ورواة الطريق الأولى فيهم المسعودي وهو ثقة ولكنه اختلط فبان لنا صحة رواية المسعودي برواية الشعبي والله أعلم.
قلت: رحمك الله هذا قد يسلم به لولا الاختلاف الذي على عاصم، وما أثبت من غلط في رواية المسعودي عن عاصم، وعاصم لا يتحمل تعدد المشايخ. والله أعلم.
لكن تابع عاصمًا عبد الملك بن عمير فيما أخرجه ابن عساكر في تاريخه (44/ 88)
(1) انظر جامع التحصيل (1/ 204).
(2)
شرح علل الترمذي (571).
ولكنها أوهى من أن تذكر ففيها محمد بن عبدة بن حرب.
قال البرقاني وغيره: هو من المتروكين.
وقال ابن عدي: كذاب، حدث عمن لم يرهم.
وقال الدارقطني: لا شيء، كان آفة، سمعت السبيعي يقول: انكشف أمره. (1)
ويزيد ذلك وهنًا خلافٌ ثالث رواه أبو جعفر البختري.
من طريق همام بن يحيى عن عاصم عن زرٍّ أن عمر بن الخطّاب. . . .
فخلاصة الحديث أن له طريقين:
الأول: من طريق عامر الشعبي عن ابن مسعود وهو منقطع.
والثاني: مداره على عاصم، واختلف عليه بما لا يتحمله، فيبدوا أنه اضطرب فيه. والله أعلم.
ثم حتى لو ثبت سماعُه، فإن الفضل المذكور هو محض إخبار جن قد يصدق وقد يكذب، ولا إقرار فيه من النبي صلى الله عليه وسلم كما سبق في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند البخاري يعلمنا صدقه، ولكن نقول: إنه ثبت قريبٌ من هذا لفضل فيما يلي، وانظر إلى إقرار النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحَى.
1 -
عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه كانت له سهوةٌ فيها تمرٌ، وكانت تجيء الغول فتأخذ منه، قال: فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"اذهب فإذا رأيتها، فقل: باسم الله، أجيبي رسول الله، قال: فأخذها، فحَلَفَتْ أن لا تعود، فأرسلها، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما فعل أسيرك؟ قال: حَلَفَتْ أن لا تعود، قال: كَذَبَتْ، وهي معاودة للكذب، قال: فأخذها مرة أخرى، فحَلَفَتْ أن لا تعود، فأَرْسَلَهَا، فجاءَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: ما فعل أسيرك؟ قال: حلفت أن لا تعود، فقال: "كَذَبَتْ، وهي معاودة للكذب" فأخذها، فقال: ما أنا بتاركك حتى أذهب بك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني ذاكرة لك شيئًا؛ آية الكرسي، اقرأها في بيتك؛ فلا يقربك شيطان، ولا غيره، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما فعل أسيرك؟
(1) انظر ميزان الاعتدال (3/ 634).