الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الخامس في الاشتراك
قال الرازي: اللفظ المشترك هو: اللفظ الموضوع لحقيقتين مختلفتين أو أكثر وضعا أولا من حيث هما كذلك.
فقولنا: "الموضوع لحقيقتين مختلفتين" احترزنا به عن الأسماء المفردة.
وقولنا: "وضعا أولا": احترزنا به عما يدل على الشيء بالحقيقة وعلى غيره بالمجاز.
وقولنا: "من حيث هما كذلك" احترزنا به عن اللفظ المتواطئ؛ فإنه يتناول الماهيات المختلفة، لكن لا من حيث إنها مختلفة، بل من حيث إنها مشتركة في معنى واحد.
المسألة الأولى: في بيان إمكانه ووجوده:
وجود اللفظ المشترك: إما أن يكون واجبا، أو ممتنعا، أو جائزا، وقال بكل واحد من هذه الأقسام قائل: أما القائلون بالوجوب، فقد احتجوا بأمرين:
الأول: أن الألفاظ متناهية، والمعاني غير متناهية، والمتناهي إذا وزع على غير المتناهي، لزم الاشتراك.
وإنما قلنا: "إن الألفاظ متناهية" لأنها مركبة من الحروف المتناهية، والمركب من المتناهي متناه.
وإنما قلنا: "إن المعاني غير متناهية" لأن الأعداد أحد أنواع المعاني، وهي غير متناهية.
وأما أن المتناهى إذا وزع على غير المتناهى، حصل الاشتراك، فهو معلوم بالضرورة.
الثاني: أن الألفاظ العامة كالوجود والشيء، لا بد منها في اللغات، ثم قد ثبت أن وجود كل شيء، نفس ماهيته، فيكون كل شيء مخالفا لوجود الآخر، فيكون قول الموجود عليها بالاشتراك.
والجواب عن الأول بعد تسليم المقدمتين الباطلتين أن نقول: الأمور التي يقصدها المسمون بالتسمية متناهية، فإنهم لا يشرعون في أن يسموا كل واحد من الأمور التي لا نهاية لها، فإن ذلك مما لا يخطر ببالهم، فكيف يقصدون تسميتها؟ بل لا يقصدون إلا إلى تسمية أمور متناهية، ويمكن أن يكون لكل واحد منها اسم مفرد.
وأيضا: فكل واحد من هذه الألفاظ المتناهية، إن دل على معان متناهية، لم يكن جميع الألفاظ المتناهية دالا على معان غير متناهية؛ لأن المتناهى، إذا ضوعف مرات متناهية، كان الكل متناهيا.
وإن دل كل واحد منها أو بعضها على معان غير متناهية، فالقول به مكابرة.
وعن الثاني: أنا لا نسلم أن الألفاظ العامة ضرورية فاللغات؛ وإن سلمنا ذلك، لا نسلم أن الوجود غير مشترك في المعنى.
وإن سلمنا؛ لكن لم لا يجوز اشتراك الموجودات بأسرها في حكم واحد سوى الوجود، وهو المسمى بتلك اللفظة العامة؟
أما القائلون بالامتناع، فقد قالوا: المخاطبة باللفظ المشترك لا تفيد فهم
المقصود على سبيل التمام، وما يكون كذلك، كأن منشأ للمفاسد على ما سيأتي تقريره في مسألة أن الأصل عدم الاشتراك، وما يكون منشأ للمفاسد، وجب ألا يكون.
والجواب: لا نزاع في أنه لا يحصل الفهم التام من سماع اللفظ المشترك؛ لكن هذا القدر لا يوجب نفيه، لأن أسماء الأجناس غير دالة على أحوال تلك المسميات لا نفيا ولا إثباتا، والأسماء المشتقة لا تدل على تعين الموصوفات ألبته، ولم يلزم من ذلك جزم القول بأنها غير موضوعة، فكذا هاهنا.
وإذا بطل هذان القولان، فنحن نبين الإمكان أولا، ثم الوقوع ثانيا: أما بيان الإمكان، فمن وجهتين:
الأول: أن المواضعة تابعة لأغراض المتكلم، وقد يكون للإنسان غرض تعريف غيره شيئا على التفصيل، وقد يكون غرضه تعريف ذلك الشيء على الإجمال؛ بحيث يكون ذكر التفصيل سببا للمفسدة، كما روى عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال للكافر الذي سأله عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقت ذهابهما إلى الغار:(من هو؟ فقال: رجل يهديني السبيل) ولأنه ربما لا يكون المتكلم واثقا بصحة الشيء على التعيين، إلا أنه يكون واثقا بصحة وجود أحدهما؛ لا محالة؛ فحينئذ يطلق اللفظ المشترك؛ لئلا يكذب، ولا يكذب ولا يظهر جهله بذلك؛ فإن أي معنى يصح، فله أن يقول: إنه كان مرادي.
الثاني: أن ما ذكروه من المفاسد، لو صح: فإنما يقدح في أن يضع الواضع لفظا لمعنيين على سبيل الاشتراك، لكنه يجوز أن يوجد المشترك بطريق آخر،