الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَالَ التِّرْمذِيُّ فِي أَوَاخِرِ الشَّهَادَاتِ: المُرَادُ بِهِ شَهَادَةُ الزُّورِ "أَلا" بِالتَّخْفِيفِ حَرْفُ تَنْبِيهٍ "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ" أَيْ: أَجْنَبِيَّةٍ "إِلَّا كَانَ ثَالِثُهُمَا الشَّيْطَانَ" بِرَفْعِ الْأَوَّلِ وَنَصْبِ الثَّانِي، وَيَجُوزُ الْعَكْسُ وَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ، وَالْمَعْنَى: يَكُونُ الشَّيْطَانُ مَعَهُما يُهَيِّجُ شَهْوَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا حَتَّى يُلْقِيَهُمَا فِي الزِّنَا "عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ" أَيْ الْمُنْتظِمَةِ بِنَصبِ الْإِمَامَةِ "وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ" أَيْ: اِحْذَرُوا مُفَارَقَتَهَا مَا أَمْكَنَ. وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: "مَنْ خَرَجَ مِنْ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ"(1).
وفي حديث حذيفة رضي الله عنه قال: "تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ"(2).
وأما قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} ليس إخبار الله عن الكتب السابقة أنها بينات يلزم منه أنها ما زالت بينات بعد تحريفكم إياها؛ بل كانت إلى أن حرفتموها وبدلتموها بأقوال من عندكم.
الوجه الثاني: كلف الله عز وجل النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم بتبليغ القرآن الكريم ولم يكلفه أن يرد المختلفين من أهل الكتاب إلى كتابهم؛ لأن القرآن فيه بيناتهم وزيادة
.
1 -
يقول تعالى عن القرآن إنه بلاع للناس لإنذارهم: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52)} [إبراهيم: 52].
2 -
ويأمر الله رسوله بتبليغ الرسالة وعدم التقصير في أدائها، فقال: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي
(1) رَوَاهُ مسلم (1848).
(2)
رَوَاهُ البخاري (3606)، ومسلم (1847).
الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)} [المائدة: 67].
3 -
ويقول سبحانه: إن ما بين يدى النبي صلى الله عليه وسلم هو قرآن وذكر من عند الله؛ لينذر به الأحياء جميعًا: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70)} [يس: 69، 70].
4 -
ويزكي القرآن النبي صلى الله عليه وسلم في أنه يبلغ القرآن بكل أمانة؛ فهو لا ينطق عن الهوى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3)} [النجم: 3].
5 -
ولو لبى النبي صلى الله عليه وسلم طلب هؤلاء وأمثالهم حيث طلبوا منه أن يأتي بقرآن غير هذا، أو قال على الله ما لم يقله الله - وحاشاه ذلك - سيصير الأمر إلى ما تدل عليه الآيات:{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس: 15]، وقال تعالى:{وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} [الحاقة 44، 45]. ولا شك أن وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم هي تبيين الذكر للناس، وتبيين ما اختلف فيه أهل الكتاب وإنذارهم به، فما عليه صلى الله عليه وسلم إلا البلاغ، قال تعالى:{بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44].
وقال سبحانه: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64)} [النحل: 64]، وقال:{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)} [الأنعام: 19].
وقال عز وجل: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ