الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الغناء وهو يرتدى القميص الذى جلب له من خزانة الجنان، وقد غرق فى بحر المحبة والصحبة مع الملاك الذى يشبهه قلبا وقالبا واستولى على النمرود قلق وحيرة مما يرى، وقال مخاطبا إبراهيم لو أن المكان الذى أنت فيه كما يتراءى لعينى يدل على أن ربك إله عظيم ذو مقدرة خارقة وعظمة هائلة فأنا أومن به، وإن أمكنك التحرك من هذا المكان الذى تحيط به النار وتحرق ما حولك.
فتعالى، وجاء الجواب نعم إن النار لا تستطيع أن تحرق قدمى، فناداه قائلا إذا كان الأمر كذلك فتعال إلى لأرى فخرج سيدنا إبراهيم من النار التى تشبه الجحيم وهو حافى القدمين وذهب إلى ناحية النمرود.
حكمة
قال مؤلف بدايع الزهور عند ما كان نمرود يمعن النظر من قصره إلى حضرة الخليل، تطايرت شرارة من المحرقة، فأحرقت كل الملابس التى كان يرتديها النمرود المشئوم الطالع الملعون، لكنها لم تمس جسده بضرر وهذه إشارة لطيفة توضح أن النار لا يمكن أن تصيب أى إنسان بضرر، طالما لم يأذن الله القادر بالأذى.
وعند ما رأى النمرود أن النار لم تصب حضرة الخليل بضرر أو أذى قال: يا إبراهيم كنت تتحدث مع شخص يشبهك، وأنت بداخل هذه الروضة، من كان هذا الشخص؟ ولماذا كان يطوف حولك؟ وتلقى جواب إبراهيم: هو ملك الظل أرسله إلىّ حضرة القادر لأتحدث معه، عندئذ كف يده عن إيذائه وإرهابه وقال:
يا إبراهيم لا يمكننى أن أقبل دينك وأترك كل هذه الرفاهية والأبهة والسلطنة ولكننى سأنحر القرابين تقربا لإلهك لأنال رضاءه وأذبح أربعة آلاف ثور ومثلها من الشياه.
إلا أنه زاد طغيانه فيما بعد وهبّ لتحدى خالق الإنس والجن ومحاربته، فسلطت عليه بعوضة وهى أضعف مخلوقات الله فكان موته من قرصتها.
وفى تلك الأوقات كانت النار تحرق الحيوانات التى يذبحها الأفراد قربانا لله
دليل قبوله. وعند ما رأى النمرود أن القرابين التى ذبحها لم تلق قبولا عند الله، لأن النار لم تمسها خجل من الذين يعبدونه ودخل داره ولم يسمح لأحد بالدخول إليه. أما تصرفه هذا كان سببا فى دخول كثيرين من أتباعه فى الإسلام وهكذا لاذ هؤلاء السعداء بقلعة الإسلام المتينة.
وكان للنمرود بنت تسمى «رغفت
(1)
» وكان نور الهدى والسعادة يتألق فى جبين هذه البنت. وقد استأذنت «رغفت» والدها فى الذهاب إلى حافة المحرقة لرؤية إلقاء حضرة الخليل فى النار. وأراد النمرود أن يمنع «رغفت» من الذهاب فادعى كذبا موت إبراهيم قائلا: «يا ابنتى لم يبق أثر حتى لرماد إبراهيم» .
لكن «رغفت» ألحت فى الرجاء، وأخذت الإذن من والدها وذهبت إلى حافة المحرقة التى ألقى فيها سيدنا إبراهيم حضرة الخليل وسط روضة عجيبة الأزهار، فقالت:
«يا إبراهيم، ما أحسن حالك النار لم تحرقك» فلما أجابها «إن النار لا يمكن أن تحرق أولئك الذين فى قلوبهم معرفة الله الكريم وفى لسانهم الكلمة المنجية» بسم الله الرحمن الرحيم فقالت «إذا أذنت لى أن أذهب إلى جوارك» ودخلت وسط النار وهى تردد الكلمات المنجيات بلسان الصدق والإخلاص على النحو الذى علمها حضرة إبراهيم «لا إله، إلا الله إبراهيم خليل الله.
ولما لم تحترق أقرت واعترفت بلا تردد بوجود الله موجود الوجود وسعدت بنيل الوصول إلى سعادة الإيمان السرية. وعند ما ضاق والدها النمرود وتكدر من إيمان «رغفت» بإله إبراهيم، ولم تؤثر فيها النصائح التى ظل ينصحها بها كثيرا لكى ترتد فقيدها من يديها وقدميها، ولكنه لم ينجح فى صرف ابنته عن دين إبراهيم، لأن حضرة الخليل نقل «رغفت» إلى مكان آخر، صور الله سبحانه وتعالى القادر المطلق إحدى بنات النماردة ممن أمعن فى الكفر والشرك على هيئة «رغفت» فقتلها النمرود ظنا منه بأنها «رغفت» .
(1)
يروى أيضا أن اسمها رعفه.
وبعد هذا نقلت «رغفت» إلى المكان الذى هاجر إليه سيدنا إبراهيم، وتزوجت من مدين بن إبراهيم، وأصبح لها من مدين عشرون ابنا وحفيدا واكتسى أكثر هؤلاء خلع النبوة الفاخرة.
وعند ما نجا إبراهيم-عليه السلام-من ضغوط النمرود، صدق بنبوته لوط بن هارون والآخرون من الوجهاء وسعدوا بنيل مرامهم، أما سارة بنت هارون فسبقت الجميع فى الاعتراف بنبوة إبراهيم وردت على تساؤل (أدنى) يا سارة ألا تخافين أن يقتلوك؟
أجابت: كيف أخشى وقد آمنت بإله ابنك خليل الله، ولا بد أن يكون هدف (أدنى) من هذا السؤال هو اختبار مدى قوة إيمان سارة، لأن الحافظ السهيلى.
نقل رواية تتصل بهذا الموضوع والتى تبين أن (أدنى) كانت من أهل الإيمان لكنها أخفت إيمانها وكتمته عن النماردة.
وقد اختلف المؤرخون السابقون فى تحديد شخصية هارون، فقال بعضهم إن هارون كان ملكا على مدينة حران.
وقد تزوج حضرة الخليل من ابنته سارة لما هاجر إلى حران، وقال بعض المؤرخين إن هارون كان أخا إبراهيم.
وقال الآخرون: إنه كان عمه الأكبر، وكان الزواج من ابنة الأخ جائزا شرعا فى تلك الأوقات.
وهناك من يدعى أن أخا إبراهيم وعمه يحملان اسما واحدا وهو هارون وأن ناحور جد سيدنا لقمان بن باعور أخو هارون ويفهم من هذه الرواية أن السيدة سارة كانت ابنة ناحور، والله أعلم بالصواب.