الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصورة الثالثة عشرة
تجديد بيت الله للمرة الحادية عشرة
البانى الحادى عشر لبيت الله هو السلطان مراد خان الرابع ابن السلطان أحمد خان عليهما الرحمة والغفران.
ولما كان تجديد الكعبة غير جائز شرعا إلا أن يسقط أحد أطرافها ويتهاوى؛ لذلك لم يتجرأ أحد منذ عهد الحجاج الظالم إلى زمن السلطان المشار إليه على تجديد تلك البقعة المفخمة الجليلة.
وأخذت أركانه الأربعة تميل للسقوط -بسبب قدمها-حتى إن تجديده قد تجاوز درجة الوجوب وبما أنه لم يجدد فى عهود السلاطين السابقين بتلك الحجة الشرعية فقد أوشك البيت الحرام على السقوط فى عهد السلطان أحمد خان الثالث.
ورغب السلطان أحمد خان فى تجديد أبنية ذلك البيت اللطيف السعيد إلا أن الشرع لم يسمح بذلك. كما سبق ذكره فى المقال السابق فقوّى بالأحزمة الحديدية وأعمدة الزوايا كما رمّم وأصلح ركنان من أركانه على قدر الإمكان، وقد حفظ هذا الترميم البيت المعظم من السقوط والانهدام ما يقرب من ثمانية عشر عاما.
إلا أن البلاد الحجازية قد تعرضت فى يوم الأربعاء التاسع عشر من شهر شعبان المعظم من سنة 1039 الهجرية إلى رعود وصواعق وبروق وأمطار لم ير لها مثيل، إذ أن المياه التى نزلت من السماء تجمعت وكونت سيولا كسيل العرم وهجمت بشدة إلى داخل المسجد الحرام وزادت ساعة بعد ساعة وارتفعت مقدار ذراعين من فتحة مفتاح باب المعلا.
إن الحوانيت والمدارس والمنازل التى تصادف وجودها فى طريق السيل الشديد
انهارت كلها وعجزت أتربة البيوت ومبانيها عن الوقوف أمام السيل الجارف فانحرفت أمامه كأنها دليل يقود السيل إلى ساحة الحرم الشريف.
ولا يخمن
(1)
عدد الذين ماتوا تحت أنقاض الحوانيت والمدارس التى تعرضت للسيل الشديد.
وكانت جدران البيت المعظم قد أوشكت على السقوط بعد وقت قليل من أداء صلاة العصر من يوم الجمعة من الحادى والعشرين من شعبان المعظم وفى اليوم الثانى من دخول السيول داخل الحرم الشريف انهارت جدران
(2)
الركن الشامى والركن العراقى فجأة. واختلط صخب الانهيار بأصوات الرعود والصواعق.
فاستولى على أهل مكة خوف شديد حتى إن بعضهم ماتوا من شدة الفزع. قد حير انهيار جدران بيت الله أهل مكة وملكتهم الدهشة حتى ظنوا أن ما حدث فى ذلك اليوم علامة من علامات يوم القيامة. وهاموا على وجوههم مشتتين ولم يعرفوا ماذا حدث لهم، حتى تاه الأبناء عن الآباء والأمهات وشغل الآباء والأمهات عن أولادهم فلم يسأل أحدهم عن الآخر.
وظلت المياه داخل الحرم ثلاثة أيام بعد انقطاع السيل وفى اليوم الرابع فتحت ممرات السيول وأخذت المياه تنسحب من داخل الحرم قليلا فقليلا تاركة خلفها ما جرفته السيول من الحجارة والأوحال التى كونت هنا وهناك مرتفعات تبلغ قامة رجل.
قد عقد-فى ذلك التاريخ-أمير مكة المعظمة الشريف (مسعود بن إدريس) اجتماعا فى داخل الحرم مع الطبقة المختارة من الأشراف وسكان مكة وبعد التشاور أسرعوا بإنزال القناديل الذهبية والفضية المعلقة فى داخل بيت الله وبعد ذلك أخبروا الركاب السلطانية ما حدث فى أثناء السيل أوصلوا خبر انهيار بيت الله بواسطة محمد على باشا والى مصر.
(1)
قد روى بعض المؤرخين أن عدد القتلى الذين أخرجوا من تحت الأنقاض فيما بعد بلغ ألفا.
(2)
قد انهارت جميع جهات البيت باستثناء الركن اليمانى.
وإن كان محمد على باشا قد عرض الخبر على السدة السلطانية حتى يتخذ القرار إلا أنه قرر أن يعد الآلات والأدوات اللازمة لتعمير بيت الله لأنه رأى أنه ليس من الجائز ترك الكعبة فى هذه الحالة والخبر المرسل إلى السلطان سيتأخر لبعد المسافة بين البلدين.
وكتب رسالة إلى مصطفى أغا أمير جدة يأمره بأن ينصاع لكل ما يطلبه منه الشريف مسعود كما أبلغ الشريف أنه يجب تخلية الحرم الشريف مما جرفه السيل وتطهيره وأن يطلب من مصطفى أغا كل ما يلزمه فى سبيل ذلك إلى أن تصل الإدارة السنية من دار السعادة.
واستحضر الشريف «مسعود» بعون أمير جدة «مصطفى أغا» ومهندس مكة المشرفة على «بن شمس الدين أفندى» المقدار الكافى من الأخشاب وأحاط جدران البيت التى نجت من السقوط بأحزمة من ثلاثة أماكن حتى يقويها ثم أقام دعامات كبيرة حول أركان البيت الأربعة بقصد حفظ السقف الشريف للبيت من السقوط ثم ربط هذه الدعامات بعضها ببعض وأحاط بيت العزة حتى سقفه بألواح خشبية.
قد شرع فى هذه العملية يوم الخميس التاسع والعشرين من شهر رمضان من السنة المذكورة وانتهى العمل فى ترميم البيت فى ظرف ثلاثة عشر يوما أى فى يوم الأحد الثالث عشر من شهر شوال وفى هذه الفترة صنعت كسوة من قماش عادى باللون الأخضر وكسيت بها الكعبة العليا يوم الخميس السابع عشر من شهر شوال.
من البديهى أن انهيار كعبة الله قد أزعج المسلمين فى جميع أنحاء العالم إلا أن انزعاج المصريين
(1)
كان أشد لقرب المسافة بينهم وبين مكة المكرمة.
وأخذوا يبرزون شدة تأثرهم بأقوال مثل: أن موسم الحج قد اقترب ولم يرد
(1)
لأن المصريين أول الناس الذين أخذوا خبر انهيار البيت.
من إستانبول الأمر السنى المنتظر؛ لذا قرر محمد على باشا والى مصر إرسال مندوب خاص من قبله إلى الأستانة.
استدعى رضوان أغا الذى تربى فى كنف السلطان وكان من رؤساء الشراكسة وألبسه الخلعة ثم قال له: إننى قد عينتك مسئولا عن أبنية كعبة الله إلى أن يرد الأمر السلطانى من الباب العالى، قد اقترب موسم الحج اقترابا شديدا قم الآن واركب الهجين وتوجه ناحية مكة المكرمة واحرص على إعداد الأشياء اللازمة وبمجرد وصولك هناك ابعث لنا على جناح السرعة كشفا بكل ما تحتاجه من عندنا، ثم أعطاه خلعة ليقدمها إلى الشريف مسعود كما زوده برسالة توجيه للشريف المذكور وأخرجه إلى الطريق، ثم واصل رضوان باشا السير حتى وصل إلى مكان قريب من مكة المكرمة يوم الثلاثاء الثانى والعشرين من شوال وأرسل إل الشريف مسعود من يخبره بأنه أتى حاملا له خلعة من قبل والى مصر، فأرسل الشريف وفدا من عظماء مكة المكرمة وموظفى الدولة ليكونوا فى استقبال رضوان باشا.
وبعد ما تقابل رضوان باشا مع أفراد وفد الاستقبال تحرك نحو مكة ووصل إليها بعد رسوله الذى كان بعثه من قبل بأربعة أيام يوم السبت السادس والعشرين من شوال ونزل فى المنزل الذى كان قد أعده له شريف مكة وفى اليوم التالى يوم الأحد السابع والعشرين من شوال اجتمع الناس داخل ساحة الحرم إذ أقيم فيه احتفال لتقديم الخلعة.
قد حضر مع الشريف مسعود ورضوان أغا-عملا بأصول التشريف-أشراف مكة وعظماؤها وأعيانها وكبار موظفى الدولة والعلماء الأجلاء ووقفوا كلهم بين باب المعلا لكعبة الله ومقام إبراهيم قرئت الرسالة التى تحتوى على الأوامر السامية كما قرئت الرسالة التى كانت تنصّ على إبقاء موظفى الحجاز فى مناصبهم ثم ألبست الخلعة الفاخرة التى بعثها والى مصر-بكل تعظيم وتوقير-للشريف مسعود الذى ألبس أيضا خلعة لرضوان ومرافقيه وعقب ذلك رفع المجتمعون
أيديهم داعين الله ليزيد الدولة قوة وشوكة، والسلطان جلالا ثم انصرفوا عائدين.
وكان داخل الحرم الشريف والطرق المؤدية إليه قد امتلأت بالحجارة والتراب والقمامة مما جرفه السيل. وفى يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شوال واليوم الثالث من وصول رضوان أغا اجتمع بالشريف مسعود والأشراف والعلماء الأجلاء فى الحرم الشريف وتشاور معهم فى تنظيف ساحة المسجد الحرام وتطهيره مما حل به.
وعرض كل واحد رأيه وكانت خلاصة رأيهم أن تنظيف ساحة الحرم فى مدة قصيرة غير ممكن لأن موسم الحج قد حل بل أخذ الحجاج يفدون إلى مكة المكرمة.
إلا أن رضوان أغا فند رأيهم وتصرف بالشهامة والرجولة وحرص على أن يبعث رجاله إلى المدن والقرى الواقعة بين جدة والمدينة المنورة يستدعون كل من يملك حمارا أو حصانا أو جملا وكل من يريد أن يعمل يغرونهم بالأجر الكبير وهكذا جلب كل هؤلاء إلى مكة المكرمة وشرع فى العمل بهمة عظيمة ووفق فى تنظيف الحرم الشريف وتطهيره فى ظرف عشرين يوما فى يوم الثلاثاء التاسع عشر من شهر ذى القعدة.
إن ما جرفه السيل فى داخل الحرم من الطين الممزوج بالحجارة كان قد تحجر عقب انسحاب السيول بفعل الحرارة الشديدة وكون جبلا فى ارتفاع سبعة أذرع أو ثمانية، واكتسب صلابة بحيث لا ينفذ فيه الفأس أو الإزميل أو المثقاب وحينئذ قد بلل الجبل الترابى بالماء ليلا وفقد صلابته وأخذ العمال يحرثون ذلك الجبل العارض بالفئوس والأزاميل كما تحرث الحقول اللينة.
وكانوا ينخلون التراب المحفور بالغرابيل، وينقلون رمله على حدة إلى موضع وترابه على حدة إلى موضع آخر وجاء فى سجل سهيلى أفندى-رحمه الله أنهم كانوا يخرجون ثلاثين أو أربعين ألف حمل تراب يوميا.