الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويظن البعض أن الذى أخرج سيدنا إبراهيم من الغار هو والده آزر، إذ ذهب إلى الغار عند ما علم من زوجته بوجود ابنه هناك وفى نيته قتله، وذلك لكى يثبت إخلاصه للنمرود. ولكن الله-سبحانه وتعالى-مقلب القلوب جعل آزر يخاطب ابنه-وقد رأى جماله الآسر فعامله برفق ورقة وأظهر له المودة والعطف، وذلك من حكم الله-سبحانه وتعالى-الخفية.
قطعة
سلبتنى قلبى يا إبراهيم وهو نار
…
بالحسن وليس لى فى ذلك اختيار
وفى نار تركتنى
…
وليس لنار النمرود من شرار
وبينما يبدى آزر محبته على ذلك النحو، أبصر سيدنا إبراهيم من خلال باب الغار مجموعة من الإبل وقطعان خيل وغنم وقال ما هذا؟.
فأشار «آزر» إلى كل واحد منها على حدة، وأجابه هذا يسمى غنم، وذلك يسمى جمل، وذلك يسمى خيل وعندئذ سأله: لا مخلوق بغير خالق، ترى من يكون خالقى؟ فلما أجابه آزر خالقك هو أمك. وإذا سألت عن خالقها فأنا خالقها وخالقى هو نمرود. وعندئذ قال إبراهيم إذن فمن يكون خالق النمرود؟ وهنا غضب ولطمه بكفه على وجهه المبارك وأخرجه من الغار.
وعند ما خرج إبراهيم-عليه السلام-من الغار، رأى كوكب الزهرة، أو «المشترى» ثم «القمر» ومن بعده «الشمس» وقال وهو يشير إلى كل واحد منها «هذا ربى» أبى أليس هذا ربى؟ وعند ما غابت كل الكواكب المذكورة واحد تلو الآخر، وأفلت كلها، أفهم والده أنه على الدين الباطل وقال مقولته البليغة التالية «يا قومى أنا لست على دينكم، إنكم تشركون بالله وأنا أتوجه إلى خالق السموات والأرض-سبحانه وتعالى-وأنا لست من المشركين» .ولم يستطع «آزر» أن
يحس وأن يفهم صحة ما ذهب إليه ابنه فيما يعتقده، وأخذه إلى قصر النمرود وقدمه للنمرود وهو شخص كريه المنظر قائلا: ها هو ذا النمرود ربنا كلنا.
وقال بعض المؤرخين إن آزر تأثر من تمسك ابنه إبراهيم برأيه وإصراره عليه وهو ضد دينه فبكى. ولما أدركت (أدنى بنت نمرة) أن النمرود الشقى عند ما يرى إصرار ابنه على رأيه سيقتله بدون شك. راحت تبكى هى الأخرى. فقال سيدنا إبراهيم وهو يسرى عنهما لا تحزنا من أجلى ولا تقلقا فالحافظ الحق الذى تكفل بحفظى وحمايتى فى صغرى، يحمينى ويحفظنى أيضا فى كبرى.
ورغم أنه أراد أن يطمئن أباه وأمه بأنه لا يوجد احتمال تمكن النمرود من إصابته بضرر ما فى أى وقت من الأوقات، إلا أن آزر فكر فى أن أعداءه سيزيدون من كراهية النمرود للطفل، وعدائه عن طريق الوشاية، ولذا عزم أن يبلغ النمرود الخبر بنفسه وأمر ابنه إبراهيم. فذهب إليه وقال: أيها الملك إن الطفل الذى كنت تخشى من ولادته هو ابنى إبراهيم، لقد ولد فيما مضى خارج بيتى ولم أعلم بالأمر إلا اليوم. والآن وقد علمت أقدمه لك وافعل به ما تود أن تفعله، حتى لا تلومنى أو ترجمنى بعد ذلك.
وأخذ ابنه-بناء على الأمر الصادر من النمرود-إلى قصره ولما كان النمرود قبيح الوجه أشد القبح، ويستخدم في حاشيته كثيرا من الشباب ذوى الشكل الملائكى فى الجمال فتعجب سيدنا إبراهيم من هذا الوضع الغريب وبدأ فى السخرية والاستهزاء بالنمرود تحقيرا له وقال:«ياله من خالق عجيب! فقد خلق نفسه غاية فى القبح وسوء المنظر وخلق هؤلاء الفتيان غاية فى الجمال» .
وتبعا لبحث وتحقيق مؤلف «بدايع الزهور» فبرغم غضب النمرود على سيدنا إبراهيم بسبب كلماته تلك فإنه صمت فترة لحكمة يجهلها بنو البشر، وأمر بحبسه إلى الصباح وأن يمثل أمامه فى المجلس الذى سيعقد بعد يوم وفى اليوم التالى أتو بإبراهيم إلى المجلس المنعقد فى حضور النمرود وعند ما رآه فى هذه المرة غضب لأنه لم يستطع أن يقنعه بترك دينه.
ورغم أنه أظهر علامات الحدة والغضب وبالغ فيهما إلا أن حسن جمال إبراهيم ولطف مقاله أوجد فى القلوب-سواء قلب النمرود أو غيره من الموجودين فى المجلس-محبة عميقة خالصة فأظهر لسيدنا إبراهيم الود وقال لأبيه يا آزر ابنك هذا صغير السن ولا يعرف ما يقول ومن العيب أن يظهر حاكم عظيم القدر مثلى، معاملة غير لائقة لصبى صغير السن كهذا.
خذ ابنك إلى بيتك وأحسن معاملته وبين له قدرى وعظمتى، وحذره من مغبة شدة غضبى وعظمة عقابى فأخذ آزر ابنه إلى بيته.
وكان آزر يسترزق من نحت الأصنام زاعما بالباطل كسب المال الحلال ولم ينس وصية النمرود فى تحذير ابنه وتهديده من غضبه. وأشرك إبراهيم ابنه فى عمله وكان يأخذ الأصنام التى يصنعها الأب ليلا إلى السوق نهارا ويبيعها وفق أوامر أبيه، وتحمل حضرة الخليل لفترة مهمة القيام بهذه الخدمة الكريهة وهى بيع الأصنام رعاية لحقوق الأبوة، وكان إذا خرج إلى الطريق لبيع الأصنام التى سلمت له يظهر أنواع التحقير والاستهانة والكراهية لهذه الأصنام وكان ينادى «من يشترى هذه الأصنام التى لا تضر ولا تفيد؟ وكان يربطها أحيانا-ويجرها فى الأسواق ممرغا وجوهها بالتراب كالجيفة القذرة. ويأخذها إلى حافة الماء ويقول اشربى الماء ويقلب رؤوسها إلى الأسفل.
وكان لا بد أن تثير هذه الأعمال النماردة المتعصبين، إلا أنهم لم يقدروا أن يتعرضوا له بسوء، احتراما لآزر وخوفا منه لأنه كان يشغل منصب «حارس الأصنام» وهو بحكم منصبه هذا يتمتع بمكانة لدى موظفى حكومة النمرود وكان له رأى مسموع وحكم نافذ.
وكانوا يشترونها منه حيثما يرونه. ورغم أن هذا الأمر وصل إلى سمع «النمرود» إلا أنه كان قد نسى الرؤيا وتحذيرات الكهنة، لذا لم يهتم بما ظنه شائعات مغرضة إلى أن حل عيد النماردة المشهور.
وكلما كان يحل هذا العيد يقوم كل إنسان بإعداد كل ما يستطيع إعداده فى
بيته من أنواع الأطعمة اللذيذة، ويضعونها حول الأصنام التى فى المعابد ويذهبون إلى الصحراء، ولدى العودة مساء يسعون لعبادة أصنام المعبد ويأخذون بقايا الطعام المتروك فى المعبد.
ويقسمونه فيما بينهم. وكانوا يعتقدون أن أكل الأطعمة التى أخذوها من هناك ستجلب الخير والبركة لمنازلهم. وكان الفئران وسائر الحيوانات تلتف حول الأطعمة وتأكل أكثرها. وكان أفراد النماردة الذين يرون نقص الطعام يقولون إن آلهتنا قد رضيت عنا إذا أكلت من طعامنا ويظهرون السعادة والسرور والفخر لهذا.
وكان هذا المعبد فى ذلك العصر من أمتن المعابد وأجملها حيث توضع الأصنام فيها وقد غطيت جدرانه بالرخام الأبيض والأخضر. وكان فى داخل هذا المعبد ثلاثة وسبعون صنما مصنوعا من الذهب والفضة والحديد والرصاص والنحاس والحجر والأشجار وقد وضع كل واحد منها فى مكانه اللائق.
وكان كل صنم من الأصنام المذكورة موضوعا فوق كرسى من الذهب، كما وضع على رأس أكبرها-ويسمى «بهو» تاج مرصع بالجواهر الفاخرة، وكانت عيناه مصنوعة من الياقوت الأحمر
(1)
.ورصت بقية الأصنام عن يمينه وشماله. «بدايع الزهور» .
وعند حلول العيد المذكور، شغل صغار النماردة وكبارهم بإعداد وترتيب لوازم العيد، وذهب جمع غفير من الناس إلى حضرة الخليل وطلبوا منه مرافقتهم قائلين: «يا إبراهيم سنذهب غدا إلى ساحة العيد الواقعة فى صحراء كذا فإذا ذهبت معنا ورأيت ما أقيم من الزينات وآلهتنا بعد العودة ستؤمن بأننا على دين أفضل، ومنهج مرغوب ومستحسن ولكن الخليل تمتم قائلا سأحطمها وعزم فيما بينه وبين نفسه على عدم الذهاب إلى الصحراء مع هؤلاء الكفرة ونظر إلى السماء -مثل العارفين بعلم الفلك مسايرا لما يعتقده النماردة وقال: يبدو فى اتصال
(1)
إن صنع عينيه من الياقوت كان يغرى الحمقى المشركين بتصديق الكهنة بسرعة.
الكواكب أن مرض الطاعون قد يلم بى واستأذن من والده آزر أن يسمح له بالبقاء فى المدينة وادعى المرض.
وتركه النماردة خوفا من أن يعديهم بالطاعون وذهبوا إلى الصحراء. وخلت المدينة من الناس.
وذهب إبراهيم وحيدا فريدا إلى معبد الآلهة التى كانوا يقدسونها ويعتزون بها ودخل فيه، وأخذ يسخر من الأصنام قائلا: ألا تأكلون هذا الطعام؟ ماذا أصابكم حتى لا تجيبوا؟ ثم أسقط الأصنام الاثنين والسبعين المرصعة والأوثان المزينة بطلاء الذهب من فوق كراسيها فصارت جزازا وعلق الفأس فى رقبة أكبر صنم منها وهو «بهو» وبعد أن فعل هذا رجع إلى بيته
(1)
.
وكانت حكمة سيدنا إبراهيم من تعليق الفأس فى رقبة «بهو» أن يقول للنماردة «سلوا الأصنام التى تعبدونها وقد صارت ألف قطعة ليقولوا من الذى فعلها، وجعلهم على هذه الحال» فهو يريد أن يعرفهم بأن الأصنام لا يمكنها أن تتكلم حتى يشعر النماردة المتعصبون بالحقارة ويستحيوا من أنفسهم.
ورجع النماردة الضالون من ساحة العيد وذهبوا إلى معبد آلهتهم كعادتهم.
وعند ما رأوا الأصنام المطلية بالذهب التى يعبدونها ويقدسونها منذ سنوات طوال- وقد تحطمت جزازا بكوا بحزن وحرقة وتألموا، وارتموا على الأرض من شدة الخوف وتأوهوا، وأخذ كل واحد منهم يبدى رأيه فيما حدث. وقال أحدهم:
«لقد سمعت ابن آزر يهدد بتحطيمها فمن المحتمل أن ينفذ ما عقد عليه العزم ليحقر ديننا، واتفقوا كلهم على هذا الرأى وقالوا «إن إبراهيم بن آزر حطم آلهتنا وسحبوا المشار إليه إلى النمرود لاستجوابه وبدءوا فى تحقيق الأمر بسؤاله أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ وبعبارة بليغة أجاب سيدنا إبراهيم» بالنظر إلى الفأس المعلق فى رقبة «بهو» لا بد وأن يكون هذا التصرف الحقير قد بدر منه، فاسألوه
(1)
عند ما دخل حضرة الخليل إلى ذلك المعبد وحطم الأصنام إلى ألف قطعة كان فى السابعة عشرة من عمره -بدايع الزهور.