الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقولنا: الشرب أول النهار خبر، والصبوح ليس خبرا، وكذلك الغبوق: الشرب آخر النهار، وليس خبرا في نفسه، وتفسيره خبر، والمتقدم هو: المعلوم الواقع قبل غيره.
وقولنا: المعلوم الواقع قبل غيره خبر، وكذلك المتأخر، والماضي، والمستقبل، والحاضر، بل لفظ الخبر مدلوله يدخله التصديق، والتكذيب، وهو في نفسه لا يدخله ذلك، وكذلك الشأن، والقصة، والحديث، والكلام، والقصيدة، والجملة، وهو كثير، فلا يلزم من كون اللفظ يفسر مدلوله بما يقبل التصديق أن يكون في نفسه خبرا يقبل التصديق.
قوله: (يلزم أن يكون قولنا: أخرجه القادر تكرارا).
قلنا: لا نسلم أنه تكرار؛ لأن قولنا: أخرجه القادر قضية فيها حكم، وأخرج في نفسه ليس فيه حكم، فقد أنشأنا ما لم يكن في نفس اللفظ.
(قاعدة)
دلالة اللفظ على المعنى ثلاثة أقسام:
أحدها: دلالته على إضافة معنى لمعنى على سبيل التقييد بالتركيب، كدلالة لفظ العشرة على خمسة مركبة مع خمسة من الألفاظ المفردة.
وثانيها: دلالة اللفظ على تقييد معنى لمعنى على سبيل الإضافة، نحو: غلام زيد.
وثالثها: دلالة اللفظ على تقييد معنى لمعنى على سبيل الصفة، نحو: كان زيد الكاتب مسافرا، فالكاتب صفة لا خبر، وهذه كلها يدل اللفظ فيها على إضافة معنى لمعنى خاص، وليست خبرا، وظهر بهذه القاعدة أن دلالة اللفظ على المعاني المركبة أعم من الدلالة التصورية، والتصديقية، فالذي تقدم كله دلالته على التركيب دلالة تصورية.
وأما الدلالة التصديقية، فهي كقولنا: زيد قائم ونحوه من القضايا خبرا أو طلبا.
ثم نقول: التفاسير لمسميات الألفاظ كلها كذلك، فإن كان الإنسان عالما بمدلول اللفظة لم يجز أن يفسر له؛ لأنه تحصيل الحاصل.
فقد منع ابن السراج- في كتاب (الأصول) في النحو- أن يقال: النار حارة، والثلج بارد لمن هو عالم بذلك، وإن كان السامع لا يعلم ذلك حسن التفسير له، وكذلك ها هنا، وكل حد مع محدوده كذلك، فإنا إذا قلنا: الإنسان هو الحيوان الناطق، مع أنه لا معنى للإنسان إلا الحيوان الناطق يلزم ما ذكره من التكرار، فلو كان هذا محذورا انسد باب التحديد، وهو باطل.
قوله: (إذا كانت موضوعة لمطلق القادر لا لقادر معين، لم يكن التعيين واقعا في مفهومات الألفاظ، بل في إسناد مفهوماتها إلى غير ما هو مسند إليه).
قلنا: وهذا هو المجاز في التركيب لغة؛ لأن اللفظ إذا وضع ليركب مع لفظ من هو قادر من حيث الجملة، فركب مع لفظ من لا قدرة له البتة، كان هذا التركيب على خلاف الوضع اللغوي، فكان مجازا في التركيب، فإنا لا نعني به إلا ذلك، كما أن لفظ السؤال لما وضع ليركب مع لفظ من يصلح للإجابة، فلما ركب مع لفظ القرية التي لا تصلح للإجابة في مجرى العادة، كان مجازا في التركيب، فكذلك ها هنا.
قوله: (فإن قلت: ما الفرق بين هذا المجاز وبين الكذب)؟
تقرير السؤال: أنه أسند الإنبات إلى الأرض، وهو غير مطابق للوضع اللغوي، فهو كمن قال: الواحد نصف العشرة في عدم المطابقة، فيلزم التسوية بينهما، واعلم أن هذا السؤال لا يخص المجاز في التركيب، بل
والمفرد أيضا، فإن الإنسان إذا قال: (الحائط يريد أن يقع مع أن الجدار لا يريد، أو فلان أسد، أو حمار مع أنه ليس كذلك، فهو غير مطابق، فينبغي أن يفرق بينه وبين الكذب، إذ لا معنى للكذب إلا عدم المطابقة.
قوله: (الفرق بينهما هو القرينة).
قلنا: المجاز قد يعري عن القرينة، ويكون مع الكذب القرينة، فيلزم أن يكون الكذب مجازا، والمجاز كذبا لما ذكره من الفرق.
أما عرو المجاز فلأن المتكلم قد يقصد الإلغاز، والإلباس على السامع، فإنه من مقاصد العقلاء، فيتجوز، ولا يبدي قرينة أو تكون حقيقة لا يفهمها السامع، ولا يخل ذلك بحقيقة المجاز، فإن المجاز إنما يشترط فيه العلاقة وهي لابد منها، أما القرينة فهي شرط في فهم السامع المجاز، لا في حقيقة المجاز.
وأما اقتران القرينة بالكذب، فإن الإنسان إذا قال: أنا أقدر على إزالة الشمس من الفلك، وشرب البحر الملح، وغير ذلك مما يعلم أو يظن أنه كذب، لقرينة حالة تعجزه عن ذلك، أو دلالة الدليل العقلي، أو الشرعي، أو العادي على كذبه، قطعنا بكذبه لأجل القرينة، فلا يمكن أن تجعل القرينة هي الفارق المميز، فإنه يؤدي إلى خلط الحقائق، بل الفارق أن الكاذب لفظه ليس مطابقا لما استعمله فيه، كان حقيقة أو مجازا، والمتجوز لفظه مطابق لما استعمله فيه، كانت معه قرينة أم لا.
بيان أن الكذب كذلك: أن من قال: الواحد نصف العشرة، فهو مستعمل لفظه فيما فهم عنه، وهو غير مطابق، ولفظه هذا حقيقة لغوية، وإذا قال: فلان أسد، وفلان في غاية الجبن، وقلة الشجاعة كان كذبا؛ لأنه استعمل لفظه في معنى المبالغة في الشجاعة، وهو غير مطابق، فظهر أن الكذب إنما يكون عن عدم المطابقة في الحقيقة والمجاز.