الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصورة الرابعة
التعريف بحدود كعبة الله بالفضائل الجليلة لمكة المكرمة
اتفق جمهور العلماء على أن الله-سبحانه وتعالى-خلق البلدة المفخمة مكة المعظمة، كما خلق المدينة المنورة، وهما أفضل من كل بلاد الدنيا وممالكها وبالتالي فليس هناك بلد على وجه الأرض أجمل وأشرف من هاتين المدينتين المشهورتين.
يقول القاضي عياض في مؤلفه «الشفاء الشريف» :إن المدينة المنورة دار حضرة صاحب الرسالة هي أفضل وأشرف من كل البلاد والممالك ومن بعدها البلدة المفخمة «مكة المكرمة» وهو بهذا القول يريد أن يرجح «المدينة المنورة» على «مكة المعظمة» جاعلا حجته بأنها تضم قبر الرسول.
نظم
جزم الجميع بأن خير الأرض ما
…
قد حاط ذات المصطفي وحواها
ونعم لقد صدقوا بساكنها علت
…
كالنفس حين زكت مأواها
وإذا كان هناك من يؤيد القاضى المشار إليه فى هذا الشعر الصحيح المعنى، إلا أن علماء السلف يختلفون فى تحديد صحة هذه المشاركة أى فى ترجيح كفة أى من «مكة المشرفة» والمدينة المنورة على الأخرى.
فيرى الإمام الأعظم أبو حنيفة والإمام الشافعى والإمام أحمد بن حنبل وكل التابعين لهم، أن الحديث الصحيح القائل «بأن الصلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، والصلاة فى المسجد
الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فى مسجدى» هذا يعنى أن مكة المكرمة أفضل من المدينة المنور.
ويقولون إنها أفضل لأن ماء الحياة الطاهر تفجر من هذا المنبع، وأن نور الإسلام الذى أشرق على الكون من ذلك البرج الرفيع انتشر وأضاء ولقد أنعم خالق الكون على هذه البقعة المقدسة بكثير من الفضائل الجليلة والخصال الحميدة.
كما أن المسجد الحرام سيد كل المساجد، وكما أن موضع الكعبة المباركة قبلة الأحياء والأموات وهى سيدة كل البيوت المقدسة. وهو مهبط الوحى الجليل ومجمع الأنبياء وفيه دفن الرسل والأنبياء كما أنه يفضل كل البلدان بموجب الآية الآتية:{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (96) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً} (سورة آل عمران:96).
وفى هذا المقام لا تستطيع أن تستبعد هذا السؤال الذى قد يجول بذهننا وهو هل يمكن الجمع بين هذه الآية الكريمة والآية العظيمة {طَهِّرا بَيْتِيَ} (سورة البقرة:125).
بمعنى أن ملكية البيت المعظم أضيفت إلى الناس فى الآية الأولى وفى الثانية أضيفت إلى الله سبحانه وتعالى.
وإذا أمعنا النظر فى هذا الموضوع وفكرنا قليلا يمكننا الإجابة على هذا السؤال على النحو الآتى:-
كان الله-سبحانه وتعالى-يشير فى هاتين الآيتين إلى الآتى: «أيها المؤمن الموحد إذا كان البيت الحرام هو بيتى فإننى لم أضعه ولم أقمه لنفعى لأننى لست بحاجة إليه بل إننى وضعته لك أنت حتى يكون قبلتك عند ما تتوجه إلى بالدعاء.
ويذكر البيت الشريف فى الآية الكريمة {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ} (سورة آل عمران:
96) بلفظ مبارك ويفهم من هذا أن للبيت الأكرم أفضال أكثر من أى بيت.
ويقول سيدنا على-كرم الله وجهه- «ومن دخله كان آمنا» أنه أول مكان اختصه الله-سبحانه وتعالى-بالأمان وبالبركة ويقول الحسن البصرى-رضى الله عنه-إن البيت الأكرم هو أول بيت خلق للعبادة على وجه الأرض ويقول الإمام مطرف إن البيت المحترم جعل أول قبلة للناس.
وكل هذه الأقوال تؤكد أن فضائل الكعبة المعظمة لا تعد ولا تحصى.
وفى الآية الكريمة-سالفة الذكر-كلمة «مبارك» الشريفة وهذا اللفظ الجليل يعنى أن هذه البقعة الشريفة مباركة إلى الأبد وأن بركتها فى تزايد مستمر فى كل لحظة وفى كل زمان وستدوم إلى الأبد.
ولأن الماء يدخلها باستمرار يشبهونها بحوض ماء العرض الإلهى، من استخدام لفظ البركة وتشبيه البيت الأعظم بالحوض هو الإخبار عن دوام وبقاء وزيادة ونمو خيرات بيت الله والفضائل التى تدل على ذلك لا حدود لها وإنه بركة ونمو وتزايد.
وفضل الطاعة والعبادة بها يفوق أداء الطاعات والعبادات فى بقية البلدان وهذه الزيادة سمة جليلة يختص بها البيت الحرام.
هناك أحاديث كثيرة تفيد هذا المعنى والأحاديث الآتية التى سنذكرها تبين اثنان منها تزايد بركة الصلاة، والآخران يبينان تزايد بركة الحج. وهذه الأحاديث هى قوله صلى الله عليه وسلم فيما معناه.
«أن فضل المسجد الحرام بالنسبة لمسجدى هذا كفضل مسجدى على سائر المساجد» و «أن الصلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه» و «من حج فلم يفسق ولم يرفث خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» و «وأجر الحج المبرور الجنة» (حديث شريف).
وعلى هذا التقدير يجب علينا أن نتصور أن المؤمنين الذين يقفون للصلاة جاعلين الكعبة الشريفة نقطة التوجه ويحيطون بها فى صفوف متلاحقة، يجب
أن نتخيل ونتذكر أن المسلمين فى جميع أنحاء العالم، متوجهين إلى تلك النقطة للصلاة فيزيد من عدد الصفوف فى أذهاننا قدر ما نستطيع.
بناء على هذا الحساب فإن الدوائر التى تحيط بالكعبة تخرج عن حصر عددها.
وإن بين هؤلاء المحيطين بالكعبة مكان وجود بعض الصالحين المتوجهين نحو كعبة المعرفة.
لذا يجب على كل مصل عند ما يقف للصلاة أن يعرف أنه يقف بين كثير من أولياء الله الذين يتجهون بقلوبهم إلى كعبة المعرفة، بينما يتجهون بأجسادهم لتلك النقطة المحسوسة، وعليه أن يستفيد من أنوار أرواحهم العلوية.
إن هؤلاء الذوات الذين أردنا أن نحترمهم يتمتعون بنيات منيرة وقلوب وضمائر مقدسة طاهرة، وأنهم بأجسادهم الظاهرة يتوجهون إلى تلك النقطة الموهومة أى الكعبة المشرفة بينما تتجه أرواحهم الضالة إلى كعبة المعرفة.
وأى إنسان نالت روحه فضل الاتصال بهذه الأرواح النيرة تزيد فى قلبه الأنوار الإلهية، وتعظم فى أعماقه لمعات احتوائه للروحانية وأسرارها، وهذا أكبر دليل على أن بيت الله مكان مبارك، بما يحتوى من أسرار الهيبة وبقاؤه دائم وأبدى.
لأنه لا يخلو لحظة من العاكفين والساجدين والراكعين من الموحدين المؤمنين.
وفى كل لحظة وآن يتجه الناس إلى كعبة الله للصلاة وقد قرر بقاؤه منذ أن خلق.
إذا ما تناولنا بالبحث لفظ «هدى» فكعبة الله كانت هدى للعالم بصورتين.
الصورة الأولى: أنها قبلة العالم التى يهتدى إليها فى الصلاة أو دلالتها على وجود صانع مختار، وصدق نبوة نبى الله، أو أنها تهدى إلى جنة الفردوس لأن الصلاة التى تؤدى بالتوجه إلى ناحية الكعبة الشريفة تدخل الجنة.
الصورة الثانية: لأنها تحتوى على الآيات البينات، وإن كان المقصود بالآيات