الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أصلح لهم، ورغم هطول الأمطار بغزارة فى فصل الشتاء فإنها لا تؤثر فى تغير طقس أى من المناطق باستثناء بلدة الطائف.
والمعروف أنه مع نزول المطر تنمو كل أنواع الحبوب لكن رياح السموم دائمة الهبوب تدمر وتحرق كل النباتات والثمار ما عدا الحمص والعدس والأشجار التى تقل حاجتها إلى الماء لذا فليس من الممكن أن تنمو الخضراوات والحبوب فى أى مكان سوى الأودية والجبال القابلة للزراعة.
ومناطق الشمال الغربى والجنوب مناطق خصبة بالنسبة لبقية مناطق الجزيرة.
لذا فإن هواءها طيب وأراضيها صالحة للزراعة، وتزدان الجبال والمرتفعات بكثير من البساتين والحدائق الجميلة.
وفى مثل هذه المناطق تنمو نباتات كثيرة مثل السفرجل، التفاح، الخوخ، الصفصاف، الليمون، والتين، النارنج، واللوز، التمر الهندى، الطرفاء، الفستق، والنخيل، الورد، والياسمين، النرجس، الحناء، الزنجبيل، شقائق النعمان، والتيلو، القمح، الشعير، جذور الدهان الأحمر، البن، الدخان، الفلفل الأسود، الباذنجان، نبات النيلة، نبات القنب، ونباتات أخرى شبيهة لما ذكرناها.
البلدة المعظمة مكة المكرمة
البيت السامى المنير الذى ولد فيها سيد الثقلين الإنس والجن عليه الصلاة والسلام، وعاش فيها نخبة من كبار العلماء ذوى البيان الذين أضاءوا الكون بعلمهم بين فخر الكائنات عليه أتم التسليمات، مكة المكرمة التى شرفها الله تعالى إلى يوم الدين. وتقع هذه المدينة الشهيرة فى داخل إقليم الحجاز السعيد ذى المغفرة الذى عرفناه منذ قليل ومعظمه فى داخل الجزيرة العربية ومكة المكرمة مقر إدارة الحجاز وعاصمته.
وموقعها وسط منطقتى الشام واليمامة؛ لذا يبعد كل من البلدين عن مكة المعظمة مسافة ثلاثين-المقصود بها 30 منزلا للراحة أثناء السفر-والطرف
الشمالى للبلدة المباركة مكة المكرمة تحده جبال يثرب والمدينة المنورة وصحارى الشام، والطرف الجنوبى تحده جبال اليمن، والطرف الشرقى تحده وديان البحرين والبصرة ونجد والحجاز، والطرف الغربى يحده البحر الأحمر وتبعد مكة المعظمة عن مدينة إستانبول عاصمة الدولة العثمانية-باعتبار مبدأ الطول-30 دقيقة 15 درجة طول شرقا، وتبعد عن ميناء جدة الواقع فى الساحل الشرقى للبحر الأحمر المعروف باسم «بحر الشب» مسافة ثلاثين ميلا أى 67674 ذراعا فى جهة هبوب الرياح الجنوبية بإحدى عشرة درجة «بحساب البوصلة» .
وتنقسم النواحى الملحقة بمكة المعظمة إلى قسمين هما: نجد وتهامة.
والنواحى التابعة لنجد هى: «الطائف، تمنار، قرن، نجران، مر الظهران، عكاظ،منجرة، كنبة جرش، سراة، أما النواحى التابعة لتهامة فهى نعم، عك، خنكان، ويشى، وادى نخلة، ذات عرق، يليل.
وكل ناحية من هذه النواحى تقع فى واد مستقل، ولها مصادر مياهها المعروفة ومزارعها الوفيرة. وقد تجاوز سكانها ثمانين ألف لعدة قرون، ثم تضاءل عددهم بالتدريج ولكن فى الوقت الحاضر تجاوز عددهم كل العصور السابقة، وذلك بضم سكان البادية وسكان البلاد الساحلية إليها والبلاد الساحلية هى جدة، حلى سوسين، هجم، ثرجة، أبيات حسنين.
وقد أجرى رائف أفندى دراسات كاملة فى هذا الشأن حينما كان موظفا فى ديوان الصحة ما يقرب من ثمانى سنوات أو عشر فى مكة والمدينة، وأمضى وقته فى دراسة أحوال البدو، وقام بالإحصاء الدقيق وأخبر أن عدد سكان مكة المعظمة من الأشراف والأهالى، والمجاورين يصل تقريبا إلى سبعين ألفا. ولما كانت الأمطار لا تسقط بوفرة سواء فى مكة المكرمة أو فيما يجاورها كما يحدث فى الرومللى والأناضول لعدم وجود المياه الجارية أصبح سكان هذه البلدة المباركة مضطرين إلى السفر لجلب المؤن الغذائية والبضائع من البلاد الأخرى، وكان من
عاداتهم إرسال القوافل فى فصل الشتاء إلى نواحى اليمن وفى فصل الصيف إلى الشام لاستيراد البضائع اللازمة من تلك المناطق.
وقد أثبتت السورة الجليلة «سورة قريش» ذهاب أهل قريش فى الجاهلية إلى اليمن مع حلول الشتاء وإلى الشام مع دخول فصل الصيف. وقد أسهب المفسرون العظام فى عرض تفاصيل تتعلق بهذا البحث فى تفسيرهم للسورة الكريمة.
واستمر تردد القرشيين على الشام واليمن بغية جلب البضائع حتى عصر النبوة، وبعد ذلك أخذ الحجاج المسلمون يترددون أفواجا على مكة والمدينة لأداء فريضة الحج ومناسك العمرة، واشتغل أهالى مكة بأعمال الدلالة والإرشاد وسقاية ماء زمزم الشريف وسائر الخدمات التى تقدم للحجيج والعيش عليها مهما كان مقدار ما تدره من نقود. لذلك لم تعد لهم حاجة إلى التردد إلى تلك المناطق.
وغالبية أهالى مكة المفخمة من حضر موت، واليمن والهند والسند والشام ومصر وبلاد المغرب وبلاد الروم وكردستان ومجاورى سائر البلاد على وجه الأرض؛ أى أن كل سكان مكة المعظمة ما عدا الأشراف الكرام من أبناء بنى زبير وأحفاد بنى مخزوم وأولاد بنى شيبة ممن دخلوا الإسلام الذين جاءوا من خارج الحجاز واستقروا بها؛ لذا أصبح أهل مكة الأصليين قلة نادرة.
وولاية الحجاز الجليلة ولاية كبيرة مثل سائر الولايات السلطانية وقد أسندت الإمارة-للأشراف من أجل الإشراف على العربان والآخرين-لشخصية جليلة القدر وقدرة عالية على القيام بالنظارة، كما أسندت إدارة الأمور المدنية والمسائل المالية وأشياء أخرى تتعلق بالإدارة إلى شخص حكيم هو من المختارين من المشيرين العظام. واتخذت مدينة مكة المفخمة مقرا للإمارة ومركزا للحكومة.
إن الموقع السعيد للبلدة المباركة-مكة المكرمة-عبارة عن واد مقوس ومقدس
ممتد بالطول بين سلسلة جبال تتكون من أحجار سوداء. يشمل هذا الوادى السعيد الذى تقع فيه هذه المدينة المقدسة على مبتدأ واحد ونهايتين: بدايته مقبرة المعلى ونهايته من ناحية جدة الشيخ محمود ونهايته من ناحية اليمن «مسجد حمزة» وهذه المواقع السامية تزين الخريطة بهذه الأسماء.
ومدينة مكة الشهيرة تتكون من أحياء: حارة الباب، الشبيكة، جياد، المسفلة، المدعا، المعلى، شعب على، مولد النبى، الكشاشية، المسعى، الشامية جبل قبيس، جبل عمر والسليمانية. وأنشئت بيوت هذه الأحياء ومنازلها وفقا لانحراف الوادى الوعر.
وبسبب استحالة السير بالحيوانات ونقل الأثقال والأحمال بالإبل والدواب بداخل هذه الأحياء حيث اصطفت بعضها فوق بعض حتى منتصف هذه الجبال الواقعة فى كلا جانبى الوادى، فإنه يتم إدخال المؤن والبضائع الواردة إليها من الخارج من شوارع أحياء «المعلا» والشبيكة والمسفلة.
والمكان المزين بالحوانيت والبيوت فى الوادى السالف الذكر يمتد بطول المدينة من باب «المعلا» إلى باب «مغازة» ،وكذلك يمتد من ناحية المعلا إلى «الشبيكة» ومنها إلى «الشيخ محمود» حتى السويقة بمسافة تبلغ 6193 قدم وثمانى بوصات أى ما يعادل 4372 ذراع، وعرضه يمتد من سفح جبل «جزل» حتى منتصف جبل أبى قبيس بمقدار 3096 قدم وأربع بوصات أى ما يعادل مسافة 3186 ذراع، أى أن مساحته طولا من ناحية الشمال إلى الجنوب تبلغ ميلين، ومساحته عرضا تمتد من سفح جبل «أبو قبيس» الواقع فى الجهة الشرقية من المدينة إلى جبل «جزل» الواقع فى الجهة الغربية من المدينة ومساحته السطحية قدر ميل واحد.
وطرق الأحياء المذكورة ليست على ما يرام من ناحية الاتساع والعظم، ورغم هذا فإن مبانيها المبنية بالحجر والطوب غاية فى الرصانة ويطلق اسم «الأخشبين» على جبال جزل وأبى قبيس والجبل الأحمر. وجبل أبى قبيس هو الجبل الكائن
فوق جبل الفا، حيث أن الجبال المذكورة غير منفصلة بل هى سلسلة من الجبال يتصل كل منها بالآخر.
وبالنظر إلى تعريف الأزرقى فإنه يلزم أن يكون اسم الجبل المقابل لجبل «أبى قبيس» قعيقعان ولما انتهى إليه تدقيق صاحب معجم البلدان وتحقيقه أنه يقتضى العثور على اسم جبل يظهر من قمته مسافة المسجد الحرام جليا.
وعلى هذا التقدير فإن الاسم الأصلى لجبل «جزل» قعيقعان، ولما كان أقرب من ناحية الغرب من طائفة «جزل» التى تنصب خيامها فوق الجبل المذكور عند ترددهم إليه من حين إلى آخر وتقيم به فترة للاستراحة أطلق عليه اسم «جبل جزل» .
والبقعة المشرفة للكعبة المكرمة قصر عزة الملك العلام، وقبلة قبائل الإسلام تقع وسط المدينة المقدسة التى أسهبنا فى تعريفها، كما تتوسط المسجد الحرام دائرة الفيوضات الإلهية، وتحيط بالموضع المقدس وتحده مجموعة من البيوت والمنازل العالية الرصينة الأركان وسلسلة الجبال سالفة البيان.
إن البيت المعظم قد بناه الخليل إبراهيم وابنه إسماعيل-عليهما-صلوات الله الجليل-صدعا بالأمر الإلهى المشرف فى البقعة التى لا مثيل لها ولا نظير، حسبما سنوضح ونعرف به فى الصورة الخامسة من الوجهة الثانية، ويقال إن بناءها تم فى المحاولة الأولى وعلى قول فى المحاولة الرابعة. وبعد أن انتهى من بنائه دعوا جميع الخلق إلى الطواف حوله وزيارته.
إن أغلب العرب المنتسبين إلى السلالة التى ينتهى إليها نسب إسماعيل-عليه السلام-عكفوا على أداء فريضة الحج كل عام بعد وفاة إسماعيل-عليه السلام ووالده خليل الرب الجليل، وبذلوا جهدهم لأداء الفرائض الأخرى، ورأوا أن أداء مثل هذه الأمور الشرعية والواجبات الدينية فرض عليهم.