الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقيل: هو ما يظهر على الإنسان من السكينة والإخبات والعمل الصالح، وقيل: هو العفاف والتوحيد (1).
وأما المختار من هذه الأقوال فقد قال ابن جرير في تفسيره:
وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى} : استشعار النفوس تقوى الله، في الانتهاء عما نهى الله عنه من معاصيه، والعمل بما أمر به من طاعته، وذلك يجمع الإيمان، والعمل الصالح، والحياء، وخشية الله، والسمتَ الحسن؛ لأن مَنْ اتقى الله كان به مؤمنًا، وبما أمره به عاملًا، ومنه خائفًا، وله مراقبًا، ومن أن يُرَى عند ما يكرهه من عباده مستحييًا، ومَنْ كان كذلك ظهرت آثار الخير فيه فحسن سَمْته وهَدْيه، ورُئِيَتْ عليه بهجة الإيمان ونوره (2).
وقال الشوكاني: والمراد بلباس التقوى: لباس الورع، واتقاء معاصي الله؛ وهو الورع نفسه والخشية من الله، فذلك خير لباس وأجمل زينة، وقال: وهو الأولى؛ وهو يصدق على كل ما فيه تقوى لله فيندرج تحته جميع ما ذكر من الأقوال (3).
وكذا قال القرطبي في تفسيره (4).
الوجه الخامس: اللباس في الكتاب المقدس، وبطلان عقيدة الصلب والفداء
.
قصة آدم في الكتاب المقدس:
يعتقد النصارى أن بسبب خطيئة آدم عليه السلام أبي البشر في أكله من الشجرة التي نهاه الله عنها في الجنة - قامت نظرية الصلب والفداء، وتعني صلب المسيح عليه السلام نيابة عن الجنس البشري وفداءً له؛ إذ كان على الله بمقتضى صفة العدل أن يعاقب ذرية آدم بسبب الخطيئة المشار إليها والتي ارتكبها أبوهم، لكن بمقتضى صفة الرحمة كان على الله أن يغفر سيئاتهم،
(1) معالم التنزيل (2/ 155)، وفتح البيان (4/ 323)، والتفسير الكبير (14/ 52).
(2)
جامع البيان (8/ 151).
(3)
فتح القدير (2/ 279).
(4)
تفسير القرطبي (7/ 184).
ولم يكن هناك طريق للجمع بين العدل والرحمة إلا بتوسط المسيح ابن الله - في اعتقادهم -، وقبوله أن يظهر في شكل إنسان، وأن يعيش كما يعيش الناس، ثم يُقتل ويُصلب ظلمًا؛ وذلك ليكفر خطيئة آدم أبي البشر في ذريته، وهذا ما يعبر عنه النصارى بالخلاص، وهنا تمت المصالحة بين الله والناس. والرد على هذا الكلام يسير طبقًا للآتي:
أولًا: أين كان عدل الله ورحمته إذًا منذ طرد آدم من الجنة حتى صُلب المسيح في زعمهم؟ فهل كان الله حائرًا بين العدل والرحمة آلاف السنين حتى قبل مجيء المسيح منذ ألف عام فقط حتى يُصلب للتكفير عن خطيئة آدم عليه السلام؟ !
ثانيًا: من عدل الله عز وجل ألا ينقص أحدًا من حسناته، ولا يعاقبه إلا بذنبه، ولا يجوز حينئذ أن يعاقب ذرية آدم بذنب أبيهم.
ثالثًا: الزعم بأن خطيئة آدم قد عمت سائر أولاده، وأنه لا يطهرهم عن خطاياهم إلا قتل المسيح! ! التوراة والنبوات ترد هذه المقالة الشوهاء كما في كتابهم المقدس:(لَا يُقْتَلُ الآبَاءُ عَنِ الأَوْلَادِ، وَلَا يُقْتَلُ الأَوْلَادُ عَنِ الآبَاءِ، كُلُّ إِنْسَانٍ بِخَطِيَّتِهِ يُقْتَلُ)(التثنية 24/ 16).
إن آدم عليه السلام قد ارتكب خطيئة وأخذ جزاءه، وهو الخروج من الجنة، ثم أدرك خطأه فتاب لله فقبل الله توبته واجتباه، قال تعالى:{وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122)} [طه: 121، 122].
والرد على عقيدة الصلب والفدا، وبطلانها من الناحية العقلية:
إذا كان الله سبحانه لم يرد الانتقام من آدم عليه السلام لمعصية، فمن باب أولى أن يتوب على صاحب الذنب ويعفو عنه، ولا يحمِّله لغيره من باب العدل الإلهي.
النصارى تقول: إن عيسى إله! فكيف وقع على الناسوت فقط؟ وهم يقولون: إن الناسوت في اللاهوت كالماء في اللبن جوهران أصبحا جوهرًا واحدًا، فكيف يُعقل هذا؟ !
إذا كان عيسى عليه السلام إلهًا قد صُلب ودُفن كما يقولون، فمن الذي أمسك السموات من
السقوط؟ والأرض أن تميد؟ ومن دبر شئون الخلق في هذه اللحظات التي غاب فيها الإله؟ !
لماذا لم تذكر التوراة أمر لصوق الخطيئة ببني آدم وفيهم الأنبياء، وقد ذكرت ما هو أدنى من ذلك مع أن هذا الأمر من الأهمية بمكان؟ وكيف لا وهو قد حكم على جميع بني آدم حتى الأنبياء بتوارثهم خطيئة أبيهم آدم، حتى جاء عيسى عليه السلام ليخلصهم بذلك.
وأيضًا نقول: إن النص في سفر التكوين: (وَصَنَعَ الرَّبُّ الإِلهُ لآدَمَ وَامْرَأَتِهِ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا). يدل على غفران الله لذنبهما، فالرب بنفسه صنع لهما هذه الأقمصة، فلو لم يغفر لهما لتركهما يصطادان ويعالجان الجلد ليصنعا لأنفسهما هذه الأقمصة إمعانًا في إجهادهما، وتنفيذًا لوعيده لهما أن يشقيا في الأرض.
وبذلك يتضح لنا بطلان عقيدة الصلب والفداء، يحاولون أن يستدلوا على عقيدة باطلة بأن المسيح مات على الصليب فداءً لخطايا البشر بأن ذبح، ويقولون: إن أي ذبح هو إشارة لدم المسيح؛ كقوله تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)} ، أو غير ذلك من الآيات التي يحاولون تفسيرها بما يليق بمعتقدهم الفاسد، فلا المسيحُ صُلب، ولا الذبيحُ كان، ولا الخلاص لهم تم على الصليب كما يزعمون (1).
* * *
(1) انظر شبهة: (الصلب والفداء وبطلانها).