الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذا قرآنا لاتفقت الفاظه وحروفه في جميع الروايات، وحملة الأخبار أخبر بها من غيرهم، وأيضا تبويب العلماء اللذين خرجوا هذا الحديث قاطبة، منهم من وضعه في باب القنوت في الفجر أو في الوتر؛ كما هو في معظم الروايات السابقة، ومنهم من وضعه في باب المنسوخ من القرآن كما فعل الحازمي والزركشي والسيوطي وغيرهم؛ مما يدل على فهم هؤلاء العلماء ومعرفتهم لرتبة هذا الدعاء وهل هو من نصوص الكتاب أو السنة أم لا؟ ، وأما تسميتهما بالسورتين فهذا باعتبار ما كان أي أنهما كانتا سورتين ثم نسختا.
الشبهة الثالثة: آية الرجم
.
نص الشبهة:
يقولون بعدم حفظ القرآن الكريم من خلال ما حدث في جمع القرآن، والدليل على ذلك هو سقوط آية الرجم (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة)، فقد كانت موجودة، ويقرؤها الصحابة في سورة الأحزاب. فأين هي الآن؟ ! وهي تخالف في نصها الحكم الثابت في أن الرجم على الإحصان والآية رتبته على الشيخوخة. ثم إن عمر رضي الله عنه أراد أن يكتبها كآية في المصحف لولا خشية الناس، فهذا الذي منعه من كتابتها.
والجواب على هذه الشبهة من هذه الوجوه:
الوجه الأول: أن القرآن محفوظ بحفظ الله عز وجل له دون سائر الكتب
.
الوجه الثاني: آية الرجم مما نسخ تلاوته وبقى حكمه.
الوجه الثالث: بيان معنى قوله: (الشيخ والشيخة) وأن هذا لا ينافي الحكم الثابت بالإحصان، وبيان الحكمة من هذا اللفظ.
الوجه الرابع: بيان معنى قول عمر رضي الله عنه: لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ زَادَ عُمَرُ في كِتَابِ الله لَكَتَبْتُهَا.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: أن القرآن محفوظ بحفظ الله عز وجل له دون سائر الكتب (1).
قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} [الحجر: 9]
(1) راجع شبهة حول حديث الداجن في هذا الموسوعة ففيها تفصيل لمعنى الحفظ.
قال صديق حسن خان: ثم أنكر سبحانه على الكفار استهزاءهم برسول الله صلى الله عليه وسلم بقولهم المذكور، فقال سبحانه:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} الذي أنكروه ونسبوك بسببه إلى الجنون وهو القرآن، واعتقدوا أنه مختلق من عندك، {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} عن كل ما لا يليق به من تصحيف وتحريف وزيادة ونقص ونحو ذلك، فالقرآن محفوظ من هذه الأشياء كلها، لا يقدر واحد من جميع الخلق من الإنس والجن أن يزيد فيه أو ينقص منه حرفًا واحدًا أو كلمة واحدة.
وهذا مختص بالكتاب العزيز، بخلاف سائر الكتب المنزلة، فإنه قد دخل على بعضها تلك الأشياء، ولما تولى الله حفظ ذلك الكتاب بقي مصونًا على الأبد، محروسًا من الزيادة والنقصان وغيرهما، وفيه دليل على أنه مُنزّل من عنده آية؛ إذ لو كان من البشر لتطرق إليه الزيادة والنقصان كما يتطرق إلى كل كلام سواه، وقيل: المعنى نزله محفوظًا من الشياطين، وقيل: حفظه بأن جعله معجزة باقية إلى آخر الدهر، وقيل: حفظه من المعارضة، فلم يقدر أحد من الخلق أن يعارض ولو بأقصر آية.
وقيل: أعجز الله الخلق عن إبطاله وإفساده بوجه من الوجوه، فقيض له العلماء الراسخين يحفظونه ويذبون عنه إلى آخر الدهر؛ لأن دواعي جماعة من الملاحدة واليهود متوفرة على إبطاله وإفساده، فلم يقدروا على ذلك بحمد الله، ومن أسباب حفظه حدوث العلوم الكثيرة الآلية التي تذب عن الدخولى في أبواب إفساده وإبطاله وتحريفه وتصحيفه وزيادته ونقصانه كالصرف والنحو والمعاني والبيان وأصول الحديث والفقه والتفسير، وغير ذلك مما له مدخل في هذا الشأن.
وعن عياض عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه تعالى: وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاء (1)(2).
(1) مسلم (2865)، من حديث عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَني يَوْمِي هَذَا. . . أَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْماءُ تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ.
قال النووي: أَمَّا قَوْله تَعَالَى: (لَا يَغْسِلهُ الْمَاء) فَمَعْنَاهُ: مَحْفُوظ فِي الصُّدُور، لَا يَتَطَرَّق إِلَيْهِ الذَّهَاب، بَلْ يَبْقَى عَلَى مَرّ الْأَزْمَان. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى:(تَقْرَأهُ نَائِمًا وَيَقْظَان) فَقَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَاهُ يَكُون مَحْفُوظًا لَك فِي حَالَتَيْ النَّوْم وَالْيَقَظَة، وَقِيلَ: تَقْرَأهُ فِي يُسْر وَسُهُولَة. شرح النووي 9/ 217.
(2)
فتح البيان في مقاصد القرآن 7/ 148: 149.
فإن الله سبحانه لم يحفظ كتابًا من الكتب كذلك؛ بل استحفظها عز وجل الربانيين والأحبار فوقع فيها ما وقع، وتولى حفظ القرآن بنفسه سبحانه، فلم يزل محفوظًا أولًا وآخرًا، فقد أنزل الله عز وجل القرآن على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وتكفل الله بجمعه في قلب النبي صلى الله عليه وسلم وعدم نسيانه إياه، وأرشده إلى عدم الاستعجال في هذا الأمر، قال تعالى:{لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)} [القيامة: 16 - 19].
قال ابن كثير: هذا تعليم من الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في كيفية تلقيه الوحي من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك في قراءته، فأمره الله عز وجل إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له، وتكفل له أن يجمعه في صدره، وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي القاه إليه، وأن يبينه له ويفسره ويوضحه. فالحالة الأولى جمعه في صدره، والثانية تلاوته، والثالثة تفسيره وإيضاح معناه (1).
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ عز وجل: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ} قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ كَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ فَكَانَ ذَلِكَ يُعْرَفُ مِنْهُ فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16)} أَخْذَهُ {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ في صَدْرِكَ وَقُرآنَهُ فَتَقْرَؤُهُ {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} قَالَ أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ لَهُ {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ أَطْرَقَ فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا وَعَدَهُ الله (2).
وتكفل الله بعدم نسيانه إياه، قال تعالى:{سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأعلى: 6، 7]، والمعنى: سنقرئك يا محمد هذا القرآن فلا تنساه إلا ما شاء الله، ومعنى الاستثناء في هذا الموضع على النسيان، ومعنى الكلام: فلا تنسى إلا ما شاء الله أن تنساه وتذكره، وهذا ما نسخه الله من القرآن، فرفع حكمه وتلاوته، وقيل: النسيان في هذا
(1) تفسير ابن كثير 14/ 196.
(2)
البخاري (4929)، مسلم (448) واللفظ له.