الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولما كان أهالى كل قرية فى تلك الولايات يذهبون إلى القرى الأخرى يتزاورون للمعايدة فيمكن أن نعتبر ذلك مشابها لأصول معايدة مكة المكرمة.
القيادة:
تعنى إمارة الجيش وهى عبارة عن قيادة الجيش فى الحرب والقتال.
إن هذه المناصب كانت خاصة بقريش لذا فإنها تتفوق على القبائل الأخرى بهذا المنصب وتفتخر به.
لما أسند ابن كلاب مهام الحجابة والسقاية واللواء والرفادة الهامة إلى ابنه عبد مناف وهو مازال على قيد الحياة فكأنه اختاره وليا للعهد.
وأسند إلى ابنه الكبير عبد الدار مهمة إدارة دار الندوة لتسوية نزاعات قريش.
وقد أوصى عبد مناف بإدارة حجابة البيت واللواء والسقاية والرفادة بموافقة بقية أخوته وخاطب عبد الدار قائلا «يا بنى إننى أجعلك رئيسا على القبيلة، حيث لا يستطيع أى إنسان من أشراف القبائل أن يدخل كعبة الله طالما لم تفتح لهم بابها، ولا يستطيع إنسان أن يعقد لواء الحرب دونك، واللواء المزمع عقده يجب أن يكون فى يدك بلا منازع ولا يستطيع إنسان فى مكة أن يشرب من ماء زمزم إلا إذا سقيته أنت ولا يستطيع إنسان أن يأكل طعاما فى موسم الحج إلا إذا أكل من طعامك. ولا يبت فى أمر من أمور قريش الهامة إلا إذا تم الحكم بذلك فى بيتك.
اختلاف قريش:
بعد وفاة «قصى بن كلاب» أدار أبناؤه بموجب وصيته لعبد الدار حكومة مكة متفقين، ولكن فيما بعد ظهر بينهم الخلاف، فإن بنى عبد مناف وهم هاشم وعبد شمس وعبد المطلب ونوفل تباحثوا عن شرفهم وفضلهم وفكروا فى انتزاع مناصب الحجابة والسقاية واللواء والرفادة من أيدى بنى عبد الدار فدبت بينهم الخصومة، وتباهوا وقالوا: إنهم أجدر وأحق منهم بالقيام بهذه الخدمة الجليلة وادعوا أنهم الأفضل والأشرف-فى كل الجوانب-من أبناء عمهم عبد الدار، وأخذوا يتحرشون ببعضهم باستمرار، وفى النهاية اتفقوا على أن يحال الفصل فى النزاع الدائر بينهم إلى زعماء القبائل للحكم فيه.
أما زعماء القبائل فقد اختلفوا فى أمر هذا النزاع إذ التزمت جماعة منهم جانب بنى عبد الدار حتى لا يخالفوا وصية قصى بن كلاب، والتزم البعض الآخر جانب بنى عبد مناف تحكمهم فى ذلك بعض المصالح العصرية.
وعند ما ظهر هذا النزاع كان صاحب النفوذ فى أبناء عبد الدار هو عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار أما صاحب الكلمة النافذة والأمر فى أبناء عبد مناف فهو عبد شمس بن عبد مناف.
وبعد مناقشات ومجادلات ومحاورات بين رجال القبائل المختلفة التى التزمت جانبا من الجانبين، قرروا إسناد مناصب السقاية والرفادة إلى بنى عبد مناف وتظل إدارة دار الندوة فى يد بنى عبد الدار وهكذا أسكتوا الجانبين وألزموهما بهذا الاتفاق وأجبروا الطرفين على توقيع معاهدة بهذا الأمر.
وبناء على هذا الاتفاق أعطيت مهمة السقاية والرفادة إلى أبناء بنى هاشم بن عبد مناف وبقية المناصب إلى بنى عبد الدار وقد أظهر كلا الطرفين رضاهما وموافقتهما على هذا الحكم، إلى أن توصلوا إلى هذا الحكم والنتيجة كانت ست بطون من قريش قد اتفقت وتعاهدت على أن تحمى بنى عبد الدار من غدر بنى عبد مناف وأطلق على هؤلاء أحلاف قريش وهذه البطون الست هى: بنو عبد الدار وبنو عمرو بن هصيص بن كعب وبنو جمح عمرو بن هصيص ابن كعب وبنو مخزوم بن يقظة بن مرة، وبنو عدى بن كعب، وبنو الحارث بن فهر بن مالك بن النضر. وقد سعى كل هؤلاء على أن يصطحبوا أحد أبناء عبد الدار وأن يكونوا عونا ونصرا لهم حتى لا يهزموا أمام بنى عبد مناف.
واتفقت قبائل بنى أسد بن عبد العزى بن قصى وبنو زهرة ابن كلاب وبنى تيم بن مرة بن كعب، مع أبناء عبد شمس بن عبد مناف أما قبائل عامر بن لؤى ومحارب بن فهر فقد بقيت على الحياد ووقفوا موقف المتفرج انتظارا لما سينتهى إليه الأمر.
وأقسمت كل جماعة من الجماعات المتفقة على ألا يتخلوا أو ألا يتراجعوا عما أقسموا واتفقوا عليه.
وعقب ذلك أحضرت نساء عبد مناف إناءا مملوءا بالطيب الرطب، وتركته أمام الجماعة الموجودة عند كعبة الله وتبعا لعادة الجاهلية غمس رجال الجماعة المتفقة أيديهم فى هذا الإناء ومسحوا أيديهم الملطخة بالطيب على جدران الكعبة المشرفة تأكيدا لقسمهم وأقسموا مرة أخرى على المحافظة على القرار الذى اتخذوه.
وكان قصدهم من هذا أن يؤكد كل فريق منهم للآخر ثباته على هذا فأقسم بشأن ذلك القرار المتفق عليه.
وعلى الرغم من حمل الفريقين المتفقين أسلحتهم بعد هذا القسم واستعدادهم للحرب، إلا أن زعماء القبائل قرروا فيما بينهم التوسط بين أبناء عبد الدار وأبناء عبد مناف وأسفر هذا التوسط عن إجبارهم على قبول ما تم الاتفاق عليه.
فانطفأت نار الحرب والقتال التى كادت أن تنشب بينهم بماء الصلح المقترح. وبهذه الصورة تم الحفاظ على الاتفاق الذى تم التوصل إليه حتى عصر النبوة. انتهى.
وكان لعبد مناف ابنان آخران غير عبد المطلب، ونوفل وهما عبد شمس وهاشم، وكان لكليهما نصيب فى مناصب الرفادة والسقاية بناء على قرار القبائل الست. وكان عبد شمس شديد الفقر مع كثرة العيال وكان أخوه هاشم من الأغنياء، ولما كانت إدارة السقاية والرفادة من الأمور المرتبطة بالمال والثراء فقد أسندت كل منها إلى هاشم، فتولى مهمتهما وفق هذا القرار.
واسم هاشم الأصلى هو عمرو، وقد أطلقوا عليه هذا الاسم لأنه هو الذى ابتدع طعام الثريد فى مكة المكرمة.
وهاشم هذا هو الذى ابتدع تسيير القوافل إلى اليمن شتاء وإلى الشام صيفا للتجارة، وسارت قريش على نهجه فيما بعد لأن قريشا وإن كانت تشتغل بالتجارة قبل ذلك إلا أن تجارتهم كانت مقصورة على أطراف مكة فقط.
وحدث فى أثناء سفره إلى الشام أن علم القيصر حاكم الشام بأمر شرفه وحسبه وعلو قدره بين قومه فاستدعاه وأظهر له الشئ الكثير من الاحترام والاهتمام، وفى خلال حديثه معه ألمح له أنهم يأتون بأمتعة الحجاز واليمن إلى الشام فى الصيف ولما كان هذا الأمر يتطلب رخصة تتضمن عهدا بالأمان فأعطاه
القيصر حاكم الشام هذه الرخصة رعاية لمكانته بين قومه وسمح له بأن يتردد رجال قريش على الشام للتجارة.
وبعد فترة قصيرة حصل أخوه عبد شمس من حاكم الحبشة على رخصة مماثلة ومطلب من حكام اليمن.
وكذلك حصل نوفل من حكام بلاد فارس على رخصة مماثلة وهكذا عودوا قريش على التجارة مع هذه البلاد، وكان هذا نوع من الأصول والعقبات التى أزلها قصى عن طريق الإجازة.
وكانت قريش التى تسكن مكة-آنذاك-آمنة من غارات لصوص البدو الذين يغيرون على القبائل التى تسكن حول مكة لأنهم ينهبونها.
وكان الشعار الذى ترفعه قريش أمام اللصوص قولهم: نحن سكان حرم الله وأهل بيت الله الحرام، إلا أن هذا الشعار كان يفيد عند ما يتجرءون على دخول مكة المكرمة، لذا كانوا لا يتجرءون على الابتعاد عن مكة كثيرا وفيما بعد استطاعت قريش تحت حماية وظل أبناء عبد مناف أن تتمتع باستيراد البضائع وتصديرها إلى كل مكان.
وقد أحسن هاشم بن عبد مناف القيام بأداء المهام التى أسندت إليه بموجب قرار القبائل الست وذهب إلى الشام لغرض التجارة وفى أثناء وجوده فى ولاية غزة
(1)
انتقل إلى رحمة الله فانتقلت مناصب السقاية والرفادة التى كانت مسندة إليه إلى أخيه عبد المطلب أعظم وأكبر شخصية فى قريش حينئذ.
وبعد وفاة هاشم بفترة قصيرة مات أخوه عبد المطلب فى مكة ومات أخوه نوفل بن عبد مناف فى أثناء رحلة فى العراق وبذلك انتقلت أعباء إدارة المنصبين الجليلين إلى عبد المطلب جد النبى-صلى الله عليه وسلم-وولده عبد الله.
بلغ عبد المطلب من الشرف والجاه ما لم يبلغه آباؤه وأجداده ونال محبة الناس، ولم يكن له من أبناء سوى الحارث ولهذا كنى بأبى الحارث.
وذات يوم قال ابن عمه عدى بن نوفل بن عبد مناف ليس لك أبناء سوى
(1)
اسم بلد مشهور فى أرض فلسطين.
الحارث فإنك إذا تصورت أن تتولى رئاسة قبائل قريش لفترة طويلة، فهذا الأمل واه وعبث بالنسبة لك. أما نحن فأبناؤنا وأتباعنا كثيرون، وسيئول لنا-ذات يوم -زمام الرئاسة وهو أمر غنى عن التعريف أو التذكير به.
فأجابه عبد المطلب: أتخيفنى بسبب قلة أولادى؟ إن شاء الله سيكون لى من الأبناء عشرة، وعندئذ أذبح أحدهم قربانا عند الكعبة ابتغاء مرضاة الله
(1)
.
وحسب حكمة الله، فبعد فترة نال عبد المطلب ما تمناه وبلغ عدد أبنائه عشرة كاملة وعندئذ جال بخاطره ما نذر وأقلقه هذا الخاطر طويلا وأطال التفكر فى هذا الموضوع ثم قرر أن يستدعى أبنائه ويشرح لهم الأمر وأخذ موافقتهم واحدا بعد الآخر، ورأى أن يكتب أسماءهم كل على حدة على عشرة سهام من سهام القرعة، ثم أخذ هذه السهام، واصطحب أبناءه عند الصنم الكبير المسمى هبل داخل كعبة الله. وضرب القرعة لاستكشاف الطالع حسب العادة المتبعة فى الجاهلية، وخرجت القرعة باسم عبد الله والد النبى-صلى الله عليه وسلم-وأحب أولاده إليه وأفضلهم، ولم يأت هذا التفضيل والحب البشرى من الفراغ لأنه رأى فى المنام عدة مرات ما يبشر بأن هذا الابن سيكون له شأن كما رأى فى ولده هذا أشياء خارقة تدل على أنه سيكون والدا للجوهر النادر لسيد البشر، ونتيجة لكل هذا فإنه كان يفضل ابنه ويقدمه على إخوته، ويأمل بأن الله-سبحانه وتعالى سينجيه من الذبح ونروى واحدة من الخوارق التى جعلت عبد المطلب يأمل أن يكون ابنه أبا سيد البشر.
أفشى عبد الله-ذات يوم-سرا لأبيه حيث قال: يا والدى العظيم، إننى متى أخرج من مكة وأصعد جبل ثبير وحيثما أجلس، يظهر فى ظهرى شعاعان من نور لامع يتجه أحدهما وينتشر ناحية الشرق وينتشر الآخر ناحية الغرب، وبعد فترة يتجمعان مثل السحاب الممطر الذى يسطع ويعلو نحو السماء ثم يعودان إلى ظهرى مرة أخرى، ويتم كل هذا فى لحظة واحدة، كما أننى أسمع فى الأماكن التى أجلس فيها هاتفا يقول: السلام عليك أيها المستودع فى ظهره نور محمد
(1)
جرى هذا الحوار أثناء قيام عبد المطلب بحفر بئر زمزم، وتفصيل هذه الواقعة مدون فى الصورة الخامسة من الوجهة الأولى أى فى قصة زمزم.
صلى الله عليه وسلم، وإذا جلست تحت شجرة جافة، إذا بها تخضر وتكتسب نضرة وعند ما أبرح المكان تعود الشجرة متلفة الساق إلى حالتها الأولى.
وهكذا كان ينقل لوالده ما رأى من الخوارق بعين بصيرته وبصره فقال له أبوه: يا بنى إننى أبشرك وأهنئك بحملك النور المحمدى، وقد بشرت بهذا عدة مرات وكل الرؤى التى رأيتها قبلك-تدل على أنه سيولد من صلبك الشريف من سيزين القماط.
والواقع أنه كلما كان يتقرب من اللات والعزى وهى من أكابر أصنام قريش كانا يخاطبان عبد الله بصوت مشابه لصوته قائلين: أنت لا تحفل بنا ولا تعبدنا! إن النور الذى سيضئ الدنيا قريبا ذلك النور الذى فى ظهرك هو نور محمد عليه سلام الله الأحد، وإن صاحب هذا النور سيحطمنا كما سيحطم كل الأصنام ويقضى علينا جميعا.
ولدلالة الأسباب الظاهرة السابق ذكرها أحب عبد المطلب ابنه عبد الله أكثر من بقية إخوته ولأجل ذلك كان يخاف عليه حتى من هبوب الرياح ومع ذلك كان يثق أيضا فى السهام التى بجانب هبل عند إجراء القرعة بالقدح
(1)
.
وبناء على ذلك عند ما أصابت القرعة اسم عبد الله وقضت بذبحه راح الأب فى بحر عميق من التفكير، وبعد ما أفاق من تفكيره قال: ما العمل؟ هكذا قدر الله ثم أخذ والد النبى ذا المكانة العالية إلى جوار الصنم الذى أطلقت عليه قريش اسم إساف
(2)
وأرقده على الأرض. وبمجرد أن علم عباس الأخ الأكبر لعبد الله بما ينوى الأب لأخيه أسرع إليه، وأدركه وسحب أخاه من تحت يدى والده عبد المطلب. وفى أثناء هذا جرح عبد الله فى وجهه، وظل أثر هذا الجرح ظاهرا إلى أن توفى.
(1)
القدح يطلق على السهم الذى بلا ريش. ويطلق على السهم السابع فى الميسر القدح المعلى، ونصيب هذا السهم عند أهل الجاهلية يفوق أنصبة السهام الأخرى، وكان أهل الجاهلية يلعبون القمار بهذه السهام ويتفاءلون بها، ومن يريد معرفة مزيد من المعلومات حول كيفية لعب الميسر أو كيفية التفاؤل بها يمكن أن يتفضل بالرجوع إلى البحث الخاص بإجراء القرعة عند العرب.
(2)
كان هذا الصنم من قبل بجوار بئر زمزم.