الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثاني
في تقسيم الألفاظ
قال الرازي: وهو من وجهين: التقسيم الأول:
اللفظ: إما أن تعتبر دلالته بالنسبة إلى تمام مسماه أو بالنسبة إلى ما يكون داخلا في المسمى من حيث هو كذلك، أو بالنسبة إلى ما يكون خارجا عن المسمى من حيث هو كذلك.
فالأول: هو المطابقة.
والثاني: التضمن.
والثالث: الالتزام.
*تنبيهات:
الأول: الدلالة الوضعية هي: دلالة المطابقة، وأما الباقيتان فعقليتان؛ لأن اللفظ إذا وضع للمسمى انتقل الذهن من المسمى إلى لازمه، ولازمه إن كان داخلا في المسمى فهو التضمن، وإن كان خارجها فهو الالتزام.
الثاني: إنما قلنا في التضمن: إنه دلالة اللفظ على الجزء المسمى من حيث هو كذلك؛ احترازا عن دلالة اللفظ على جزء المسمى بالمطابقة على سبيل الاشتراك، وكذلك القول في الالتزام.
الثالث: دلالة الالتزام لا يعتبر فيها اللزوم الخارجي؛ لأن الجوهر والعرض
متلازمان، ولا يستعمل اللفظ الدال على أحدهما في الآخر، والضدان متنافيان،
وقد يستعمل اللفظ الدال على أحدهما في الآخر؛ كقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى:40]
بل المعتبر اللزوم الذهني ظاهرا، ثم هذا اللزوم شرط لا موجب.
ولنرجع إلى التقسيم، فنقول: اللفظ الدال بالمطابقة:
إما ألا يدل شيء من أجزائه على شيء حين هو جزؤه، وهو المفرد الأبكم.
وإما أن يدل كل واحد من أجزائه على شيء حين هو جزؤه، وهو المركب.
وإما أن يدل أحد جزئيه دون الآخر، وهو غير واقع؛ لأنه يكون ضما لمهمل إلى مستعمل، وهو غير مفيد.
أما المفرد، فيمكن تقسيمه على ثلاثة أوجه:
الأول: أن المفرد: إما أن يمنع نفس تصور معناه من الشركة، وهو الجزئي، أو لا يمنع وهو الكلي.
ثم الماهية الكلية: إما أن تكون تمام الماهية، أو جزءها، أو خارجا عنها.
والأول: هو المقول في جواب "ما هو".
والثاني: هو الذاتي.
والثالث: هو العرضي.
أما الماهية: فإما أن تكون ماهية واحد، أو ماهية أشياء.
والأول: هو الماهية بحسب الخصوصية.
وأما الثاني: فتلك الأشياء لا بد وأن يخالف كل واحد منها صاحبه في التعين:
فإما أن يحصل مع ذلك مخالفة بعضها بعضا في شيء من الذاتيات، أو لا يحصل.
فإن كان الأول، فتمام القدر المشترك بينها من الأمور الداخلة فيها هو تمام الماهية المشتركة؛
لأن ما هو أعم منه لا يكون تمام المشترك، وما هو أخص منه لا يكون مشتركا،
وما يساويه، فإن ساواه في الماهية، فهو هو لا غيره، وإن ساواه في اللزوم دون المفهوم،
لم يكن هو تمام القدر المشترك.
وإن كان الثاني، كان تمام القدر المشترك بينهما هو تمام ماهية كل منهما بعينه؛
إذ لو كان لكل واحد منهما ذاتي آخر وراء القدر المشترك، كانت المخالفة بينهما لا بالتعين فقط، بل وبالذاتيات، وقد فرض أنه لا مخالفة في الذاتيات؛ هذا خلف.
وأما الذاتي: فهو إما أن يكون تمام الجزء المشترك، وهو الجنس،
أو تمام الجزء الذي يميزه عما يشاركه في الجنس، وهو الفصل، أو المجموع الحاصل منهما، وهو النوع.
وإما ألا يكون كذلك، فيكون ذلك جزء الجزء، وهو إما جنس الجنس، أو جنس الفصل، أو فصل الفصل.
ثم إن الأجناس تترتب متصاعدة، وتنتهي في الارتقاء إلى جنس لا جنس فوقه، وهو جنس الأجناس.
والأنواع تترتب متنازلة إلى نوع لا نوع تحته، وهو نوع الأنواع.
وأما الوصف الخارج عن الماهية، فتقسيمه على وجهين:
الأول: أن ذلك الخارجي، إما أن يكون لازما للماهية، أو للوجود، أولا يلزم واحدا منهما.
ثم لازم كل واحد من القسمين قد يكون بوسط، وقد يكون بغير وسط،
والذي يكون بوسط ينتهي إلى غير ذي وسط، وإلا لزم الدور أو التسلسل.
وغير اللازم: قد يكون سريع الزوال، وقد يكون بطيئه.
الثاني: أن الوصف الخارجي: إما أن يعتبر من حيث إنه مختص بنوع واحد لا يوجد في غيره، وهو الخاصة.
أو من حيث إنه موجود فيه وفي غيره، وهو العرض العام.
وهذا التقسيم وإن كان بالحقيقة في المعاني، لكنه عظيم النفع في الألفاظ.
التقسيم الثاني للفظ المفرد:
وهو: أنه إما أن يكون معناه مستقلا بالمعلومية، أو لايكون،
والثاني هو: الحرف.
والأول: إما أن يكون اللفظ الدال عليه دالا على الزمان المعين لمعناه، وهو الفعل.
أو لا يدل، وهو الاسم، ثم الاسم تقسيمه من وجهين:
الأول: أن الاسم إن كان اسما للجزئي، فإن كان مضمرا، فهو: المضمرات، وإن كان مظهرا فهو العلم.
وإن كان اسما للكلي، فهو: إما أن يكون اسما لنفس الماهية، كلفظ السواد،
وهو المسمى باسم الجنس في اصطلاح النحاة، أو لموصوفية أمر ما بصفة،
وهو الاسم المشتق، كلفظ الضارب، فإن مفهومه: أنه شيء ما مجهول بحسب دلالة هذا اللفظ،
لكن علم منه أنه موصوف بصفة الضرب.
الثاني: أن الاسم هو: الذي يدل على معنى، ولا يدل على زمانه المعين.
وهو على أقسام ثلاثة:، فإن المسمى قد يكون نفس الزمان، كلفظ الزمان واليوم والغد.
وقد يكون أحد أجزائه الزمان كالاصطباح والاغتباق، ولهذا يتطرق إليه التصريف،
وقد لا يكون زمانا ولا مركبا من الزمان، كالسواد وأمثاله.
التقسيم الثالث للفظ المفرد:
وهو: إما أن يكون اللفظ والمعنى واحدا، أو يتكثرا، أو يتكثر اللفظ ويتحد المعنى، أو بالعكس.
أما القسم الأول: فالمسمى، إن كان نفس تصوره مانعا من الشركة ومظهرا فهو العلم.
وإن لم يمنع، فحصول ذلك المسمى في تلك المواضع، إن كان بالسوية، فهو المتواطىء.
أو لا بالسوية، فهو: المشكك، كالوجود الذي ثبوت مسماه للواجب أولى من ثبوته للممكن.
إما إذا تكثرت الألفاظ وتعددت، أو تباينت المعاني، فهي المتباينة،
سواء تباينت المسميات بذواتها، أو كان بعضها صفة للبعض، كالسيف والصارم،
أو صفة للصفة كالناطق والفصيح.
وأما إذا تكثرت الألفاظ واتحد المعنى، فهو الألفاظ المترادفة، سواء كانت من لغة واحدة، أو من لغات كثرة.
وأما إذا اتحد اللفظ وتكثر المعنى،
فهذا اللفظ إما أن يكون قد وضع أولا لمعنى ثم نقل عنه إلى معنى آخر، أو وضع لهما معا.
أما الأول: فإما أن يكون ذلك النقل لا لمناسبة بين المنقول إليه والمنقول عنه، وهو المرتجل.
أو لمناسبة، وحينئذ: إما أن تكون دلالة اللفظ بعد النقل على المنقول إليه أقوى من دلالته على المنقول عنه،
أو لا تكون.
فإن كان الأول: سمي اللفظ بالنسبة إلى المنقول إليه لفظا منقولا، ثم الناقل، إن كان هو الشارع، سمي لفظا شرعيا.
أو أهل العرف، فيمسى لفظا عرفيا، والعرف: إما أن يكون عاما، كلفظ الدابة،
أو خاصا، كالاصطلاحات التي لكل طائفة من أهل العلم.
وأما إن لم تكن دلالته على المنقول إليه أقوى من دلالته على المنقول عنه،
سمي ذلك اللفظ بالنسبة إلى الوضع الأول حقيقة، وبالنسبة إلى الثاني مجازا.
ثم جهات النقل كثيرة، من جملتها المشابهة، وهي المسمى بالمستعار خاصة.
وأما إذا كان اللفظ موضوعا للمعنين جميعا، فإما أن تكون إرادة ذلك اللفظ لهما على السوية،
أو لا تكون على السوية.
فإن كانت على السوية، سميت اللفظة بالنسبة إليهما معا "مشتركا"،
وبالنسبة إلى كل واحد منهما "مجملا"؛ لأن كون اللفظ موضوعا لهذا وحده،
ولذلك وحده، معلوم؛ فكان مشتركا من هذا الوجه.
وأما إن كان المراد منه هذا أو ذاك غير معلوم، فلا جرم كان مجملا من هذا الوجه.
وأما إن كانت دلالة اللفظ على أحد مفهوميه أقوى، سمي اللفظ بالنسبة إلى الراجح ظاهرا،
وبالنسبة إلى المرجوح مؤولا.
*تنبيه: الأقسام الثلاثة الأول مشتركة في عدم الاشتراك؛ فهي نصوص.
وأما الرابع فينقسم إلى: ما إفادته لأحد مفهوميه أرجح من إفادته للثاني، وهو الظاهر،
وإلى ما لايكون كذلك، وهو الذي يكون على السوية، وهو المجمل، أو مرجوحا، وهو المؤول.
فالنص والظاهر يشتركان في الرجحان، إلا أن النص راجح مانع من النقيض، والظاهر راجح غير مانع من النقيض.
فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمحكم، فهو جنس لنوعين: النص والظاهر.
والذي لا يقتضي الرجحان، فهو المتشابه، وهو جنس لنوعين: المجمل والمؤول.
أما المركب فنقول: الحاجة إلى اللفظ المركب، كما تقدم، للإفهام،
فالقول المفهم، إما أن يفيد طلب شيء إفادة أولية، أولا يفيده.
فإن كان الأول: فإما أن يفيد طلب ذكر ماهية الشيء، وهو الاستفهام.
أو طلب التحصيل، وهو إن كان على وجه الاستعلاء، فهو الأمر،
وإن كان على وجه الخضوع، فهو السؤال،
وإن كان على وجه التساوي، فهو الالتماس، وكذلك القول في طلب الامتناع.
وأما القول المفهم الذي لا يفيد طلب شيء إفادة أولية: فإما أن يحتمل التصديق والتكذيب، وهو الخبر،
أولا يكون كذلك، وهو مثل التمني والترجي والقسم والنداء، ويسمى هذا القسم بالتنبيه تمييزا له عن غيره.
وأنواع جنس التنبيه معلومة بالاستقراء لا بالحصر، هذا كله تقسيم دلالة المطابقة.
أما تقسيم دلالة الالتزام، فنقول: المعنى المستفاد من دلالة الالتزام،
إما أن يكون مستفادا من معاني الألفاظ المفردة أو من حال تركيبها.
والأول قسمان؛ لأن المعنى المدلول عليه بالالتزام: إما أن يكون شرطا للمعنى المدلول عليه بالمطابقة، أو تابعا له.
فإن كان الأول، فهو المسمى بدلالة الاقتضاء.
ثم تلك الشرطية قد تكون عقلية، كقوله صلى الله عليه وسلم:"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان"
فإن العقل دل على أن هذا المعنى لا يصح إلا إذا أضمرنا فيه الحكم الشرعي.
وقد تكون شرعية كقوله: "والله، لأعتقن هذا العبد"
فإنه يلزمه تحصيل الملك؛ لأنه لا يمكنه الوفاء بقوله شرعا إلا بعد ذلك.
وأما إن كان تابعا لتركيبها، فإما أن يكون من مكملات ذلك المعنى، أو لا يكون.
فالأول: كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب عند من لا يثبته بالقياس.