الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصورة الثانية
فى تفصيل وبيان كيفية بناء الكعبة المعظمة للمرة الأولى
خاطب خالق الأرضين والأفلاك تعالى شأنه عن الفهم والإدراك الملائكة العظام بقوله: {إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} (البقرة:30)،وذلك ليبدى لهم بأنه-سبحانه وتعالى-سيخلق أبا البشر آدم ليكون خليفة فى الأرض وأدركت الملائكة بشفافية وجدانهم الملائكة أو بإلهام رب العزة أو بالنظر فى اللوح المحفوظ،أن بنى البشر سيسفكون الدماء ويفسدون على وجه البسيطة، وأرادت أن تعرف الحكمة من إعطاء خلافة الأرض إلى بنى آدم الميالين إلى الظلم وسفك الدماء، ولم تعط إلى طائفة معصومة وتساءلت: لماذا تخلق من يفسد فى الأرض؟ ونحن نسبح بحمدك ونقدسك بذكرك فأجابهم الله-سبحانه وتعالى حاسما الأمر بقوله: {إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ} (البقرة:30)،ولم يكن الغرض من تساؤل الملائكة الاعتراض على أفعال الله حسب تقديرهم، ولكن فى هذا السؤال نوعا من الاحتجاج كما يفهم من قول الله تعالى:{إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ} ولذا ندم الملائكة ولاذوا بالعرش الأعظم يبكون ويتضرعون طلبا للعفو والصفح عما اقترفوه ليتجنبوا الغضب الإلهى، واستمروا لمدة ثلاث ساعات يطوفون بالعرش الإلهى ويستعطفون فى تذلل وخضوع وهم فى قلق وخشوع زائدين، وفى النهاية بلغ منهم الرجاء والتضرع العفو والمغفرة واستجلبت توسلاتهم شفقة ورحمة صاحب الكبرياء، وأمرهم أن يطوفوا بالبيت المعمور الواقع تحت العرش الأعظم، ثم أمرهم بأن يبنوا على وجه الأرض بقعة مقدسة فصدعوا بالأمر الإلهى، وقاموا ببناء ورفع بنيان الكعبة المعظمة التى أصبحت مطافا إلى الآن.
تفصيل:
شاء خالق العالم أن يقام بيت مقدس على وجه الأرض، وأرسل كثيرا من الملائكة لإنجاز هذا الأمر، وخاطب الملائكة آنذاك بقوله: «شيدوا على وجه الأرض بيتا معظما وعند ما يطاف بالبيت المعمور فى السماء الدنيا، يطوف أيضا أهل الأرض بهذا المقام الرفيع الذى ستقيمونه على وجه الأرض، بناء على ذلك قام الملائكة الكرام الذين هبطوا إلى الأرض ببناء بقعة مفخمة مباركة فى الموقع المقدس للكعبة المعظمة.
وعند ما صدر الأمر الإلهى للملائكة الذين سكنوا على وجه الأرض ببناء البيت الشريف تحت مستوى البيت المعمور ومحاذاته، وأن يقوموا بالزيارة والطواف حول هذا البيت لم يكن آدم-عليه السلام-قد هبط على وجه الأرض.
وإذا كانت هذه الروايات تشير إلى أن بناء البيت المعظم كان بعد خلق الأرضين فإن على بن أبى طالب-كرم الله وجهه-قال: إن البيت الشريف خلق قبل خلق الأرض والسماء بأربعين سنة، وكان فوق الماء مثل فقاعة بيضاء أو رغوة وبسطت الأرض من تحته وحفظ،وقال الإمام مجاهد مصدقا ما قاله الإمام على «إن خلق موقع بيت الله كان قبل خلق الأرض بألفى سنة، ثم بسطت الأرض تحت الكعبة» بناء على هذا فلا شك فى أن الموضع الطيب لبيت العزة خلق قبل الأرض وأن كعبة الله المقدسة قد شيدت بعد خلق السموات والأرض. وحسبما جاء فى الكتب الموثوق بها أن حضرة الخالق المطلق عند ما أراد خلق وجه الأرض وإيجادها بسط بيد الجلال وقبضة القدرة التى لا نظير لها تراب الموقع المبارك لكعبة الله بعد خلق وجه الأرض، وهكذا ظلت الكعبة المعظمة فى وسط الأرض تحيط بها القشرة الأرضية من جميع الجهات.
وفى الواقع أن الساحة المفخمة للكعبة المعظمة كانت موجودة قبل خلق وجه
الأرض وقبل خلق طبقات الأرضين، وقام ملكان بأمر الله بالتسبيح والتقديس لله تعالى وتهليله لمدة ألفى عام فوق المساحة المباركة.
ونقلت هذه الرواية من قبل الإمام الفاكهى عن طريق عبد الله بن أبى سلمة عن أبى هريرة-رضى الله عنه-لذا لا شك في صحتها.
قد نقل حضرة أبو هريرة الكيفية بهذه الصورة: خلقت الكعبة المعظمة قبل الأرضين وكان تراب موقع الكعبة المعظمة من نفس تراب الأرض، وكان عليها ملكان عظيمان وكانا يسبحان الله-سبحانه وتعالى-لفترة ألفى سنة وعند ما تعلقت إرادة الله بخلق الأرض بسطها تحت الكعبة وجعل مكة فى وسط الأرض.
وقال ابن خلدون مستشهدا بالحديث الصحيح لما سئل النبى-صلى الله عليه وسلم-الواقف على أسرار الكتاب عن خلق مكة المكرمة والمدة بين خلقها وخلق بيت المقدس، أجاب بما يفيد بأن الله-سبحانه وتعالى-خلق البيت قبل السموات والأرض بأربعين سنة وهذا يدل على أن بين خلق البيت المعظم وخلق الأرض فترة أربعين عاما.
ملاحظة: وبمقتضى هذه الإجابة السامية، لا بد وأن يكون بيت المقدس قد خلق بعد الكعبة المعظمة بأربعين سنة. والواقع أن حوالى ألف سنة تفصل بين سيدنا إبراهيم وسليمان بن داوود عليهما صلوات الله الودود.
وإذا جال بالخاطر نوع من الالتباس بين ظاهر إحالة الرسول الجليل وبين هذا السؤال، فإن عقدة هذا الالتباس ليست صعبة الحل لأن ما يعنيه صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم-أنه لم يكن البناء الظاهر للكعبة المعظمة، إنما المكان المخصص للعبادة على وجه الأرض، فقد تم تعيين بيت المقدس ليكون مكانا للعبادة قبل حوالى 1000 سنة من سليمان وبعد البيت الأكرم بأربعين سنة.
وفى تلك الأثناء وضعت القبائل الصابئة هيكل الزهرة على الصخرة وعبدوها.
وصادف هذا الأمر عصر الخليل الشريف، لذا يكون الفارق بين اتخاذ البيت المعظم قبلة واتخاذ البيت المقدس قبلة هو أربعين سنة. وكانت أرض الصخرة آنذاك خالية لا يبعد أن تبقى على هذه لصورة مدة من الزمن إلى أن قام سليمان ببناء المسجد الأقصى.
***