الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال التبريزي في إطلاق الكل على الجزء قال: (كإطلاق اللفظ العام على الخاص). فصرح باللفظ، وحقق ورود الإشكال على هذا الموضع، ثم قال: وهذا بإطلاق اسم الجزء على الكل أشبه، وهذا الذي قاله لا يتجه، فإن اللفظ العام ليس جزء الخاص، وإنما يتأتى ذلك في المعنى العام، كما تقدم بيانه.
(المسألة الرابعة: لا يدخل المجاز دخولا
أولياء إلا في أسماء الأجناس)
هو يحترز بهذا التقييد من ثلاثة أشياء:
المشتقات، والأعلام، والحروف، ويتعين أن يكون إطلاقه هاهنا أسماء الأجناس، باعتبار اصطلاح النحاة في وضعهم الأسماء لقبيل خاص من الكلمات، وما عداها يسمى فعلا أو حرفا.
وأما لو فرضناه أطلق باعتبار اللغة، فالحروف أيضا من أسماء الأجناس، وكذلك الأفعال؛ لأن كل واحد منها وضع لمسمى ذلك المسمى جنس في نفسه؛ لأن الجنس في اللغة:(كل حقيقة خالفت حقيقة أخرى في مقصود)، لقوله عليه السلام:(فإذا أختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم).
قوله: (مفهوم الحرف غير مستقل بنفسه، بل لابد أن ينضم إلى شيء آخر لتحصل الفائدة).
قلنا: قوله: غير مستقل بنفسه، إن أراد لا يستقل بصورة تصوره فمحال عند العالم بالوضع، فإن كل من سمع (ليت) انتقل ذهنه للتمني، و (ثم) انتقل ذهنه للعطف، وكذلك جميع الحروف المركبة، إلا أن يعرض لها اشتراك يصيرها مجملة، لكن ذلك لا يقدح، فإن الأسماء أيضا كذلك، وإن أراد أنه لا يستقل معناه بمعنى تصديقي، فكذلك جميع أسماء الأجناس، إنما تستقل قبل التركيب بالتصورات.
قوله: (إن ضم الحرف لما ينبغي ضمه إليه فهو مجاز في التركيب، لا في المفرد، وإن ضم لما ينبغي ضمه إليه فهو حقيقة).
قلنا: قد يضم لما ينبغي ضمه إليه من حيث اللفظ، بأن يركب مع لفظ وضعته العرب ليركب معه، ومع ذلك يكون مجازا لا حقيقة، قوله تعالى:{لقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} ] الأعراف: 11 [، -فثم- وضعت للتراخي في الزمان، وأن ما بعدها يكون واقعا في الزمان بعد الذي قبلها متراخيا عنه، مقتضى هذه القاعدة، أن يكون أمر الملائكة بالسجود متأخرا بالزمان عن خلقنا وتصويرنا، والواقع خلافه، فتعين المجاز، كذلك قوله تعالى: {ثم كان من الذين آمنوا}] البلد: 11 [بعد قوله: {فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة}] البلد: 13 - 15 [.
وأجمعت الأمة على أن الأمر بالإيمان متقدم على الأمر بالإعتاق والإطعام، فيتعين المجاز، وكذلك قول الشاعر] الخفيف [:
إن من ساد ثم ساد أبوه .... ثم ساد قبل ذلك جده
وقال الأدباء: معنى هذا البيت أن الشاعر أراد الإخبار بأن هذا وإن عظمت سيادته فلم تأته السيادة عن كلالة بل ان أبوه أعظم منه، وجده أعظم من أبيه، فصار المذكور بعد (ثم) واقعا قبلها، وهذا خلاف الوضع الأصلي، فاختلف الأدباء في هذا المقام.
فقال بعضهم وهو أكثرهم: أصل الترتيب في المخبر عنه، واستعمل هاهنا مجازا في ترتيب الخبر.
وقال الأقلون وهم المحققون: يلزم على هذا تراخي الكلام المتأخر عن الكلام المتقدم، والآيات نزلت جملة واحدة، وبيت الشعر أنشد جملة واحدة.
بل الصحيح أن هذا من مجاز التشبيه، وأن الرتبة العالية تشبه بالبعيد في الزمان، فشبه البعد بين الرتب بالبعد بين الأزمان، والتراخي بالتراخي، فيصير معنى الآية: أن أمر الملائكة في السجود لآدم كان أعظم في التشريف والتكريم من نفس الخلق والتصوير، ومرتبة الإيمان أشرف من رتبة العتق والإطعام، وسيادة الأب كانت أعظم من سيادة الابن، وسيادة الجد كانت أعظم من سيادة الأب.
وهذا معنى جميل مقصود للبلغاء، فيتعين الحمل عليه لعظم فائدته، وجلالة معناه، وعلى كلا المذهبين تكون (ثم) مستعملة في غير موضعها، إما في الخبر دون المخبر عنه كما قال الأولون، وإما في الترتيب، وهي لم توضع إلا للتراخي في الزمان، فيكون هذا مجازا في المفرد، ثم أسندت وركبت مع ما يصلح أن تركب معه، فإن تركبت (ثم) مع القول، وبقية النظائر ليس على خلاف الوضع اللغوي في التركيب.
وكذلك (بل) وضعت للإضراب عن المخبر عنه، فإذا قلت: قام زيد بل عمرو، أبطلت قيام زيد، وأثبت القيام لعمرو، وقد يستعمل الإضراب عن الخبر دون المخبر عنه، كما قال الله تعالى:{بل إدارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون} ] النمل 66 [فإن المعنى المتقدم على (بل) لم يضرب عنه، بل قال العلماء: معناه يكفي من الإخبار عن هذا
المعنى، يشرع في الإخبار عن القصة الثانية، فهي إضراب عن الخبر، لا عن المخبر عنه، وهو كثير في القرآن، وكلام العرب، فقد استعملت (بل) مجازا في الإضراب عن الخبر؛ لأنها لم توضع له، وهو من مجاز المفرد، ووقع ذلك كثيرا في الحروف تكون مجازا في الإفراد مع تركيبها مع ما يصلح أن تركب معه.
و (لعل) للترجي، ثم تستعمل في غيره كما في قوله تعالى:{لعلهم يهتدون} ] الأنبياء: 31 [.
قال العلماء: الترجي على الله-تعالى- محال، فتصرف (لعل) لطلب الاهتداء، فتكون أمرا بالاهتداء، وهذا مجاز في المفرد.
وقيل: تجعل إخبارا عن المبالغة في الفعل المتقدم، فيكون المعنى: فعلنا ذلك على أتم درجاته فعلا بليغا، فعل من يريد هدايتكم، ويتمناها، كونها أيضا استملت في المسألة مجازا في الإفراد، وعلى القولين هي مركبة مع ما يصلح للتركيب معه.
وكذلك (في) للظرفية، وتستعمل في السببية كقوله عليه السلام:(في النفس المؤمنة مائة من الإبل)، أي: بسبب قتلها، وفعله عليه السلام في الحميرية التي وجدها ليلة الإسراء في النار، فقالت:(حبست هرة حتى ماتت جوعا وعطشا فدخلت النار فيها)، أي: بسبب قتلها.
وقولنا: يحب في الله، ويبغض في الله، أي: بسبب طاعة الله معصيته، وهو كثير.
ثم قوله: (إن ضم لما ينبغي ضمه إليه فهو حقيقة).
قلنا: الضم ليس شرطا في كونه حقيقة، فإنا إذا نطقنا بلفظ، ثم بدا لنا في الكلام، فإن كان مرادنا بتلك اللفظة الظرفية الحقيقة، كانت حقيقة، أو غيرها كانت مجازا، فقد تقررت الحقيقة والمجاز بدون التركيب، فلا يكون التركيب شرطا كما إذا قلنا: الأسد، ونريد أن نقول: الأسد مفترس، ثم سكتنا، فإن كنا قد أردنا الحيوان المفترس، فهو حقيقة، وإلا فهو مجاز إن أردنا زيدا الشجاع، ولا عبرة بالتركيب في استعمال مفردات الألفاظ] حقائق ولا مجازات بعد الأسماء، والأفعال، والحروف [.
قوله: (الفعل دال على ثبوت شيء لموضوع غير معين في زمان معين).
معناه: انك إذا قلت: قام، دل على ثبوت القيام لفاعل غير معين من جهة اللفظ، وقد يكون معلوما لا من جهة هذه اللفظة، وإن قصد بذلك اللفظ التحديد، بطل بقولنا: الصبوح، والغبوق، والمتقدم، والمتأخر، والماضي، والحال، والمستقبل، فإنها تدل على شيء لموضوع غير معين في زمان معين، ومع ذلك فهي أسماء، فيكون الخبر غير مانع.
قوله: (فيكون مركبا من المصدر وغيره، وما لم يدخل المجاز في المصدر، استحال دخوله في الفعل الذي لا يفيد إلا ثبوت ذلك المصدر لشيء).
قلنا: مسمى الفعل مركب من مسمى المصدر والزمان، ليس الفعل في نفسه مركبا، ولا مدلوله مركبا من المصدر، ثم نقول؛ المصدر له معنيان:
حركات الفاعلين، واللفظ الدال عليها، والأول لغوي، والثاني اصطلاحي، فإن أراد اللغوي صح قوله: إنه جزء مسمى الفعل، وبطل قوله: إن المجاز يدخل فيه؛ لأن المجاز من عوارض الألفاظ، دون المعاني، وإن أراد المصدر الاصطلاحي الذي هو اللفظ، بطل قوله: إنه جزء الفعل، فإنا نعلم بالضرورة أن من نطق بصيغة (ضرب)، ما نطق بصيغة (ضرب) - بتسكين الراء-، فلابد من بطلان إحدى المقدمتين بالضرورة، ثم إن الفعل له مسمى وهو الحركة والزمان، والمصدر له مسمى، وهو الحركة فقط، فهما لفظان متباينان، ومسمياهما متغايران، فقد ينطق الإنسان بلفظ الفعل مجازا، ولا ينطق بلفظ المصدر، كما قال الله تعالى:{جدارا يريد أن ينقض} ] الكهف: 77 [، فدخل المجاز في لفظ (أراد)، والإرادة نفسها لم ينطق بلفظها حتى يدخله المجاز، فإن المجاز فرع النطق باللفظ، ويلزم من هذا بطلان قوله: إنه ما لم يدخل المجاز في المصدر لا يدخل في الفعل، بل قد يدخل في الفعل طول الدهر، ولا يدخل في المصدر مرة واحدة؛ لأنهما لفظان متباينان، لا يلزم من التلفظ بأحدهما التلفظ بالآخر، ويظهر هذا بطلان قوله: إن المجاز لا يدخل في الفعل إلا بطريق العرض، بل يدخل بالذات كما تقدم، ولا يدخل بالعرض في صورة واحدة، فإنه ليس لنا صورة يتعذر فيها التجوز بالمصدر والنطق به، إلا حتى بنطق بالفعل التزاما، فيحصل في المصدر بالذات، وفي الفعل بالعرض، بل جميع الصور يصح النطق فيها بالفعل وحده، والمصدر وحده بحسب ما تدعو الضرورة إلى هذا أو هذا، وليس لنا صورة يجب اجتماعهما فيها، فلا يلزم المجاز بالعرض في حالة من الحالات، بل بالذات في جميع الصور في المصدر، وفي الفعل.
قوله: (الأعلام يتعذر فيها المجاز لعدم العلاقة).
قلنا: لا نسلم عدم العلاقة لا عند الوضع، ولا بعده.
أما عند الوضع فلأن كثيرا من الناس يسمون أولادهم بأمور قارنت ولادتهم، فيسمون رمضان من ولد في رمضان، ومكي من ولد بـ (مكة)، وجمرة وحرب من ولد في زمن الشدائد، وكان كثير من الجاهلين يسمون بذلك، وبضده من قارن مولده الخير: بمفلح، حارث، وصالح، وغير ذلك، والمقارنة أحد أنواع العلاقة، وهي حاصلة هاهنا.
غايته: أن ذلك لم يوجد في كل الأعلام، وكذلك ليس كل أسماء الأجناس يصح التجوز عنها، لعدم العلاقة في بعضها.
وأما بعد الوضع فكقول العرب: زيد زهير شعرا، وحاتم جودا، وعلى شجاعة، وأبو يوسف أبو حنيفة، فالعلم الثاني أبدا مجاز عبر به عن الأول لمشاركته له في نقل الصفة، وهذا متيسر في كل علم شارك غيره في صفة، فظهر أن العلم يدخله المجاز عند الوضع وبعده دخولا بالذات لا بالعرض، مع أن مجاز العرض لا يتصور أبدا كما تقدم بيانه، بل إما مجاز بالذات، وإلا فلا مجاز ألبتة.
قوله: (وأما المشتق فلما لم يتطرق المجاز للمشتق منه، لا يتطرق إلى المشتق منه الذي لا معنى له إلا أنه أمر ما حصل له المشتق منه).
قلنا: المشتق لفظ، وله مسمى، وهو ذات ما قام بها مسمى المشتق منه لا المشتق منه، والمشتق منه: لفظ له مسمى آخر، هو جزء مسمى المشتق منه، فهما لفظان متباينان، ومسمياهما متغايران، ولا يلزم من النطق بأحدهما النطق بالآخر نحو: المريد، والإرادة، والعالم، والعلم، فقد يقول: جدار مريد السقوط، ولا يتلفظ بلفظ الإرادة، فيقول: فلان عالم بصنيع فلان، يريد أنه ظان إياه، أو مجاز له عليه؛ فإن العلم، وما يصرف منه يستعمل في هذين المعنيين مجازا، ولا ينطق بلفظ العلم ألبتة، فيدخل المجاز
بالذات في المشتق، ولا يدخل في المشتق منه ألبتة، وقد يتجوز بالعلم، والإرادة، ولا ينطق بلفظ المريد، والعالم ألبتة فلا يدخلها المجاز لا بالذات ولا بالعرض، وينبغي أن تعلم هاهنا أمرين:
أحدهما: أن المشتق منه اللفظ دون المعنى، فلفظ (ضارب) مشتق من لفظ الضرب لا من معناه، فإن الاشتقاق من عوارض الألفاظ باعتبار معانيها، لا من عوارض المعاني باعتبار ألفاظها.
وثانيهما: أن المجاز من عوارض الألفاظ دون المعاني، وحينئذ يبطل جميع هذا الكلام، ولا يدخل مجاز في لفظ بطريق العرض ألبتة، بل في الذات فقط، ومتى دخل في لفظ لا يلزمه دخوله في لفظ آخر؛ لأن النطق به غير لازم، وهذه المقدمات ظاهرة جدا، ومقتضاها ألا يتحصل من هذه المسألة شيء ألبتة، بل تبطل من أولها إلى آخرها في الحروب، والأعلام، والمشتقات، كانت أفعالا أو أسماء.
فإن قلت: الأفعال والمشتقات] لها [كلها أحكامها كلها بطريق] العرض [فيها، وبالذات في المشتق منه، فالخبر نحو: قام زيد، والإخبار في الظاهر بالفعل، وفي التحقيق بالمصدر فما حصل له الإخبار بالفعل إلا بواسطة الإخبار بالمصدر، وكذلك النفي] نحو [: ما قام زيد، النفي في الزاهر للفعل، وفي التحقيق للمصدر، فما دخل في الفعل إلا بواسطة دخوله في المصدر، وكذلك التأكيد، والتشبيه، فكذلك ينبغي في المجاز.
قلت: هذا صحيح؛ لأن العرب وضعت الأفعال، والمشتقات لتضيف بها مسميات الأجناس إلى المحكوم عليه.
وأما المجاز فهو] استعمال [لأسماء الأجناس لا لمسمياتها، والفعل