الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)} [البقرة: 258](1).
الوجه الثاني: اليقين عند إبراهيم عليه السلام
-.
ولقد حقق إبراهيم عليه السلام اليقين الكامل بالله تعالى وذلك من خلال الاختبارات التي نجح فيها إبراهيم عليه السلام منها:
أولًا: أنه لما أمسكه قومه، وأرادوا إحراقه بالنار، ووضعوه في كفة المنجنيق مقيدًا مكتوفًا ثم ألقوه منه إلى النار قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، كما روى البخاري عن ابن عباس أنه قال: حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار، وقالها محمد حين قيل له:{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)} [آل عمران: 173، 174](2).
وذكر بعض السلف أن جبريل عرض له في الهواء فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا.
ثانيًا: لما هاجر إلى مصر، وحصل ما حصل من أمر الجبار.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: اثنتان منهم في ذات الله قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} ، وقوله:{بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} ، وقال: بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة، فقيل له: إن ها هنا رجلا معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه وسأله عنها فقال: من هذه؟ قال: أختي، فأتى سارة فقال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي فلا
(1) قصص الأنبياء لابن كثير (162).
(2)
البخاري (4287).
تكذبيني، فأرسل إليها فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأُخذ فقال: ادعي الله لي ولا أضرك فدعت الله فأطلق، ثم تناولها الثانية فأخذ مثلها أو أشد فقال: ادعى الله لي ولا أضرك فدعت فأطلق فدعا بعض حجبته فقال: إنكم لم تأتوني بإنسان وإنما أتيتموني بشيطان فأخدمها هاجر، فأتته وهو قائم يصلي فأومأ بيده مهيم؟ فقالت: رد الله كيد الكافر - أو الفاجر - في نحره وأخدم هاجر.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: فتلك أمكم يا بني ماء السماء (1).
ثالثًا: ولما أمره الله تعالى بالهجرة بزوجته هاجر وولدها إسماعيل، استسلم لأمر الله تعالى ووضعهما في أرض مكة ولم يكن بها إذ ذاك حياة ولا أنيس ولا ونيس.
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: أو لما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقًا لتعفى أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء. فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقًا فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا وجعل لا يلتفت إليها فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال:{رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)} [إبراهيم: 37].
وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال يتلبط - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي
(1) البخاري (3179)، ومسلم (2371).
تنظر هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت بطن الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعى الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا فعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لذلك سعى الناس بينهما".
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه - تريد نفسها - ثم تسمعت فسمعت أيضًا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف.
قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يرحم الله أم إسماعيل! لو تركت زمزم - أو قال: لو لم تغرف من الماء - لكانت زمزم عينًا معينًا، قال: فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن ها هنا بيتًا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله". (1)
رابعًا: ولما أمر ببناء البيت استجاب إبراهيم وولده إسماعيل لأمر الله تعالى:
وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ يمينه وعن شماله، ولما قدم إبراهيم على إسماعيل قال له: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر قال: فاصنع ما أمرك به ربك قال: وتعينني؟ قال: وأعينك قال: فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها.
قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت وجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان:{رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127)} [البقرة: 127].
قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} .
(1) البخاري (3184).
خامسًا: ولما أمر بذبح ولده إسماعيل، بعد الانتظار الطويل، وبعد أن جاءه الولد على كبر العمر، وتشوق نفسه له، أسرع إبراهيم في تنفيذ الأمر ولم يتوان لحظة واحدة.
وهذا اختبار من الله عز وجل لخليله في أن يذبح هذا الولد العزيز الذي جاءه على كبر، وقد طعن في السن بعد ما أمر بأن يسكنه هو وأمه في بلاد فقر وواد ليس به حسيس ولا أنيس ولا زرع ولا ضرع فامتثل أمر الله في ذلك وتركهما هناك ثقة بالله وتوكلا عليه فجعل الله لهما فرجًا ومخرجًا ورزقهما من حيث لا يحتسبان.
ثم لما أمر بعد هذا كله بذبح ولده هذا الذي قد أفرده عن أمر ربه وهو بكره ووحيده الذي ليس له غيره أجاب ربه وامتثل أمره وسارع إلى طاعته.
ثم عرض ذلك على ولده؛ ليكون أطيب لقلبه، وأهون عليه من أن يأخذه قسرًا ويذبحه قهرا:{يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى. . .} [الصافات: 102]، فبادر الغلام الحليم سر والده الخليل إبراهيم فقال:{قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} ، وهذا الجواب في غاية السداد والطاعة للوالد ولرب العباد، قال الله تعالى:{فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103)} قيل: "أسلما" أي استسلما لأمر الله وعزم على ذلك. وقيل: وهذا من المقدم والمؤخر والمعنى: "تله للجبين" أي ألقاه على وجهه. قيل: أراد أن يذبحه من قفاه لئلا