الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصورة العاشرة
فى تجديد مبانى الكعبة المقدسة للمرة التاسعة
قد جددت أبنية كعبة الله للمرة التاسعة من قبل «عبد الله بن الزبير بن العوام- رضى الله عنه-،وسبب هذا التجديد ضرب «حصين بن نمير» كعبة الله المقدسة وتخريبها بعد حرقها مستخدما المنجنيق.
وبعد ما بلغ خبر استشهاد قائد شهداء كربلاء إلى الأقطار الحجازية غمر الحزن الأسى فى قلوب السكان بموت حفيد النبى (الحسين بن على المرتضى) رضى الله عنهما. ورانت على القلوب علامات الدهشة، أراد عبد الله بن الزبير أن يعزى أهل مكة واستدعى أكابرها وأعاظمها ثم صعد المنبر وحمد الله-سبحانه وتعالى وأثنى على نبيه-صلى الله عليه وسلم-وفق طريقة خطباء العرب-ثم ألقى خطبة بليغة ذات أثر شديد، وأخذ يعدد معايب يزيد البليد ومظالمه وجذب إليه قلوب الناس.
خطبة ابن الزبير:
(يا صناديد الحرم إن معظم سكان بلاد العراق وأقطاره بلاد الآفاق أهل غدر وفتنة. إنهم قد استدعوا قرة عين الرسول ونور بصر البتول الإمام الهمام «الحسين بن على بن أبى طالب» -رضى الله تعالى عنهم-بوسائل مختلفة ورسائل عديدة وإن دناءة سكان الكوفة تفوق دناءة سكان الولايات الأخرى الذين تجرءوا على استقبال الإمام بسيوف الغدر المسلولة. إنهم أهانوا وردة الروضة النبوية مع أكثر أهله إذ أوردوهم مورد الشهادة بسيوفهم الغادرة.
إن هذه الطائفة الباغية قد قتلت واحدا من أهل الصلاح والسعادة الذى كان يقضى ليله عابدا ونهاره صائما، بينما كان الناس يقضون أوقاتهم متمتعين بفرط غناهم ويستمتعون بملذات دنياهم فى سفاهة، كان هذا الملك الربانى يقضى أوقاته فى البكاء من خشية الله، بينما كان الآخرون منتشين من ملذات الحياة
وسكارى من جاههم، كان الإمام الشهيد فى مجلس ذكر الله ومقامه وكان صائما دائما حذر الحرام».انتهى.
قد عرف يزيد العنيد أن عبد الله بن الزبير يمتنع عن البيعة له معتمدا على كعبة الله وأهل الحرمين، ولذا بعث إليه الرسل يطلب منهم أن يأخذوا بيعة عبد الله بن الزبير، وإلا يسوقوه مصفدا بالسلاسل إلى الشام، إلا أن عبد الله بن الزبير رد على رسل يزيد قائلا: لا أبايع يزيد ولا أسافر معكم إلى الشام، وبناء على هذا عاد رسل يزيد خائبين ونقلوا ما حدث إلى يزيد.
ولم يقنع يزيد بمن بعثه من الرسل بل اختار سبعة من صناديد الشام ومعهم «نعمان بن بشير الأنصارى وعبد الله بن عضاه
(1)
الأشعرى» و «مسلم بن عقبة المزنى» ،وبعثهم جميعا إلى عبد الله بن الزبير.
لقى رسل الشام عبد الله بن الزبير وبذلوا كل جهدهم ليأخذوا منه البيعة ليزيد، وعند ما كانوا يلحون على أخذ البيعة منه، قال عبد الله بن الزبير مخاطبا نعمان بن بشير: من فينا أعلى مكانة بين قومه؟ أنا أم يزيد؟ والدى وعماتى وخالاتى أم والد يزيد وعماته وخالاته؟ وكان رد نعمان بن بشير: يا ابن الزبير إن والدك حضرة الزبير، ووالدتك ذات النطاقين أسماء بنت أبى بكر، وخالتك عائشة بنت الصديق، وعمة أبيك خديجة الكبرى، ومن هنا فمن جهة أقاربك وقبيلتك فأنت أعلى منزلة من يزيد، فقال له عبد الله: هل تستصوب بيعتى ليزيد وأنت تعرف كل هذا؟ فهل ترى أنه من المناسب أن أبايع يزيد؟ قال: لا أراه مناسبا وبهذا تمسك عبد الله بن الزبير برأيه ورفض البيعة ليزد رفضا باتا، وعاد رجال الشام خائبين. بينما كان رسل الشام فى طريقهم إلى بلادهم أخذ عبد الله بن الزبير بيعة أهل الحجاز وتهامة وضمهم فى صفه ما عدا «عبد الله بن عباس ومحمد بن أبى بكر» وطرد ولاة يزيد وموظفيه من حدود أرض الحرمين الميمونة.
(1)
الطبرى 490،476/ 5.
اطلع يزيد على ما حدث وأراد أن يؤدب أهالى المدينة المنورة ومكة المكرمة، وأرسل جيشا تحت قيادة الخائن «مسلم بن عقبة المزنى» وزوده بتعليمات غير لائقة، إذ أمره أن يجرى مذبحة فى المدينة المنورة وينهب أموالهم، وبعد ذلك يتجه إلى مكة المكرمة حتى يقبض على ابن الزبير ولما كان مسلم عازما على تنفيذ أوامر سيده حرفيا تعلم من «عبد الملك» فن الدسائس والحيل وطبقه على أهل المدينة، وقتل منهم ستة آلاف أو أربعة آلاف بناء على قول آخر، ثم اتجه إلى مكة المكرمة وبعد مرور ثلاثة أيام من خروجه من المدينة ساء مزاجه ويئس من حياته.
استدعى بناء على الأمر الذى كان تلقاه من يزيد فى الشام «حصين بن نمير الكندى» وقال له: قد عينتك قائدا لهذا الجيش. يجب أن تصل إلى مكة وتعلن الحرب وتشعل نار القتال حتى تقبض على ابن الزبير. ولا تقل إن مكة بلد الله، كيف نحارب جيران بيت الله؟ بل من واجبنا أن نحترمهم ونرعاهم؟! بل بادر بنصب المجانيق على رءوس الجبال، وألق الحجارة على كعبة الله ناويا تخريبها حتى تثير الفزع فى نفوس الناس وحاصرهم، وضيق عليهم سبل العيش، قال هذا وانحدرت روحه إلى جهنم وهلك عند ما وصل إلى جبل مشلل.
حدثت وقعة المدينة المنورة المذكورة الأليمة سنة 62 هجرية
(1)
الموافق 28 من ذو الحجة وفى يوم الأربعاء، وكان عدد الذين نالوا ثواب الشهادة من أهل المدينة المهاجرين والأنصار 700 شهيد وكان الباقى من التابعين والموالى.
قد تعرضت المدينة المنورة فى تلك الوقعة للنهب والسلب مدة ثلاثة أيام، وأكثر من ألف امرأة للاغتصاب على ما ينقله الرواة.
قد ذكرت بالتفصيل كيفية وقوع حادثة المدينة فى بحث وقعة الحرة وفى الصورة التاسعة من الوجهة الثالثة من مرآة المدينة فمن يرغب الاطلاع عليه الرجوع لهذا الكتاب.
(1)
ويقول بعض المؤرخين أنها حدثت فى سنة 64 هجرى.
قد نصب «حصين بن نمير» وفق الأوامر التى تلقاها من مسلم-الذى يناقض حقيقته اسمه-فى شهر المحرم من السنة المذكورة مجانيق فوق جبل أبى قبيس وجبل أحمر، وحاصر مكة أربعين يوما وقتل كثيرا من المسلمين وعذب أهل مكة، وضيق عليهم الخناق.
وفى هذه الفترة وصل خبر هلاك يزيد-الظاهر الشناعة-فاضطر حصين للعودة. دامت هذه الحرب والمحاصرة من اليوم الثالث والعشرين من شهر محرم إلى قرب غرة ربيع الآخر، واحترقت أستار الكعبة وسقفها وانشقت جدرانها وتحطمت من جراء النار التى سرت من الحجارة المحرقة التى انهالت عليها، كما احترق قرنا الكبش الذى أنزله الله من السماء لفداء إسماعيل، واللذان كانا معلقين على سطح الكعبة.
وقعت فاجعة احتراق الكعبة فى يوم السبت الثالث من ربيع الأول، إلا أن حصين بن نمير قد استمر فى الحرب إلى أن بلغه خبر وفاة يزيد. وقد عرف خبر وفاته بعد احتراق الكعبة بسبعة وعشرين يوما. فترك مكة المكرمة فى ليلة الأحد اليوم الخامس من ربيع الآخر وقفل راجعا.
يروى أن هذا الحريق الهائل بدأ من احتراق خيمة، والمؤرخون الذين قبلوا هذه الرواية وضحوا الحادث بهذه الصورة: إن الشجعان الذين انضموا إلى عبد الله بن الزبير لجأوا إلى المسجد الحرام مأمن الإسلام، واحتموا بساحته ونصبوا خيامهم على جوانبه الأربعة، وكانت غايتهم من ذلك أن يحتموا بها كلما زادت حرارة الشمس وكلما ألقيت الحجارة من المجانيق.
وقد نصب حصين بن نمير المجانيق فوق جبل أبى قبيس وكذلك الجبل الأحمر، وكانت الحجارة الملفوقة بخرق مبللة بالزيت والملقاه على الكعبة لا تنقطع عن الانهمار.
قد دوام الشوام على إلقاء الأحجار إلى حد أن الأحجار التى أصابت البيت
الشريف مزقت كسوته إربا إربا، كما أن الأبنية المباركة تداعت وتهاوت وبدأت أحجارها تتساقط.
وفى يوم اشتدت برودته وعصفت رياحه تطايرت شرارة من نار إحدى الخيام فأحرقتها، وكانت الخيمة منصوبة بين باب الصفا والركن اليمانى، وانتقلت الشرارة إلى ستارة الكعبة الممزقة فأحرقتها، وانتقلت النار من الستارة إلى الأحزمة الخشبية التى تحيط بالكعبة فاحترقت، ومنها إلى حيطان الكعبة وتحول البيت إلى قطعة نار.
وبما أن البيت المعظم كان من المبانى المقدسة التى أقامتها قريش فكان قابلا للاحتراق؛ لأن القرشيين كانوا قد بنوا البيت من أساسه إلى سقفه جاعلين جدرانه طبقة من الحجارة وطبقة من حزام خشبى. وبينما كانت الأحزمة الخشبية لجدران الكعبة تحترق تحرك الحجر الأسود من مكانه فأراد عبد الله بن الزبير أن يثبته بإذابة فضة وصبها على جوانبه؛ إلا أن أركانه الأربعة كانت قد تكلست بشدة النار كما أن الركن الكائن فيه أصابه الوهن فلم يمكن عمل شئ.
وكانت جدران بيت الله حيثما يحط عليها الحمام تتفتت تحت تأثير سيقانه، مما حمل من يشاهده من المؤمنين على البكاء دما بدلا من الدموع، وفى النهاية مضت جماعة من القرشيين
(1)
.وبنى أمية إلى حصين بن نمير وأخبروه أن الحجارة التى رماها قد خربت الكعبة المعظمة؛ إلا أنه أنكر أن يكون قد خرب الكعبة، وفى هذا الوقت بلغه نعى يزيد فكف عن الحرب والحصار وسحب جنده وعاد إلى الشام.
(1)
كان عبد الله بن خالد بن أسد القرشى منهم.
الشكل العاشر
]
جمع عبد الله بن الزبير الأعيان وعظماء الناس من مكة عقب الحرب، وذكرهم بأنه يأمل أن يعالج ما تهدم من أبنية الكعبة ويجددها-كما ذكرهم بحديث بانى أركان الشريعة الرصينة عليه أكمل التحية إذ قال لعائشة-رضى الله عنها- «يا عائشة لو لم يكن قومك قريبى العهد بالجاهلية لهدمت أبنية بيت الله وجعلت للبيت بابين يفتح أحدهما على الشرق والآخر على الغرب، وأدخلت إلى بيت الله من الحجر مقدارا ما طوله ستة أذرع أى ثمانية أقدام» (حديث شريف) وبما أن مال قريش الحلال لم يكف لإدخال الحجر فى البناء عند ذلك الوقت تركوه خارج البيت، ثم قال لها تعال أريك الجزء الذى أبقوه خارج البيت ثم أخذها إلى تحت الميزاب وقال: هذا هو المكان وأشار إلى مكان حجر إسماعيل ما مقداره سبعة أذرع أى 9 أقدام و 11 بوصة، ثم قال عبد الله للمجتمعين إنما أردت أن أبين لكم أن النبى-صلى الله عليه وسلم-أجاز تجديد الكعبة، وفى نفس الوقت أردت أن أبحث الموضوع معكم وأستشيركم. وكلكم تعرفون أن الحجر الأسود
(1)
قد تحطم من أثر ضربة بحجارة حصين النارية وألصق بالفضة المذابة، كما أخذت حجارة جدران كعبة الله تتساقط من جميع الجهات.
وبهذه الكلمات البليغة ابتدأ عبد الله باستفسار رأى عظماء الحاضرين ثم أخرج الحجر الأسود من مكانه ووضعه فى صندوق بعد أن لفه فى قطعة من الديباج، وأغلق الصندوق بقفل وحفظه فى دار الندوة، كما أمر أن تحفظ الهدايا الموجودة فى خزانة الكعبة فى دار شيبة بن عثمان.
(1)
تحطم الحجر الأسود ثلاث قطع، أخذ بنو شيبان قطعة ليحفظوها عندهم ثم استردها عبد الله منهم، وألصقها بالقطعتين الأخريين ثم عالج أطراف الحجارة بمادة تشبه الجبس ليحافظ على تماسكها هى والقطعة الثالثة التى ألصقت فى الجهة العليا من الحجر الأسود الآن.
اجتمع أعيان الأشراف ووجهاءهم عند ابن الزبير ووافق بعضهم
(1)
رأيه وخالفه البعض الآخر
(2)
،غير أن ابن الزبير لم يلق بالا إلى رأى المخالفين، واستقر رأيه على تنفيذ ما فى ضميره.
وخاف أهالى مكة من هدم كعبة الله وهربوا إلى قمم الجبال، وأظهر عمال البناء استياءهم من هدم الكعبة بالتراخى فى العمل. ولما رأى عبد الله بن الزبير ذلك جعل بعض عبيده الحبشيين ذوى السيقان الرفيعة يصعدون فوق الكعبة مبطلا الحكم الحديث الذى يحفظه عن النبى-صلى الله عليه وسلم «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة» .
وبدأ فى هدم البناء يوم السبت الخامس عشر من جمادى الآخر من السنة المذكورة، وأراد أن يحضر من اليمن نوعا من المادة المستخرجة من الزعفران ليخلطها بالمونة اللازمة لبناء البيت، ولكن بناء على اعتراض بعض أهل التخصص بأن هذه المادة تحول دون تحجر المونة انصرف عنها، واستحضر من صنعاء اليمن كلس بأربعمائة دينار. وحتى لا يمنع الطائفين من الطواف فى أثناء عمليات البناء. وبناء على إخطار عبد الله بن عباس أحاط البيت بسور خشبى، وغطى السور بستارة من القماش وهدم أبنية البيت حتى وصل إلى أساس إبراهيم القديم، وكان قد حفظ الحجر الأسود بعد أن وضعه فى صندوق فى دار الندوة.
وشرع فى بناء جدران الكعبة وفق ما جاء فى الحديث الشريف الذى ذكر أعلاه على أسس بناء إبراهيم-عليه السلام،الذى عثر عليه وأدخل حجر إسماعيل داخل كعبة الله دون أن يراعى قواعد قريش فى البناء، وفتح بابا عرضه ثلاثة أذرع أى 4 أقدام و 11 بوصة فى الجهة الغربية أيضا بلغ ارتفاع الجدران إلى ثمانية وعشرين ذراعا أى 38 قدم و 3 بوصات، وجعل سمك الجدران ذراعين
(1)
من الأصحاب الكرام الذين وافقوا على تجديد البيت جابر بن عبد الله بن عمير وعبد الله بن صفوان.
(2)
وكان عبد الله بن عباس موافقا على فكرة تجديد البناء؛ إلا أنه خالف عبد الله بن الزبير فى الرأى حتى لا يتخذ الملوك هدم البيت وبنائه عادة لهم.
أى قدمين وعشر بوصات. إن ارتفاع الكعبة التى بناها إبراهيم-عليه السلام يصل لستة أذرع وارتفاع كعبة قريش (18) ذراعا، حتى قال ابن الزبير إن قريش أضافت (9) أذرع على ارتفاع كعبة إبراهيم-عليه السلام،وإن أضفت (9) أذرع على بنائهم فأصبح ارتفاع الكعبة (27) ذراعا.
قد فرش ابن الزبير عشرة أذرع من الساحة التى حول المطاف بالحجارة التى بقيت من بناء الكعبة، وزين الكعبة الشريفة بتعليق كسوة مزينة، وطيب خارج الكعبة وداخلها بالعود والعنبر والمسك وبخرها كما غطى العمودين المسميان بالحنان والمنان بصفائح من الذهب، كما صنع مفتاحا من الذهب لباب كعبة الله المسمى بالمعلا سنة 64 هـ.
عند ما حفر الأسس التى لم تندرس إلى عهد سيدنا إبراهيم، وعمّق ظهر فى الحفر حجارة لامعة وأراد أن يستخرج هذه الحجارة وضرب ضربة شديدة بفأس، وعند ذلك اهتزت أركان الكعبة الأربعة من أثر الضربة واستولى قلق على أهل مكة وندم الذين وافقوا عبد الله بن الزبير فى تجديد الكعبة.
ولم يتأثر عبد الله بن الزبير من قلق الناس قيد أنملة، واستدعى عبد الله
(1)
الصحابة الأجلاء وأراهم قواعد إبراهيم ثم أمر بطرح الأساس، وأنزل عتبة الباب الشرقى حتى أرض المطاف كما أنزل عتبة باب المعلا الجديد فى الناحية الغربية حتى الحجر الأخضر المتصل بالفسقية الكائنة فى الجهة الغربية.
وكان الحجر الأسود قد ظل فى الحريق الذى حدث فى عهد قريش، وتجزأ وظل أحد أجزائه محفوظا عند أحد الأشخاص من بنى شيبة، وعند ما أراد عبد الله بن الزبير أن يضع الحجر الأسود فى الصندوق أخذ الجزء الذى عند ذلك الشخص وألصقه بالحجر الأسود مستخدما الفضة
(2)
ثم حفظه، وعند ما أراد أن
(1)
كان عبد الله بالطبع من بين الموجودين وحينما أخذ فأسا وضرب الحجارة اللامعة اهتزت أركان الكعبة الأربعة كما اهتزت أسس محلات مكة المكرمة ومنازلها.
(2)
حينما حج هارون الرشيد رأى أن الفضة المذكورة قد وهت؛ لذلك أمر أن يثقب الحجر من فوقه وتحته، وصب فى الثقب فضة مذابة وهكذا قوى الحجر.
يضعه فى مكانه الذى فى بيت العزة استدعى ابنه عباد وجبير بن شيبة بن عثمان، وقال لهما بينما أنا أصلى صلاة الظهر اذهبا إلى دار الندوة وخذا الحجر الأسود منها وضعاه فى مكانه، وكبرا بعد أن تستراه قال هذا وأم الناس ليصلى صلاة الظهر.
قد تشاور عباد وجبير بن شيبة بن عثمان ثم وضعا الحجر الأسود على طرفى الستارة الخشبية الكائنة بين كعبة الله ودار الندوة، وأحاط بهم الناس من الطرفين ثم وضع الحجر الأسود على ثوب طاهر فى شكل ظاهر، ومرا من بين الناس ووضعا الحجر الأسود فى مكانه وغطاه، ثم كبرا مبشرين باستقرار الحجر فى مكانه. وقد وضع الحجر الشريف فى مكانه حضرة عباد، وساعده فى ذلك جبير بن شيبة.
وقال عظماء قريش بعد أن فرغوا من أداء الصلاة، وقد عرفوا أن الحجر الأسود قد وضع مكانه إن قريشا عند ما أرادت أن تضع الحجر الأسود فى مكانه تنازعت عدة أيام، وكادت تدخل مع بعضها البعض فى الحرب والقتال بعد ما استمر القيل والقال فيما بينها عدة أيام فأتى الرسول-صلى الله عليه وسلم،وحسم النزاع بعون رؤساء القبائل الأربعة؛ وهل من اللائق ألا يتبع عبد الله بن الزبير هذه الطريقة ويرعاها؟! وقد أرادوا بهذا أن يثيروا الفتنة بين سكان مكة إلا أنهم لم يجدوا من يقف بجانبهم فاضطرو للسكوت.
وقد تم تجديد البيت فى يوم الثلاثاء فى الثالث من شهر رجب أو السابع والعشرين منه من العام الرابع والستين من الهجرة، وعند ما انتهى العمل تماما فى البيت ذهب عبد الله بن الزبير مع جميع أهل مكة إلى التنعيم لأداء العمرة، ونحر مائة رأس من الجمال كذلك ذبح كل واحد منهم ما معه من قرابين كل على حسب قدرته وهكذا جعل اليوم مبتهجا كالعيد.
وتعرف هذه العمرة بعمرة الأكمة أو العمرة الرجبية بين أهالى مكة، وكان
المكيون إلى وقت قريب يذهبون إلى التنعيم بنية العمرة ويذبحون القرابين، ويظلون فى المشهد
(1)
عدة ليال يفرحون ويبتهجون. وفى وقتنا هذا أيضا يذهب الناس إلى تلك الجهات للاحتفال إلا أنهم لا يسمونه العمرة الرجبية. وليس الآن من العادة أن يخرج للعمرة وتذبح القرابين فى اليوم السابع والعشرين من رجب.
وفى الواقع يخرج الناس إلى ذلك المكان فى كل عام للتمشية والاحتفال إلا أنه يحدث فى الأيام الأخيرة من شهر صفر الخير، وإن هذه الاحتفالات ذات شهرة وبهجة إلا أن الأهالى يذهبون إلى مكان يسمى سرف حيث دفنت زوجة النبى-صلى الله عليه وسلم-ميمونة-رضى الله عنها-،ويقومون بأداء مراسم الزيارة لقبرها ويقضون هناك ما يقرب من ليلتين ثم يعودون إلى أرض الصحراء الزاهرة
(2)
، ويمضون فيها فترة من الزمن وأن هذا الاحتفال بمثابة عمرة الأكمة.
***
(1)
هذا المكان هو المقبرة التى دفن فيها عبد الله بن عمر وهو فى طريق العمرة.
(2)
بناء على رواية أن عبد الله بن عمر مدفون فى هذا المكان، وقبره مزار للناس.