الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بما حرمه الله فيكون آثما، وإن لم يرتكب ما جال بخاطره وتكتب عليه سيئة فى صحيفة أعماله.
وبناء على هذا الأمر استوطن عبد الله بن عباس الطائف، وقال ابن مسعود:
«لا يوجد بلد غير مكة يؤاخذ فيه بالهمّ قبل الفعل-يعنى فعل السوء» .
حكاية:
يقال إن رجلا استودع أحد أحبابه أمانة ليحفظها له لفترة، ولكنه كان امرأ سوء فقرر ألا يعيد الأمانة إلى صاحبها وأنكر أنه أخذها بل اجترأ على القسم بذلك أمام كعبة الله. وفي نفس الليلة التى أقسم فيها مات وتحول وجهه إلى وجه كلب.
حكاية أخرى:
يروى أن رجلا آخر فى أثناء طوافه بالكعبة لمح معصم امرأة جميلة كانت تطوف بجواره، فمد يده لذراع المرأة ليتلذذ بملامستها. ولأن المرأة كانت عفيفة صالحة فقد تضايقت من تصرف الرجل، وتعلقت بجدار الكعبة وهى تنوى أن تشكو هذا الأمر إلى الله-سبحانه وتعالى-صاحب البيت المشرف.
ولكن الرجل لم يقتنع بالوقاحة التى ارتكبها، وسار فى أعقابها ومد يده إلى المرأة للمرة الثانية وعلى الفور شلت يده التى مدها فصار أكتع «نعوذ بالله تعالى» انتهت.
وهكذا تكون نهاية من يرتكبون الآثام فى الحرم الشريف ويلقون جزاءهم بما اقترفوا-حفظنا الله جميعا-آمين. الحرم الشريف للمسجد الحرام ليس مكانا خاصا لأداء الصلاة فقط مثل سائر المساجد ولا يحد بجدران المسجد، بل يمتد ليحتوى كل الأراضى المقدسة داخل المواقيت المكانية المعلومة، لذا فإن الباحثين المدققين من الأسلاف الذين اختاروا المجاورة فى مكة المكرمة، كانوا يخدمونه بتبصرة تامة وانتباه كامل.
قصة غريبة:
كان وهب بن رودكى أحد أولياء الله الذين لهم باع طويل بحقائق المسجد الحرام، انتهز الفرصة المناسبة لتنبيه الذين اختاروا المجاورة في مكة المكرمة فقال: «كنت أصلى ذات ليلة فى حجر إسماعيل، وفجأة سمعت صوتا
من وراء ستار الكعبة، فأنصت إليه فإذا بالكعبة ذاتها تقول: «يا جبريل أشكو إليك بعد الشكوى إلى الله الحق من أهل الهوى الذين يتفوهون بكلمات تدل على انصرافهم للهو ولغو الكلام فى أثناء وطول مصاحبتهم، فإن لم يستغفروا ويتولوا عن ذنوبهم ويتخلصوا مما اقترفوا فسوف أنتفض انتفاضة قوية بحيث يتطاير كل حجر من أحجارى إلى الجبل الذى أخذ منه وهكذا أزول فى الحال «وما إن سمعت هذه الشكوى والحوار بين الكعبة والرسول الجليل حتى اعترانى الاضطراب والرجفة.
ويتناقل هذه الحكاية الغريبة من سمعوها من وهب نفسه، ويوصون الحجاج بألا يحرصوا على الإقامة بمكة بعد الرجوع من عرفة.
وقد أجاب الإمام مالك-رحمه الله-على سؤال طرح عليه لتوضيح هذه المسألة وكان السؤال: هل العودة بعد الحج أفضل أم الإقامة بمكة للمجاورة؟
فأجاب: إن العودة بعد الحج أفضل.
وإذا كان الإمام مالك يرى أنه يكره المجاورة، فإن الإمام أبا حنيفة يروى عنه فى رواية صحيحة أنه قال «يجب على الذين ينتهون من أداء الحج أن يعودوا إلى بلادهم وأولادهم وزوجاتهم» غير أن الإمام أبا يوسف والإمام محمدا والإمام الشافعى والإمام أحمد بن حنبل لم يتشددوا فى هذا الأمر اتفقوا بأن مجاورة مكة أمر مستحب.
أما الإمام الأعظم فأفتى بكراهية مجاورة مكة المكرمة، وذلك لملاحظة أن عامة الناس يعجزون عن رعاية حقوق الحرم المحترم، وفى الواقع أن طوائف العامة لا يراعون حرمة الكعبة المعظمة حق رعايتها.
والمقصود من كراهة المجاورة بالنسبة للإمام الأعظم ليس مجرد الإقامة في مكة المكرمة، بل إنه يذكر محظورين يجب اجتنابهما أحدهما: أنه كلما طالت الإقامة فيها يأنس القلب بالبيت ويألفه لأن تكرار المشاهدة وكثرتها تؤدى إلى
التقليل من حرمة بيت الله عند النظر إليه. والآخر الخوف من ارتكاب المعاصى التى تؤدى إلى فساد الأخلاق والفسق فى حرم الله نعوذ بالله تعالى من هذا وما أتعس المؤمن الذى تعرض لارتكاب هذين المحظورين. وهذا ما تؤكده الآية الكريمة: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ} (الحج:25) وما تفيده الآية الكريمة أن كل من يعدل عن الحق ويرتكب الظلم والجور قاصدا معصية الله فإن الله-سبحانه وتعالى-سيذيقه عذابا أليما.
أما من كانوا مفطورين على إعزاز البيت الشريف وإجلاله عند ما يرونه كل مرة يعتريهم الخشوع والمهابة والدهشة. كأنهم يرونه أول مرة إذا كانوا قادرين على ذلك فمما لا شك فيه ولا شبهة أن نعمة المجاورة سعادة فوق الوصف ومبعث الفخر والسرور.
ومع هذا فإن كراهية مجاورة مكة خاصة بالمسلمين الذين عاشوا فى العصور السابقة، وأما الآن فقد تغيرت الدنيا واضطر المسلمون أن يختلطوا بالأجانب وأن يتأثروا بأخلاقهم، كما أن أسباب المعيشة اضطرت الناس إلى المقابلة بالتقى والشقى، لذا فأولى بالنسبة لصفاء النفوس أن يلجئوا إلى بلدة الله أو إلى البلدة الطيبة لرسول الله حيث يلوذون إلى الله الغفار راجين عونه ورحمته.
وبما أن الكعبة وما حولها مقر الأنبياء والأولياء فمن المرجو أن يتأثر هؤلاء الضعاف من المسلمين بهم ويقتدوا بهم وهم يداومون فى الطواف حول بيت الله.
يقول الإمام اليافعى فى كتابه المسمى «روض الرياحين» :
«يرى أحيانا الملائكة الكرام والأنبياء العظام وخاصة الأولياء الكرام ذوى الاحترام حول الكعبة وجوارها، وأكثر ما يرى فى ليالى أيام الاثنين والخميس والجمعة، ويروى أنه يشاهد إبراهيم-عليه السلام-وأولاده عيسى عليه السلام وجماعته فى حجر إسماعيل وفرق الملائكة عند الحجر الأسود، وسيد الأنبياء عليه وعليهم التحيات، وأهل بيته والصحابة والأولياء أمام الركن اليمانى.