الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المدة ما بين حضرة الخليل وقصى بن كلاب وقالوا: إن قصى بن كلاب هو أول من هدم البناء المقدس لبيت الله الأكرم وبناه من جديد.
وقال أيضا الإمام الماوردى هذا القول وذكر فى كتابه «الأحكام السلطانية» رأيه مفصلا وقال: «إنه بعد سيدنا الخليل-عليه السلام-قام قصى بن كلاب بن مرة بهدمه وتجديده ودعمه ببناء مسقوف بأشجار النخيل ومن أخشاب بلاد الروم وكان ارتفاع جدرانه يزيد تسعة أذرع عن بناء الخليل، وبنى كل مواضعه فى صورة جميلة لطيفة وفق الأسلوب القديم لسيدنا إبراهيم.
وعلى هذا التقدير فإن العمالقة والجراهمة لم يجددوا بناء البيت العتيق بل رمموه وأصلحوه مرة أو مرتين فقط.
انتقال حكومة مكة المكرمة إلى قصى بن كلاب بن مرة:
عند ما توفى كلاب بن مرة بن كعب، كان ابنه قصى صغير السن أما والدته فاطمة بنت عمرو بن سعد بن سيل بن حمالة بن عوف بن غنم بن عامر الجادر بن عمرو بن جشعمة بن يشكر بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نضر بن الأزد فى أعقاب وفاة زوجها سالف الذكر تزوجت من شخص يدعى ربيعة بن خرام بن حبة بن عبد بن كبير بن عذرة بن زيد بن سعد الذى جاء إلى مكة المكرمة مع حجاج بنى قضاعة وذهبت مع ابنها قصى بن كلاب إلى أراضى الشام حيث يقيم زوجها الجديد
(1)
.
وسعد هذا الذى يعتبر من بين أجداد ربيعة بن خرام كتب عنه واحد من شعراء عصره أنه أجرأ وأشجع أبطال عصره ومدحه وأثنى عليه بهذه القطعة.
لا أرى فى الناس شخصا واحدا
…
فاعلموا ذاك كسعد بن سيل
فارس أضبط فيه عسرة
…
وإذا ما عاين القرن نزل
فارس يستدرج الخيل كما
…
يدرج الحر الفطام الجمل
(1)
كان ربيعة بن خرام يسكن فى أرض عذره من ملحقات الشام.
وعند ما بلغ قصى بن كلاب سن التمييز وأصبح قادرا على التفوق بين الحسن والردئ-إذ نمت قوة إدراكه-نشبت نار النزاع واشتد الاضطراب بين القبائل واشتعلت الفتنة بين جماعة آل ربيعة التى ينتمى إليها زوج أمه اضطرب مزاجه وسلبت منه راحته وطمأنينته، ذلك لأنه لم يكن من قبيلة ربيعة رجل يعرف أن كلاب بن مرة هو والد قصى سوى ربيعة، ولهذا كان أرباب السوء من القبيلة يؤلمونه ويعيرونه بأقوال مثل: إن والدك غير معلوم لنا وما ألجأك إلى قبيلتنا سوى انتسابك إلى قبيلة مجهولة لا اسم لها ولا شهرة فلو كان قومك معروفين لك لكنت تحتمى بهم تستنصرهم لتنجو من شرنا.
وقد التوى ابن كلاب من هذا الأمر وانزعج من نباح كلاب بنى ربيعة وقص ما جرى بالتفصيل على أمه فاطمة وشكا لها باكيا متألما وأبدى ما أصيب به من جرح فى نفسه.
وكانت فاطمة أم قصى من أعقل النساء فقالت لابنها لكى تطفئ نار حزنه وتسرى عنه وكأنها تصب عليه ماء الحياة: يا بنى أنت من الصلب الشريف لكلاب بن مرة فأنت أكرم من أبناء آل ربيعة ومن كل الوجوه وأنت أشرف نسبا وأعظم حسبا من كل قبائل العرب، إن قومك وقبيلتك يقيمون فى نواحى مكة المعظمة ويسكنون منذ زمن طويل حول حرم الله.
وهكذا أخبرته أنه ينتسب إلى قبيلة كبيرة من أشرف القبائل العربية.
وعند ما سمع «قصى» هذا الكلام من أمه أراد أن يلحق بقبيلته ويذهب إلى مكة المكرمة وعزم على ألا يعود إلى أرض قضاعة بعد ذلك أبدا فنصحته أمه قائلة: يا بنى لا تتعجل وانتظر إلى أن يحل الشهر الحرام واذهب آنذاك-مع قوافل الحجاج العرب فأنا لا أحبذ سفرك بمفردك ولما حان وقت الحج ذهب إلى منطقة الحجاز برفقة حجاج قبيلة قضاعة وبعد انتهاء الحج أقام خيمة حول كعبة الله وأقام فيها.
وكان قصى حازما بارعا جلدا، وبعد فترة من إقامته فى مكة عرف أهلها شرف حسبه وفضل نسبه فأكرموه كرما شديدا.
وزاد توقير الناس له وتعظيمهم إذ تزوج ابنة حليل بن خبشية بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعى وهو من أعظم رجال بنى خزاعة آنذاك تولى حجابة البيت بعد أن استولى على حكم مكة المكرمة ورئاسة القبائل.
وعلى قول آخر إنه تزوج من عاتكة ابنة فالخ بن مليك بن قالخ بن ذكوان السليمى وحظى منهم بكل مظاهر التوقير والاحترام والقول الأول مرجح على الثانى وقد ثبت أن حليل بن خبشية صهر قصى بن كلاب حقا وعلى هذا فإن «حبا» هى الجدة الرابعة من جدات الرسول صلى الله عليه وسلم.
وبعد هذه المصاهرة بين قصى بن كلاب وحليل بن خبشية اتسع نطاق قدرته ومكانته بالتدريج وتزايد أبناؤه وخدمه وحشمه وأصبح واحدا من صناديد القبائل العظام. وفى أثناء مرض صهره حليل بن خبشية، ترك مفتاح البيت تبعا للقواعد المرعية فى ذلك الوقت وأوصى به إلى ابنته «حبا» زوجة قصى بن كلاب.
ولما كانت «حبا» عاجزة عن إدارة أمور البيت وزوجها ليس من أفراد بنى خزاعة فهى لا تتجرأ أن تعطى مفتاح البيت الشريف لزوجها، ولكن لطول مدة مرض والدها كلفت زوجها قصى بن كلاب مهمة فتح وإغلاق بيت الله. وعلى قول آخر أنها أسندت هذه المهمة إلى أبنائها. ولما اتضح لحليل بن خبشية أنه أصبح على قاب قوسين من الموت عين زوج ابنته ولى عهد له وسلمه مفتاح بيت الله.
وبالرغم من هذا، أخذ صناديد خزاعة المفتاح من قصى بن كلاب عقب وفاة صهره وأعطوه-حسب العادة-إلى أبى غبشان سليم بن عمرو بن لؤى بن ملكان من كبار طائفة بنى خزاعة، وفوضوه فى أمور حجابة وسدنة وخدمة كعبة الله المقدسة. وكان أبو غبشان رجلا فاسدا مدمنا للخمر لا يهتم بأمور الدنيا وهمومها وفى يوم من الأيام وهو فى بلدة الطائف غارق فى ملذاته حسب عادته فقد وعيه ونفذ صبره وثرثر بكلام كثير فقال من ضمن ما قاله
لرفاقه فى مجلس اللهو، إنه لا يهمه أن يبادل مفتاح كعبة الله الأمانة الكبرى بقدح من خمر.
وتداولت الألسن هذه الشائعة حتى بلغت سمع قصى بن كلاب فأخذ لتوه قربة شراب وأعطاها
(1)
لأبى غبشان وأخذ منه المفتاح الشريف فى حضور عدة أشخاص وأرسل ابنه عبد الدار ليلا إلى مكة المباركة، يبلغ أهلها بالأمر فأصبح بهذا صاحب المفتاح الشريف، وسعد أعظم سعادة.
وعند ما أفاق أبو غبشان واسترد وعيه أراد أن يسترد مفتاح الكعبة من ابن كلاب، ولكن الأمر كان قد شاع بين أهل مكة ولما رفع الأمر إلى ما يشبه المحاكمة بين المتخاصمين ثبت بشهادة الشهود أن أبا غبشان قد أضاع المفتاح وليس له أحقية فى استرداده وضربت الأمثال فى ذلك إذ يقال «أحمق من أبى غبشان» و «أخسر من أبى غبشان» .
ويضرب العرب-الآن-مثل «أخسر صفقة من أبى غبشان» للذين يخدعون فى البيع والشراء والذين يتعرضون لمصيبة كبيرة.
وقد انزعج أشرار بنى خزاعة لامتلاك ابن كلاب للمفتاح الشريف، وكثر القيل والقال فى هذا الموضوع وأخذت نار الخصام تشتعل بينهم لأتفه الأسباب فى مبدأ الأمر إلى أن اندلعت فتنة عظيمة أدت إلى الحرب.
ولما كان طالع الحرب فى عون قصى، فقد سعد بشرف الحصول على إدارة حكومة مكة.
وفى أثناء اتحاد آل خزاعة ضد ابن كلاب، جمع قصى قومه من قريش وبنى إسماعيل للتصالح والاتفاق مع آل خزاعة فى مجلس صلح، ولكن بمجرد النقاش فى الموضوع ارتفعت الأصوات وتحول النقاش الجارى بينهما إلى نزاع وشجار.
(1)
يروى أيضا أن «قصى» أعطى أبا غبشان فى تلك الليلة مع قرية مملوءة بالخمر خروفا أيضا.
وأعد كلا الطرفين من فى جانبهما من المتحاربين وتهيئا للقتال والمبارزة والحرب ووجهوا كل ما فى طاقتهما للصراع الشرس وتشابكا.
ولاحت علامات النصر والظفر فى جانب قصى بن كلاب بن مرة وانفرد ابن كلاب بإدارة الحكومة الجليلة للحرم الشريف ورئاسة القبائل، وطرد آل خزاعة من أرض مكة المباركة العطرة وأقصاهم عنها، وتأمر ذوو الشأن وكبار القبائل التى انطوت تحت جناح ابن كلاب، برئاسته واستقلاله فأظهروا له الولاء والتبعية والاستسلام.
وقد أورد مؤلف كتاب «الاكتفاء» هذه القصة بطريقة أخرى إذ قال: «عند ما توفى كلاب بن مرة» كان ابنه قصى حديث الفطام من الرضاعة وتزوجت أمه فاطمة بنت سعد من ربيعة بن خرام من قبيلة قضاعة. واصطحب ربيعة هذا فاطمة أم قصى. إلى بلاد بنى قضاعة وأنجبت من زوجها الجديد غلاما اسمه «زراح» .
تربى ابن كلاب مع أخيه من الأم «زراح» وعند ما بلغ سن الرشد، ذهب إلى مكة المكرمة مع حجاج بنى قضاعة للزيارة وبعد الحج أقام بجوار حرم الله وأعلن لأهل مكة أنه من فروع نسل إسماعيل وتزوج من «حبى» ابنة حليل بن خبشية وهو من رؤساء آل خزاعة وهناك قول أن اسمها «حسبا» وفى رأى أنها عاتكة بنت فالج فأصبح بذلك ذا عزة وشأن.
وأنجب قصى أربعة أبناء يتصفون بالشجاعة هم: عبد الدار وعبد مناف وعبد العزى وعبد قصى وبعد ذلك انتزع سدانة الكعبة المباركة وإمارة مكة المكرمة من أيدى بنى خزاعة وكانت حكرا لهم.
وأخذ يفكر فى وسيلة لإلغاء نظام «الإجازة» الجائرة التى كانت مرعية بين العرب لكنه كتم آماله فى قلبه إلى أن يجد طريقة لتنفيذها فى ذهنه. وأدرك أن هذا الأمر فى حاجة إلى إعداد قوة عسكرية كبيرة وتهيئة الأسباب التى تحقق هذا.