الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والأفراد الذين ينتسبون إلى هذه الجماعة توارثوا خدمة الكعبة المشرفة منذ الجاهلية على النحو الذى وضحناه آنفا. وقد انتقلت إلى أفراد هذه القبيلة مهام الإجازة والإفاضة من عرفات واقتصرت عليهم لهذا يقف أحد أفراد هذه الجماعة بعد الوقوف بعرفات ويصيح بصوت عال «أجيزى صوفة» ويعقبه آخر صائحا «أجيزى خندف» .
بناء على هذا تتحرك من عرفات كل البطون التى تنتسب إلى هاتين الجماعتين ثم يتحرك بعدهم بقية الحجاج.
نشأة الإجازة:
ابتدعت وظيفة الإجازة فى زمن غوث، وحصل غوث على هذه الوظيفة من قبل أمه.
كانت أم غوث امرأة من الجراهمة وقد ظلت لفترة طويلة عاقرا بدون أبناء وذات يوم نذرت قائلة: «يا رب إن أنجبت ولدا سوف أنذره للكعبة» وسرعان ما حملت وعند ما وضعت غوثا بعد مرور تسعة أشهر قدمته لخدام الكعبة المفخمة وفاء بنذرها وكبر غوث وعند ما بلغ السن الذى يقدر فيها على العمل أخذ يقوم بخدمة الكعبة المشرفة لفترة طويلة. وهكذا اكتسب حب الناس واحترامهم وزادت مكانته فى أعينهم وكان وفيا بعهده، لذا كان الناس يستشيرونه فى كل أمر ويعملون وفق مشورته.
وزاد نفوذ غوث بالتدريج حتى أصبح أمر الذهاب إلى عرفات والعودة منها مقصورا عليه.
وفى تلك الأثناء وضع قواعد الإجازة وعند ما وهبت أم غوث ابنها للكعبة المشرفة وفاءا بنذرها أنشد والدها مرة أو أد هذه الأبيات
إنى جعلت رب من بنية
…
ربيطة بمكة العلية
فباركن لى بها إليه
…
واجعله لى من صالح البرية
وكان غوث يقول عند ما يعطى أمر القيام من عرفات:
لا هم إلى تابع بتاعه
…
وإن كان إثم فعلى قضاعة
وبعد وفاة غوث انتقل السماح للحجاج بالتحرك من عرفات والبدء فى رمى الجمرات إلى أبنائه وأحفاده.
ولما أوشكت هذه القبيلة على الانقراض أخذ أمر الإجازة أبناء بنى سعد بن زيد مناة بن تميمة إلى أن انتقلت هذه المهمة إلى أيدى بنى سعد وكان رؤساء الجماعة سواء من جاءوا من صلب غوث، أو من نسل أبنائه وأحفاده كلهم يقال لهم، صوفة.
وجماعة بنى سعد هم الذين ذكرناهم من قبل أفراد قبيلة تنتهى إلى آل صفوان بن شحنة بن عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم.
وصفوان بن شحنة أول من تولى من هذه القبيلة وظيفة إعطاء الإجازة إلى الحجاج فى عرفات.
وسلسلة نسب كرز بن صفوان الذى تشرف بإدراك عصر النبوة الميمون ترتبط بشجرة هذه القبيلة وتحكم آل صفوان فى ممارسة مهمة الإجازة إلى الحجاج لم يكن يقل عن استبداد قبيلة صوفة.
لم يكن باستطاعة أحد من الحجاج أن يتجرأ على العودة من عرفات ورمى الجمار فى صحراء منى قبل أفراد آل صفوان حتى ضاق بهم الناس أشد الضيق واستاءوا أشد استياء.
وكان الحجاج كلما ألحوا فى الرجاء والتوسل إلى رجال بنى صفوان فى أيام رمى الجمار قائلين أغيثونا إن الوقت يمضى. كانوا يجيبون عليهم بكلمات غير لائقة قائلين: «كلا كلا ما زال الوقت مبكرا فلم تمل الشمس بعد إلى الغروب» فإذا رجوهم وتوسلوا إليهم أن يستعجلوا بعض الشئ كانوا يمعنون فى التأخر
ولم يكن الحجاج فى فترة الانتظار يكفون عن الشتائم والسباب والدعاء عليهم كما كان إحساسهم بالانكسار مفرطا.
وكانوا يماطلونهم، فى ممر منى ويسمحون بالمرور أولا لأتباعهم ببط ء ثم يأذنون للناس بالمرور.
وقد تحمل الحجاج هذه المضايقات التى توغر الصدور رضوا بها أم لم يرضوا حتى انقرضت سلالة «آل صوفة» أو «آل صفوان» .
يكفى لإثبات مدى تحكم آل صفوان واستبدادهم هذه الأبيات التى قالها (أوس بن تميم السعدى) فى أثناء توليهم ممارسة إعطاء الإجازة للحجاج.
لا يبرح الناس ما حجوا معرفهم
…
حتى يقال أجيزوا آل صفوانا
وبناء على ما قيل أعلاه-عند ما كان رؤساء آل صوفة وآل صفوان يضيقون على الحجاج ويتحكمون فيهم كما ذكر كانت الإفاضة من المزدلفة، وإعطاء الأمر والإجازة فى يد بنى عدوان وحكرا عليهم كما يتضح ذلك من الأبيات الآتية كيف أنهم توارثوا كابرا عن كابر مهمة الإجازة.
غدير الحى من عدوان
…
كانوا حية الأرض
بغى بعضهم ظلما
…
فلم يرع على بعض
والموفون بالفرض
…
والموفون بالفرض
بالسنة والفرض
…
بالسنة والفرض
فلا ينقض ما يقضى
…
فلا ينقض ما يقضى
كان أبو سيارة عميلة بن الأعزل ممّن بقى من أفراد قبيلة عدوان. وقد أدرك عصر النبوة
(1)
.
(1)
عميلة (مصغرا) بن خالد بن سعد بن الحارث بن عابس بن زيد بن عدوان العدوانى، أبو سيارة. ذكر الفاكهى أن أبا سيارة كان قبل أن يغلب قصى على مكة. فهذا يدل على تقدم عصره عن زمن البعثة.
وهو غير أبى سيارة المتعىّ (بضم الميم وفتح التاء) الذى ذكره ابن السكن وغيره فى الصحابة. أخرج حديثه أحمد والبغوى وابن ماجه.
راجع الإصابة للحافظ ابن حجر 94/ 7،ترجمة رقم (580).
وفى العصر الذى أشرقت فيه شمس الإسلام وأصبحت تبعث الضوء فى عيون الأنام، كان أبو سيارة هذا يتولى إجازة المزدلفة كما يفهم من خلال هذه القطعة الشعرية التالية.
نحن دفعنا عن أبى سيارة
…
وعن مواليه بنى فزارة
حتى أجاز سالما حماره
(1)
…
مستقبل القبلة يدعو جاره
قوله «سالما حماره» يشير إلى إعطاء أبى سيارة رخصة الإفاضة من المزدلفة للناس، من فوق ظهر الحمار وهو مطابق تماما لرواية سيرة ابن هشام.
وقد قلنا فى بداية الاستطراد إنه عقب وقفة عرفات، يقف واحد من آل صفوان، ويقول أجيزى صوفة ثم يقف شخص آخر بعده يصيح قائلا «أجيزى خندف» ،وقد عرفنا من الذى يلقب صوفه والآن يجب أن نعرف ما المقصود بخندف.
و «خندف» :هو لقب سيدة تسمى ليلى بنت حلوان بن عمران وهذه السيدة هى زوجة إلياس بن مضر
(2)
من أجداد النبى الكرام.
وتبعا لما ذكره الذين نقلوا أو تحدثوا عن سبب تسمية ليلى بنت حلوان باسم خندف
(3)
مسوق فى الرواية الآتية: إن ليلى هذه أنجبت ثلاثة أبناء من إلياس هم:
عمرو وعامر وعميرة. وذات يوم وبينما كان هؤلاء يرعون إبل أبيهم إلياس جفلت الإبل من وثبة أرنب نافر. وعند ما رأى عمرو جفول الإبل وتفرقها، قفز سريعا من داخل الخيمة وجرى من خلف الأرنب حتى أدركه وأمسك به فسمى مدركة.
(1)
قيل إن حماره هذا عمّر أربعين سنة من غير مرض حتى ضربوا به المثل فقالوا: «أصح من عير أبى سيارة» . الإصابة 94/ 7.
(2)
هو الشخص الذى أهدى أول قربان للكعبة المعظمة.
(3)
عند ما يسير الإنسان ضاما أصابع قدميه كاشفا كعبه مديرا باطن قدميه يقال له خندف.